الغارديان: تثبيت قرار سحب جنسية شميمة بيغوم دليل على تهرب الحكومة البريطانية من المسؤولية عن مواطنيها

إبراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”:

علقت صحيفة “الغارديان” على قرار محكمة استئناف بريطانية منع عودة مواطنة بريطانية جُرّدت من جنسيتها بسب سفرها إلى سوريا وانضمامها لتنظيم الدولة.

وقالت الصحيفة، إن شميما بيغوم، كان عمرها 15 عاما عندما خرجت من بريطانيا، ولو تم تثبيت قرار لجنة استئنافات الهجرة الخاصة، فربما لن تعود بيغوم أبدا إلى بلدها. واللجنة هي محكمة تتعامل مع حالات الهجرة المتعلقة بقضايا الأمن القومي، وأصدرت حكما يؤيد قرار وزير الداخلية ساجد جاويد عام 2019 بتجريد بيغوم من الجنسية البريطانية؛ لأن وجودها “ليس في الصالح العام”.

ويرى الكثير من الناس أن هذا قرار صائب. إلا أن قضية بيغوم قوية، فقد تم إغراؤها كطفلة لكي يتاجَر بها، ولتصبح “عروسا” لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. وأنجبت بيغوم ثلاثة أطفال ماتوا جميعا. وهي تعيش الآن في المجهول بدون جنسية، ومعتقلة في معسكر بسوريا. ويجب التعامل جدالها بأنه لم يغرر بها فقط ولكن التجارة بها أيضا، على الأقل بعدما وجد النواب أن الفشل المنظم للمؤسسات البريطانية العامة ساعد في هذه التجارة.

وقالت الصحيفة إن دولا أجنبية أخرى أعادت عائلات إرهابيي تنظيم الدولة، معترفة بالحقوق الدستورية، وأقرت بشكل ضمني أن هؤلاء الناس هم مسؤوليتها. وأضافت أن هذا الموقف الناضج من هذه الدول متقدم كثيرا على الحكومة البريطانية، التي تعتمد على استراتيجية انتخابية للشيطنة ونشر الخوف. وتكشف قضية بيغوم أن حزب المحافظين لا يتعامل مع القانون باعتباره جزءا أساسيا من النظام الدستوري البريطاني، ولكنه عقبة غير ضرورية تقف أمام سلطته التنفيذية.

ولم تكن مصادفة عدم تعامل قضاة اللجنة مع تجربة بيغوم عندما نظروا في القضية. فقد تم حصر مهمتهم من المحكمة العليا بالنظر في استئناف بيغوم، وإن كانت عملية قرار وزير الداخلية ضدها منطقية ومنصفة، بدلا من السماح لهم بالنظر في القضية من جديد. ولا يمكن استخدام أدلة لإلغاء قرار اتخذه وزير الداخلية عندما كان الإعلام اليميني في ذروة جنونه.

وكما جاء في قرار اللجنة: “منذ أن تم الكشف عن القصة، كان من المحتوم اتخاذ قرار سريع بها، ودفعت العوامل السياسية وليس الأمن القومي نحو هذه النتيجة”.

وكان يجب على المحكمة العليا محاسبة الحكومة، إلا أنها باتت خائفة منذ انتخابات 2019 التي فاز المحافظون فيها بالأغلبية. وفي تحليل للبيانات من أستاذ جامعة أوكسفورد، لويس غراهام، لاحظ توجها تحت قيادة لورد ريد باتجاه محكمة عليا “بعقلية تنفيذية”، وبميول لرفض مزاعم حقوق الإنسان والوقوف مع السلطات العامة. واستمعت اللجنة لمعظم الأدلة داخل غرف مغلقة. ولكن لم يكن هناك أي شيء في الجلسات المفتوحة لكي يهدئ هذه المخاوف.

وفي نفس السياق، طالبت صحيفة “التايمز” الحكومة بتوضيح الأسباب التي تمنعها من جلب بيغوم “بلا جنسية وفي الصحراء” إلى بريطانيا. وذكرت أن بيغوم التي دخلت سوريا بطريقة غير شرعية، تحولت لصورة للتنظيم التي استخدمها لتجنيد الجهاديين من الغرب في صفوفه. ولكنها اعتُقلت وغيرُها من الجهاديات والجهاديين الغربيين في معسكر بالصحراء السورية وجُرّدت من جنسيتها.

وتقول الصحيفة: “غسلت الحكومة يديها من المسؤولية عن بيغوم ورفضت السماح لها بالعودة”. وقالت إن مرسوم تجريدها الصادر من وزارة الداخلية كان سياسيا واتخذه جاويد ردّا على المشاعر العامة، وثبتته لجنة استئنافات الهجرة الخاصة. ورغم اعترافها بكونها ضحية تجارة بالبشر، إلا أنها أكدت سفرها بشكل طوعي، كما قبلت الأدلة التي قدمتها المخابرات الداخلية (أم أي فايف) بأنها خطرا أمنيا، مع أنها معتقلة منذ ثلاثة أعوام وتحت حراسة أمنية مستمرة في معسكر. وقال شاهد مجهول إنها كانت في سن يؤهلها لمعرفة الإعدامات التي مارسها تنظيم الدولة.

وتعلق الصحيفة أن القرار الأخير يبدو منحرفا من أكثر جهة: فليس من الواضح كيف وافقت فتاة قاصر على السفر إلى سوريا، فهل كانت ضحية ومذنبة؟ ولماذا لا تزال تعتبر تهديدا على المجتمع البريطاني؟ وكيف تتركها بريطانيا بدون جنسية، وهو تحرك رفضته الأمم المتحدة، نظرا لأن بنغلاديش وهي موطن والديها، نفت أن تكون حاملة للجواز البنغالي.

وترى الصحيفة أن تجريد بيغوم من الجنسية هو نصف المشكلة، إضافة إلى قلة المسؤولية النابعة من رفض إعادتها إلى بريطانيا كي تواجه العدالة في الجرائم التي تتهم بارتكابها. ورغم صعوبة جمع الأدلة في مناطق الحرب، إلا أن حالات في جرائم حرب ارتكبت في رواندا حوكمت في بريطانيا. ومن بين الدول الغربية التي انضم أبناؤها لتنظيم الدولة في سوريا، تعتبر بريطانيا الوحيدة الرافضة لإعادتهم، وتركتهم في المعسكرات الصحراوية.

وتم نقل كل المواطنين الأمريكيين الـ27 الذين سافروا إلى سوريا والعراق، إلى أمريكا وتمت محاكمة 10 منهم وأدينوا بالإرهاب. وفي الشهر الماضي، أعادت فرنسا 15 امرأة و23 طفلا من معسكرات سوريا. وفعلت أستراليا ودول أخرى نفس الأمر.

وإلى جانب ترك بيغوم في المعسكر، ترفض بريطانيا إعادة 60 امرأة وطفلا. فهل هناك أدنى شك بأن هؤلاء الأطفال الذين كبروا سيتعلمون الدروس القاسية ليصبحوا إرهابيين؟

وبالتأكيد، فبيغوم التي خسرت أولادها الثلاثة وربما تعرضت لانتهاكات على يد مقاتلي تنظيم الدولة، ليس بريئة. وعندما اكتشفتها التايمز في سوريا عام 2019، لم تظهر ندما، وقدمت أجوبة غامضة في مقابلاتها التلفزيونية. ومع ذلك، فالحكومة لم تقدم أي دليل يمنع عودتها، وعن كونها لا تزال خطرا أمنيا لا يمكن مواجهته بالمراقبة الشديدة.

وربما زادت عودتها من مسؤوليات الأجهزة الأمنية التي تراقب أكثر من 400 شخص، لكن تركها بدون جنسية وفي الصحراء، ليس الجواب على الإرهاب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية