الغاز الطبيعي: المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية لإسرائيل

حجم الخط
0

في 19 شباط/فبراير 2018 أعلنت مجموعتان تملكان حقلي الغاز الطبيعي «تمار» العامل منذ الآن، وحقل «لفيتان»، عن اتفاق مع شركة المصرية Delphinus لبيع 3.5 مليار متر مكعب في السنة وإجمالي 32 مليار متر مكعب من «تمار» وكميات مماثلة من «لفيتان». وتبلغ القيمة العامة المقدرة للصفقة، كما أفادت الشركات، 15 مليار دولار.
في 27 أيلول/سبتمبر 2018 أعلنت «ديلك» للتنقيبات ـ التي هي جزء من مجموعة الشركات الإسرائيلية التي تملك الحقوق بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في نطاق المنطقة الاقتصادية الحصرية لإسرائيل ـ أن شركة East Mediterranian Pipeline (EMED)، التي تملك 25 في المئة منها، اشترت جزءًا من الشركة المصريةEastern Mediterranian Gaz (EMG)، يصل إلى 29 في المئة أو 518 مليون دولار، بأنبوب النفط الذي يمتد على طول 90 كم، من عسقلان في إسرائيل إلى العريش في مصر، وكذا الحق الحصري لتفعيله. هذا الأنبوب هو جزء من الأنبوب الذي نقل الغاز الطبيعي من مصر إلى إسرائيل والأردن (عبر أنبوب آخر يمتد من العريش إلى العقبة). فالأضرار المتكررة التي ألحقتها بهذه الأنابيب منظمات الإرهاب المحلية وضعت حدا لضخ الغاز من مصر إلى جيرانها (المقطع إلى العريش ـ عسقلان، بقي دون ضرر).
يشترط التوقيع النهائي على الصفقة بالحصول على عدد من المصادقات من حكومتي مصر وإسرائيل، لإجراء فحوصات عملية وإصلاحات، إضافة إلى رفع المستوى الكفيل بزيادة طاقة الضخ السنوية من 7 إلى 9 مليار متر مكعب في السنة، بكلفة 30 مليون دولار. وكإضافة مهمة، تجدر الإشارة إلى أن الصفقة النهائية كفيلة بأن تتضمن أيضًا الاستخدام لأنبوب العقبة ـ العريش لغرض توريد الغاز من إسرائيل إلى مصر.
مع شرائها جزءًا من الأنبوب المصري، تأخذ الشركة الإسرائيلية ـ الأمريكية على عاتقها مخاطرة جسورة كي تؤكد تنفيذ الاتفاق لتوريد 64 مليار متر مكعب في العقد الذي يبدأ في 2019. ولكن، فضلاعن الجوانب الاقتصادية، ستكون لهذه الخطوة آثار سياسية أيضًا. أما حاليًا، فإن الشارين ـ غير الإسرائيليين ـ الوحيدين للغاز الطبيعي من إسرائيل هم: مصر، والأردن، والفلسطينيون. من أصل نحو 400 مليار متر مكعب متوفرة الآن وفي المستقبل للتصدير وفقًا لقرار حكومة إسرائيل، هناك التزامات شراء لـ 115 مليار متر مكعب فقط. الصفقات الثلاث مستقرة من ناحية تجارية، ولكنها عرضة لعدد من المخاطر السياسية والأمنية، وكذا المنافسة التجارية المحتملة. في غياب كل سوق متوفرة أخرى، فإن مصر هي السوق الأكبر للغاز الإسرائيلي، طالما لا تعد مقدراتها بتلبية كامل احتياجاتها. لا شك في أن حقل «زوهر» سيوفر معظم الاستهلاك المحلي، والتوقعات بالنسبة للحقول الثلاثة المختلفة (دلتا غرب النيل، نوروس، أتول) تعتبر واعدة. والكميات التي تصل من إسرائيل كفيلة بأن تستخدم لإغلاق الفجوة إلى أن تلبي المقدرات المصرية الطلب. ومن المتوقع للطلب والعرض أن يتوازنا في 2019 ـ 2020. ومع ذلك فإن الصفقة الأخيرة بين إسرائيل ومصر ستكون مهمة، بسبب الإمكانية لتوجيه الغاز الإسرائيلي إلى منشآت التسييل أمام الشاطئ المصري. كما أن الصفقة كفيلة بأن تؤدي إلى حل الخلافات التجارية بين شركة الكهرباء الإسرائيلية والشركة المصرية EMG ومجموعة شركات مصرية، بالنسبة للتعويض على الغاز الذي لم يوفره الجانب المصري.
لقد شرحت وزارة النفط المصرية ـ التي أعطت مباركتها للصفقة ـ اعتباراتها للمصادقة التي أقرتها في 27 أيلول 2018 بقولها: «…وأخيرًا في ضوء جهود الوزارة لتسوية الخلافات المعلقة مع المستثمرين بالشروط التي تكون في صالح الطرفين».
وبالفعل، فإن إعلان ديلك للتنقيب في 27 أيلول 2018 يتضمن تصريحًا يفيد بأن أصحاب الأسهم في الشركة المصرية EMG التي بيعت لديلك ـ نوبل قد ألغوا مطالباتهم ضد الحكومة المصرية والشركات المصرية التي بملكيتها. هذا الإعلان لا يتطرق إلى مطالبة شركة الكهرباء الإسرائيلية، التي إلى جانب مطالبة الـ EMG، كانت موضوع الحل الوسط الذي عرض على محكمة التحكيم الدولية، التي قررت في كانون الأول 2015 دفع 1.76 مليار دولار لشركة الكهرباء الإسرائيلية و324 مليون دولار للشركة المصرية EMG ـ الأخيرة فازت أيضًا بقرار في محكمة في مصر لتعويض الحكومة المصرية. ومع ذلك، لم تتلق EMG حتى الآن أي دفعة. ومع أن الخلاف تجاري، فإن لحكومتي إسرائيل ومصر مصلحة واضحة في منعها من أن تكون عائقًا للتعاون بينهما، ولا شك في أن الاتفاق الذي وقع مؤخرًا يشكل خطوة في هذا الاتجاه.

شراء الحقوق في أنبوب عسقلان ـــــ العريش خطوة مهمة تتم في التوقيت السليم

لغرض ضمان أمان الأنبوب، شددت الحكومة المصرية جهودها لمكافحة المجموعات المسلحة في سيناء، التي هاجمت قوات الجيش والشرطة، وكذا ممتلكات مثل الأنبوب. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد إمكانية محاولة تخريب متجددة.
إن اتفاقات بيع الغاز لمصر وشراء قسم من الأنبوب تأتي أيضًا على خلفية جعل الخيارات الأخرى بيع ونقل الغاز الطبيعي قابلة للتطبيق أقل. فالسوق التركية كان يمكنها أن تشكل خيارًا جذابًا للغاز الإسرائيلي ولغاز دول أخرى في شرق البحر المتوسط. ومع ذلك، عدم القدرة على توقع السلوك السياسي للنظام الحالي في تركيا، والذي يجد تعبيره أيضًا في موقفه من إسرائيل، إضافة إلى غياب الاستقرار السياسي في لبنان وفي سوريا وغياب حل سياسي للنزاع في قبرص، كل هذا يجعل بيع الغاز الطبيعي لتركيا واستخدام هذه الدولة كمركز توزيع لأسواق أخرى غير قابل للتطبيق عمليًا وخطير لأسباب سياسية وأمنية. وعليه، فإن عدم الاستقرار السياسي في تركيا يمس بجاذبية هذا الخيار لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل.
الخيار الثالث لتمديد أنبوب من الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط عبر قبرص إلى اليونان معقد جدًا من ناحية فنية، وهو عرضة لعدد من المشاكل السياسية، المتعلقة بالنزاع في قبرص. كما أن هذه الإمكانية متعلقة اقتصاديًا أيضًا باستعداد دول منتجة أخرى في شرق البحر المتوسط لاقتسام إمكانياتها مع إسرائيل كي تبرر الاستثمار المالي الهائل اللازم.
من ناحية سياسية ينطوي هذا المشروع على فضائل سياسية واقتصادية لإسرائيل، لأنه يضمن سوقًا كبيرة ومستقرة، يضيف بعدًا هامًا لعلاقات إسرائيل مع الاتحاد الأوروبي التي تراوح مكانها منذ زمن بعيد، ويزيد الاستقرار في شرق البحر المتوسط، لأن كل المنتجين والمستخدمين للأنبوب سيصبحون معنيين بالمداخيل التي ستنبع من نشاطه الأمن والمتواصل. ولكن الحديث يدور عن مشروع للمدى البعيد، ولا سيما إذا أخذنا بالحسبان حقيقة أن عددًا من الشروط المسبقة لتمديده ليست قائمة.
وعليه، فإن الخيار المصري ـ سواء كان كسوق أم كجسر لتصدير الغاز السائل إلى أوروبا ـ هو الخيار القائم والقابل للعيش الوحيد لتصدير الغاز الطبيعي من إسرائيل. وهو يضيف بعدًا آخر للتطور الإيجابي في العلاقات بين إسرائيل ومصر، إذ من الأهمية بمكان توسيعها إلى ما يتجاوز التعاون الأمني الوثيق. ولكن صفقة شراء قسم من الأنبوب المصري، إضافة إلى البيع المستقبلي للغاز لمصر، لا تزال تنطوي على مخاطر معينة. فالعلاقات الإسرائيلية الحالية مع مصر هي كما يبدو أفضل من أي وقت مضى، ولكن على المستوى الحكومي. ومعنى الأمر أن صفقات الغاز وقعت بين الشركات، ولكن تنفيذها سيتبع الاعتبارات السياسية للحكومة المصرية. ثانيًا، الحقول الطبيعية المصرية كفيلة بأن تتسع بقدر كبير، وهي كفيلة بأن تؤثر على الحوافز والاعتبارات المصرية في كل ما يتعلق بشراء الغاز أو بالقدرات المتوفرة للتسييل في منشآتها.
إن مسألة الغاز الذي يوجد في البحر أمام شواطئ قطاع غزة (حقل غزة ـ مارين) ليست على جدول الأعمال، وذلك في أعقاب الكمية المتواضعة جدًا، 30 مليار متر مكعب، والوضع الاقتصادي الصعب والمستقبل السياسي غير الواضح للمنطقة. فالمحادثات التي تجريها مصر على نحو منفرد مع إسرائيل، والسلطة الفلسطينية وحماس، بهدف استقرار الوضع في غزة، كفيلة بأن تساعد النقاش في الخطط التي تستهدف تحسين الوضع الاقتصادي في القطاع، وبينها استغلال حقل مارين. إن الغاز الطبيعي، إذا ما اكتشف، يمكنه أن يباع لإسرائيل أو لمصر من خلال إضافة أنبوب قصير لأنبوب عسقلان ـ العريش، بينما تربط غزة والضفة الغربية بشبكة الكهرباء الإسرائيلية، وهكذا يوَفر قسم مهم من الاستثمار المطلوب لغرض ربط حقل مارين مباشرة بغزة وبالضفة الغربية.
مع الأخذ بالحسبان احتمالات الجدوى المتدنية للخيارات الأخرى، فإن الحاجة إلى زيادة مبيعات الغاز الطبيعي في إسرائيل نفسها وللأسواق الخارجية هي لتبرير الاستثمار اللازم في تنمية حقل لفيتان، وكذا من أجل تنويع العلاقات بين إسرائيل ومصر، وإن شراء الحقوق في أنبوب عسقلان ـ العريش هو خطوة مهمة تتم في التوقيت السليم.

عوديد عيران
نظرة عليا 17/10/2018

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية