لندن ـ “القدس العربي”:
علقت صحيفة “الغارديان” في افتتاحيتها على رحيل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قائلة إن رحيله هي المهمة الأسهل. وبدأت افتتاحيتها بالإشارة إلى مشاهد الفرحة العارمة في شوارع الجزائر يوم الثلاثاء والتي كانت تردد أصداء ما جرى في المنطقة قبل ثمانية أعوام. واستطاعت موجة احتجاجات شبابية الإطاحة بزعيم ديكتاتوري عجوز تمسك بالسلطة وترأس نظاما حاول تأبيد المحسوبية واقتصاد غير متساو. واستجاب بوتفليقة المريض واستقال بعد التظاهرات التي اندلعت احتجاجا على ترشيحه نفسه مرة خامسة مع أنه كان يجد صعوبة في الكلام ولم يتحدث لشعبه منذ سنوات.
وتربط الصحيفة سقوط الرئيس بعدم قدرة نظامه على شراء صمت الناس من خلال توزيع الثروة النفطية وزيادة النفقات الحكومية وذلك بسبب نضوب العائدات النفطية وانهيار أسعار النفط. ولعل السبب الأكبر في كل هذا هو احتقار النظام للمواطنين عندما قرر ترشيح رجل لم ير في المناسبات العامة منذ عام 2013 بعد إصابته بجلطة دماغية. ومن هنا فالحس بالإهانة كان وراء خروج مئات الألاف من المتظاهرين إلى الشوارع. ويأمل من خلفهم بوتفليقة وراءه استمرارهم في الحكم كما فعلوا في السابق، مع أن المعارضين لهم يشعرون بالشجاعة ويطالبون بمزيد من التغيير. وتعلق الصحيفة أن حمام الدم والقمع المتزايد الذي تبع فورة الحماسة الأولى لانتفاضات الربيع العربي لم يغب عن عقول الجزائريين. وربما قدمت الجارة تونس، حيث بدأت الثورات العربية درسا وإلهاما، أما سوريا ومصر وليبيا فتلقي بظلال طويلة عليهم. وتذكر الإنتفاضة الحالية بالفترة الديمقراطية التي لم تعش طويلا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي حيث قرر الجيش إلغاء انتخابات عام 1991 لمنع الإسلاميين من الفوز في الجولة الثانية مما أدخل البلاد في دوامة عشرية سوداء قتل فيها أكثر من 200.000 شخص. وخلافا لهذا فقد التزم محتجو اليوم بالسلمية ووصفوا حراكهم بأنه “ثورة البسمات”. وربما كان احترامهم للجيش والأمن تكتيكي إلا أن حضور عدد كبير من العائلات بينهم عبر عن ثقة عالية بأمنهم. وترى الصحيفة أن نجاحهم بالإطاحة ببوتفليقة كان نتاجا لتوحدهم خلف أجندة تغيير واحدة ووجود حركة مجتمع مدني حية. وساعدهم الإنقسام الواضح داخل صناع السلطة الذين حكموا الجزائر من الإستقلال عام 1962. وكان ترشيح بوتفليقة المريض غريبا ويعكس فشل “السلطة” التجمع حول خليفة متفق عليه من الداخل. وكان تدخل قائد الجيش عاملا في رحيل الرئيس.
وتعترف الصحيفة أن تحويل رحيل بوتفليقة إلى تغيير حقيقي أمر صعب. فلا يوجد ما يدعو لدى المتظاهرين للثقة برئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، 76 عاما والمقرب من بوتفليقة ولا توقع أن تكون الإنتخابات التي ستعقد خلال 90 يوما نزيهة أو حرة. كما أن البقاء متحدين والإتفاق على خطة للتغيير أمر مستحيل. ويعي المتظاهرون الجزائريون أكثر من أي طرف آخر المخاطر المحتملة والخيبات التي تنتظرهم. ولكن مئات الألاف الذين خرجوا هي رسالة واضحة للأنظمة الديكتاتورية أن المواطنين يريد الأفضل ولن يقبلوا بالإستقرار فقط. وأن هناك قوة في قوة الشعب وأن إرث الربيع العربي لم ينته بعد.