ثمة تطورات سجلت في السنة الأخيرة وتفتقد لصلة بينها ظاهراً، تخلق إمكانية لآلية جديدة في كل ما يتعلق بتنمية القدرة الاقتصادية الكامنة في مقدرات الغاز الطبيعي شرقي حوض البحر المتوسط. نشاط حثيث في هذا الموضوع كفيل أن يسهم في تغيير إيجابي في صورة الوضع الجغرافي – السياسي في المنطقة.
التطور الأول هو في مجال التعاون الاقتصادي الإقليمي الذي له أهمية سياسية. في كانون الثاني 2019 اجتمع في القاهرة وزراء الطاقة من مصر، واليونان، وقبرص، وإيطاليا، وإسرائيل، والأردن والسلطة الفلسطينية، وأقاموا “منتدى الغاز في شرق البحر المتوسط”. ويستهدف المنتدى مساعدة أعضائه للتمتع بالمقدرات الطبيعية والبنى التحتية التي تحت تصرفها. وبين الأهداف المعلنة تم التشديد على خلق منفعة للأعضاء من الميزة الكامنة في استخدام البنى التحتية القائمة لنقل الغاز الطبيعي وتنمية بدائل أخرى من البنى التحتية كتلبية لمتطلبات اكتشاف الغاز الطبيعي في المستقبل.
للمنتدى أهمية سياسية واقتصادية عظيمة. فمحاولات الأسرة الدولة إقامة إطار تعاون اقتصادي في البحر المتوسط، مثل مجموعة العمل الاقتصادي التي تأسست في مؤتمر مدريد في أواخر 1991، أو مسيرة برشلونة التي بدأت في 1995 بهدف خلق إطار سياسي-اقتصادي للاتحاد الأوروبي ودول البحر المتوسط.. انتهت بالفشل.
ونبع هذا الفشل من اشتراط التقدم في التعاون الإقليمي بالتقدم في المسيرة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين والآثار السلبية لأحداث “الربيع العربي” على قدرة تطبيق نوايا التعاون الإقليمي. وشددت مكتشفات الغاز في شرقي البحر المتوسط بشكل حاد الضرر الاقتصادي الذي يلحق جراء غياب أطر لتنسيق المواقف حيال المستهلكين من خارج المنطقة، ومن غياب إمكانية استغلال ناجع للبنى التحتية المشتركة للنقل.
إن مشاركة ثلاثة من أعضاء الاتحاد الأوروبي في منتدى الغاز الإقليمي هو عملياً استمرار للحوار الذي بدأته إسرائيل مع اليونان وقبرص. ويعتمد هذا الحوار على عنصرين: الأول، هو فكرة أنبوب ينقل الغاز من شرق البحر المتوسط إلى أوروبا. والثاني، خلق إطار حوار وتنسيق حيال السياسة الإقليمية العدوانية لتركيا. على مدى أكثر من عقد منذ اكتشفت احتياطات الغاز، امتنع الاتحاد الأوروبي عن التدخل المباشر – السياسي والمالي، في موضوع التعاون الإقليمي المتعلق بالطاقة. ولكن، بضغط اليونان وقبرص وايطاليا، وافق الاتحاد على المشاركة في تمويل استطلاع جدوى لأنبوب الغاز البحري. الأنبوب، الذي يمكنه في المرحلة الأولى أن يضخ 10 مليارات متر مكعب في السنة، وكلفة إقامته قدرت بـ 6 مليار دولار، وصفه الاتحاد كـ “مشروع المصلحة المشتركة”.
مؤخراً، بدأت الولايات المتحدة تبدي تدخلاً في تنمية مقدرات الغاز والتنظيم في نطاق شرقي البحر المتوسط. تشهد على ذلك الزيارات إلى المنطقة التي أجراها الوزير الأمريكي لشؤون الطاقة، ريك بيرس، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة، فرانك فانون. وحضر كلاهما اللقاء الثاني لمنتدى الغاز في شرقي البحر المتوسط في 24 تموز في القاهرة. ولا ينبع الاهتمام الأمريكي في المنطقة من أسباب اقتصادية. بخلاف الشركات الأوروبية الكبرى مثل TOTAL او ENI الإيطالية النشطة في مصر ولبنان، فإن شركات الطاقة الأمريكية الكبرى لا تشارك حتى الآن في شرقي حوض البحر المتوسط. شركة NOBLE الأمريكية النشطة في إسرائيل وفي قبرص لا تندرج ضمن تصنيف كبريات شركات الطاقة. وتحفظ الولايات المتحدة تواجدها في البحر المتوسط انطلاقاً من اعتبارات عالمية لصد تغلغل روسيا إلى المنطقة.
للدور الأوروبي والأمريكي في النشاط الإقليمي في مجال الغاز الطبيعي أهمية اقتصادية وسياسية، إذ يمنح رعاية وغلافاً دولياً، ما يسهل على الحكومات في المنطقة الساعية إلى التعاون الإقليمي، كي تدفع إلى الأمام بتنمية المقدرات، ومن جهة أخرى يصعب عليها الوقوف في وجه محافل سياسية داخلية تعارض التعاون مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة وأوروبا.
يرتبط التطور الثاني بالجهود لحل الخلاف بين لبنان وإسرائيل في موضوع الحدود، ولا سيما الحدود البحرية. فالصراعات بين القوى المتخاصمة، التي توجهها مصالح طائفية ودينية، تعرقل في لبنان تنمية الغاز الطبيعي الذي يوجد في المنطقة الاقتصادية البحرية الخاصة بها. فضلاً عن تأثير هذه الصراعات على الأداء الاقتصادي للحكومة اللبنانية، فإنها أخرت على مدى السنين تقدم إجراءات التشريع والتسوية في موضوع الغاز الطبيعي – عطاءات وضرائب – اللازمة لغرض بدء التنقيبات.
إضافة إلى ذلك، في 2010 نشب نزاع حدود بحري بين إسرائيل ولبنان حول مساحة 850 كيلومتراً مربعاً، أصله الفوارق بينهما في ترسيم الحدود البحرية. وافقت إسرائيل في 2012 على حل وسط عرضه الوسيط الأمريكي، فريد هوف، بينما لم ترد الحكومة اللبنانية على هذا الاقتراح حتى يومنا هذا. لإسرائيل، التي كانت في حينه في ذروة إنتاج الغاز من حقول في البحر بعيدة عن المنطقة موضع الخلاف، لم يلحق ضرر عقب ذلك، في الوقت الذي زاد الخلاف تخوف الشركات الأجنبية من العمل في لبنان. وحتى عندما تنافست الشركات، وبينها شركة “TOTAL” ونالت الامتياز من الحكومة اللبنانية للتنقيب في مساحة معينة تضم جزءاً من المنطقة موضع الخلاف، أعلنت الشركة بأنها لن تعمل هناك. حتى لو وجد حل وسط مقبول من الحكومة اللبنانية وإسرائيل وعثر على الغاز في المنطقة القريبة من المنطقة موضع الخلاف، فمن شأن إنتاجه أن يواجه المصاعب إذا لم يكن هناك اتفاق ملزم حول الاستفادة من حقل طبيعي يقع على جانبي خط الحدود المتفق عليه.
إن التسويف اللبناني، بما في ذلك موضوع استغلال الغاز الطبيعي، هو ترف يصعب على لبنان الإيفاء بمتطلباته. فتقرير صندوق النقد الدولي منذ بداية تموز 2019 يشير إلى مشاكل اقتصادية خطيرة، وعلى رأسها الدين الدولي بمعدل 150 في المئة من الناتج المحلي الخام، وإلى توقع بارتفاعه إلى 180 في المئة في 2023.
إن شركات التصنيف المختلفة، التي أنزلت لبنان إلى العلامة الدنيا B، من شأنها أن تنزله إلى علامة CCC. اثنتان أشارتا إلى لبنان في 23 آب 2019: ستاندرد آند فورست أبقت تصنيف لبنان في B بينما FITCH أنزلت التصنيف إلى CCC، وهي خطوات معناها مصاعب في بيع سندات الدين الحكومية وتجنيد الأموال. تستوجب هذه المعطيات من الحكومة اللبنانية أن تتخذ خطوات مالية – نقدية فورية، وكذا التفكير في السبل لتحفيز النمو الاقتصادي الذي يقف في السنوات الخمس الأخيرة عند 1 في المئة فقط بالمتوسط. إن تسريع النشاط في موضوع الغاز الطبيعي كفيل بأن يشكل أداة مركزية في تغيير الواقع الاقتصادي. لهذا السبب، يُحتمل استئناف الاتصالات بين الولايات المتحدة ولبنان حول ترسيم الحدود البحرية وطرح الموضوع في محادثات رئيس وزراء لبنان سعد الحريري مع وزير الخارجي الأمريكية مايك بومباو في 15 آب في واشنطن. في حديثه عن الحدود البحرية، قال الحريري إن محادثات جدية تجرى في الموضوع، ومن المهم الدخول إلى مفاوضات للوصول إلى حل لأن الموضوع حيوي للبنان.
أما التطور الثالث فيرتبط بتسيير الغاز إلى السوق الأوروبية. عندما يصل لبنان إلى مرحلة الإنتاج التجاري للغاز الطبيعي، ستبرز بقوة أكبر مسألة تسيير كميات الغاز المنتجة في شرقي حوض البحر المتوسط إلى المستهلك الأهم والأقرب – أوروبا. أما بديل تمديد أنبوب في اتجاه قبرص ومن هناك إلى اليونان، فمن شأنه أن يصعّب التنفيذ لأسباب سياسية (معارضة تركيا)، ولسبب فني (مصاعب في تمديد الأنبوب على أرضية بحر إشكالية)، ولهذا أيضاً لسبب مالي نتيجة كلفة أعلى من التقدير الحالي بـ 6 مليار دولار. البديل الأرخص، تمديد أنبوب إلى تركيا وارتباط بشبكات التسيير القائمة منذ الآن إلى أوروبا، هي إشكالية للغاية من ناحية سياسية، ليس من ناحية إسرائيل فقط، ذلك أنها تستوجب العبور في المياه الاقتصادية اللبنانية والسورية والاعتماد على النظام الحالي في تركيا، الذي يبدي في السنوات الأخيرة استعداداً لالتفافات حدوة حصان استراتيجية، وبالتأكيد لا يشجع استثمارات بعيدة المدى تستوجب الثقة بين المستثمرين المحتملين.
ومن هنا تنشأ بدائل أخرى:
الأول هو تسيير الغاز من الحقول الإسرائيلية إلى المنشآت الموجودة في الشاطئ الشمالي لمصر. في هذه المنشآت يتحول الغاز إلى سائل يحمل عبر ناقلات، في الميناء المقصد تجري العملية المعاكسة، أي الانزال، التبخير وإدخال الغاز إلى الأنبوب. مجموعة الشركات التي تشغل حقل لافيتان ستبدأ بضخ الغاز إلى مصر مع نهاية 2019، فهذه كفيلة بأن تكون سواء مستهلكة للغاز الإسرائيلي أم محطة عبور للغاز المسيل. هذا البديل مهم للغاية، لأنه الوحيد الذي يقدم إجابة فورية لتصدير الغاز تضمن قدرة الشركات المنتجة على المواصلة وتنمية الحقول الأخرى التي لها امتيازات فيها، وتسمح للدولة بزيادة مداخليها من الضرائب والمردودات من بيع الغاز.
فضلاً عن الجانب الاقتصادي، فإن التعاون بين إسرائيل ومصر هو ذخر استراتيجي للدولتين. رغم الفضائل، لا تنعدم عن هذا البديل المشاكل الفنية والسياسية. المشكلة الفنية هي طاقة الاستيعاب المحدودة لأنبوب التسيير إلى مصر. وعلى التجمع التجاري الإسرائيلي–الأمريكي أن ينافس الغاز الطبيعي المنتج في المياه الاقتصادية لمصر، والمخصص بعضه للتصدير. وكذا من ناحية سياسية، فإن التعلق الاقتصادي بأداة تسيير واحدة قد يظهر إشكالياً في ظروف متغيرة.
لهذا السبب، مفهوم استعداد التجمع التجاري (وعملياً حكومة إسرائيل أيضاً) لفحص بديل تسييل الغاز الطبيعي ونقله إلى أوروبا من منشآت طوافة Floating LNG ، تقام في المياه الاقتصادية لإسرائيل. في تموز 2019 اتصل التجمع التجاري الإسرائيلي–الأمريكي مع شركتين تعنيان بإقامة منشآت طوافة كهذه: الأولى هي GOLAR المسجلة في الولايات المتحدة، والأخرى EXMAR البلجيكية. إن كلفة المنشأة متعلقة بابتعادها عن الشاطئ، وبالكمية للتسييل، وبقدرة تخزين الغاز المسيل حتى تحميله على الناقلات. وعلى أي حال، ثمن المنشآت الطوافة للتسييل يزيد على مليار دولار. إن خليطاً من المنشآت الثابتة في مصر والمنشأة الطوافة في المياه الاقتصادية لإسرائيل سيمنح مرونة تسيير واستغلال مبكر وسريع أكثر لكميات الغاز الطبيعي التي يحق للشركات تصديرها وفقاً للمخطط الذي تبنته حكومة إسرائيل وكفيلة بزيادتها إذا ما اكتشفت حقول جديدة.
إن ترتيب الحدود البرية والبحرية بين إسرائيل ولبنان والاتفاق على الاستغلال المشترك لحقول الغاز التي تتجاوز الحدود.. يمكنها أن تسمح في المستقبل باستغلال منشأة التسييل الطوافة من الشركات المنتجة في لبنان وقبرص، وهكذا توفر عليها استثمارات كبرى في بنى تحتية منفصلة. وهكذا أيضاً ستزداد مصلحة الدول المشاركة في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
بقلم: عوديد عيران
نظرة عليا 28/8/2019