الغرب اتحد ضد بوتين والنصر لم يتحقق وبانتظار عام آخر

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

مضى عام على دخول القوات الروسية الأراضي الأوكرانية في محاولة من الرئيس فلاديمير بوتين منعها من التحول إلى ساحة مؤيدة للغرب في حديقته الخلفية وتغيير النظام الذي وصفه بالنازي. وقدم بوتين روايته عن الحرب والتي باتت معروفة وهي أن أوكرانيا مرتبطة عضويا بروسيا الأم ولا يمكن بأي حال أن تصبح حليفة للغرب. وهي رواية يرفضها الأوكرانيون الذين يشعرون بهويتهم المستقلة عن روسيا رغم العلاقات التاريخية والثقافية والدينية التي تربط البلدين. وفشلت القوات الروسية في احتلال العاصمة كييف وكذا الإطاحة بنظام زيلينسكي الذي تحول في عيون الغرب لبطل مغوار ومدافع ليس عن بلاده ولكن عن الديمقراطيات الغربية والعالم الحر، وتم الإحتفاء به في المحافل الغربية واستقبل في واشنطن نهاية العام الماضي وطاف بريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي بداية العام الحالي مطالبا الغرب بمزيد من السلاح- دبابات ومقاتلات وهو ما لبى الغرب بعضا منه ويماطل في أمور أخرى نظرا للضغوط التي وضعتها الحرب الأوكرانية وتورط الغرب بها من أعباء على الناتو الذي يقود الجهود الغربية بالتعاون مع الولايات المتحدة ولأن استخدام القوات الأوكرانية للذخيرة فاق ما لدى الدول الأوروربية مجموعة من قدرات على مواصلة الدعم. وأدى الأمر بالولايات المتحدة للبحث عن مصادر مفتوحة لشراء السلاح، إلى جانب طلب الإذن من إسرائيل باستخدام مخازن أسلحة أمريكية لديها ونقل جزء منها إلى أوكرانيا حسبما أوردت «نيويورك تايمز» الشهر الماضي. ما يعطي صورة عن الضغوط التي باتت أوكرانيا تشكلها على الصناعة العسكرية في ظل المليارات التي رصدتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لدعم الجهود الحربية في أوكرانيا ضد روسيا. ونعرف أن بوتين وقادته لم يحققوا الكثير من أهداف الحرب، وحتى الآن غير أكثر من قائد عسكري للجبهة في أوكرانيا، وسحب قواته من مناطق حيوية سيطر عليها الروس في بداية الحرب مثل خيرسون وخاركيف ويركزون جهودهم على المناطق الشرقية إلى جانب شبه جزيرة القرم. ومثل الدول الأوروبية وضعت الحرب الكثير من الأعباء على القوات الروسية، فبالإضافة لخسائرها العسكرية، من جنود ومعدات اضطرت موسكو للبحث عن مصادر للسلاح من إيران التي زودتها بالمسيرات القتالية وخاصة شاهد 136 ومن كوريا الجنوبية، حسبما قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان في تموز/يوليو العام الماضي. ولم تنجح جهود التعبئة الجزئية للعملية العسكرية الخاصة، كما يطلق عليها بوتين في أوكرانيا، بل على العكس أدت لهروب الشبان الروس إلى دول الجوار وتركيا ودبي.
وبعد عام لا تزال القوات الروسية تحتل مناطق في أوكرانيا وتحولت الحرب إلى حرب استنزاف بات كل طرف ينسحب ويعيد ترتيب قواته من أجل التحضير لمعركة الربيع على ما يقول المسؤولون الغربيون. ويتمسك الأوكرانيون ورئيسهم باستعادة كل مناطق أوكرانيا المحتلة قبل الدخول في أي تسوية مع روسيا أو الجلوس على طاولة المفاوضات.

إلا القرم

وبعد عام على الحرب المدمرة بات مسؤولون أمريكيون وغربيون يتحدثون عن صعوبة استعادة القوات الأوكرانية شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014 كهدف ينهي الحرب. وباتت التكاليف الباهظة للحرب تدفع دول الغرب وأمريكا لكي تبحث عن مخرج، فالحرب الطويلة ليست في صالح أوروبا ولا الولايات المتحدة، فعادة ما تتداخل المغامرات الخارجية بالسياسة المحلية.
وهناك عدة أفكار طرحت حول قبول الطرف الأوكراني لتنازلات مناطقية، وهو ما ترفضه كييف حتى الآن. بل وزاد زيلينسكي لهجة التحدي أثناء مشاركته يوم الجمعة في مؤتمر الأمن السنوي بميونيخ في ألمانيا، مع أن نائبا ديمقراطيا قال على هامش نفس المؤتمر وعضو بارز في لجنة الأمن بمجلس النواب الأمريكي تحدث عن صعوبة استعادة شبه جزيرة القرم، على ما اوردت مجلة «بوليتكو» (17/2/2023) وهو رأي يشترك فيه القادة العسكريون ومسؤولون أوروبيون، مع أن القرار كما يقولون يظل رهنا بكييف.

تغير العالم

وبعد عام على الحرب الطاحنة تغير العالم، بالنسبة لروسيا التي باتت محاصرة ومعزولة بالعقوبات لكنها لم تخسر حلفاءها في الجنوب، فالحرب في أوكرانيا لم تجعل العالم معسكرين على طريقة الحرب الباردة، لكنها قسمت العالم إلى تجمعات تحكمها المصالح، وهذا يفسر رفض حتى حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط الانضمام إلى حملة العقوبات الغربية والشجب ضد الغزو الروسي، فإسرائيل مثلا رأت في التعاون مع روسيا في سوريا وإيران أهم من شجب الحرب في أوكرانيا واكتفت بمساعدات لوجيستية. ورفضت دول الخليج التي طالما اعتمدت في أمنها على الولايات المتحدة التخلي عن تعاونها مع موسكو في مجال النفط مع روسيا أو أوبك+ وحاولت ممارسة الحياد. ورأت الهند في الحرب فرصة لها للحصول على نفط روسيا الرخيص بعدما توقفت أوروبا عن استيراده. أما تركيا عضو الناتو، فقد رفضت فرض العقوبات وحاولت لعب دور الوسيط بين موسكو وكييف، ونفس الأمر يقال عن دول في أفريقيا وحتى جنوب أفريقيا التي نظمت مناورات عسكرية مع القوات الروسية. وبات واضحا أن عالم الغزو صار متعدد الأقطاب وليس القطبين أو القطب الواحد. وبالتأكيد فقد تغير النظام العالمي ولم يعد كما كان قبل 24 شباط/فبراير 2022.
ويظل السؤال عن مسار الحرب في عام 2023 ومن ستكون له اليد العليا؟
يرى الغرب أن المعدات العسكرية الثقيلة مثل دبابات تشالنجر البريطانية وليبورد الألمانية إلى جانب منظومات الصواريخ الأمريكية والأوروبية ستلعب دورا في تغيير ميزان القوة لصالح الأوكرانيين، فعمليات تدريب الأوكرانيين في الولايات المتحدة ودول أوروبا جارية لكي يتمكنوا من استخدام المعدات القتالية الثقيلة، لكن ماذا عن جيش بوتين، ربما كان يفكر حسبما يقول مايكل كلارك في صحيفة «التايمز» (11/2/2023) بتعزيز مواقعه في دونباس والقيام بهجوم يسيطر فيه على المناطق في شرق نهر دنيبرو، الحد الفاصل الآن بين شرق وغرب أوكرانيا، وربما حاول الروس احتلال الساحل الأوكراني على البحر الأسود، بحيث يحول أوكرانيا لبقايا دولة معزولة وعاصمتها كييف عن البحر، يشكل تصبح عرضة للمخاطر. واستبعد الخبير إمكانية حصار أو احتلال العاصمة بعد فشل المحاولة الخاطفة الأولى.

طبيعة التحالفات

وكشفت حرب أوكرانيا عن المصاعب التي واجهت بوتين في إدارة المعركة لتحييد أوكرانيا ومنعها من مواصلة النظر للغرب وإقناع حلف الناتو بسحب قواته من المناطق المحاذية لبلاده. لكن بوتين وخلافا لبسمارك الذي تلاعب بفرنسا وجعلها تهاجم بروسيا، وضع المهمة على عاتقه بنفسه، ووضع بلاده التي تظل مهمة في مواجهة تحالف من الدول ميزانيتها تصل إلى 40 تريليون دولار مقابل 1.8 تريليون هي ميزانية روسيا كما يقول ستيفن وولت في «فورين أفيرز» (13/2/2023) ومع أن هذا التباين في القدرات لا يضمن النصر في أوكرانيا إلا أنه يؤكد تورط بوتين في حرب استنزاف. وما فعله بوتين هو أنه وحد الناتو وأخاف الدول التي كانت على الحياد مثل فنلندا والسويد اللتان قدمتا طلبا لدخول نادي العضوية في الناتو. وخلافا للاتحاد السوفييتي السابق الذي تردد قادته في استخدام القوة فقد أظهر بوتين استعدادا لشن هجوم عسكري ضد بلد جار، ولو قدر نجاح عمليته الخاصة فإن الدول الجارة له والضعيفة كانت ستتساءل حول مصيرها وأي منها سيأتي عليه الدور. ومن هنا كان رد الناتو على الحرب في أوكرانيا استجابة للتهديدات، ما يؤكد أن الدول لا تشكل تحالفات لموازنة القوة مع دول أخرى بل وللرد على التهديدات. ومع أن الحرب منحت الناتو حياة جديدة إلا أنها كشفت عن استمرار اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة.
وفي عالم لم تعد فيه دولة تتحكم بالعالم وحدها بل ويحكم نظامه عدة أقطاب، فسيكون من الخطر لدى الدول عندما لا تفهم السبب الذي يدفع لتشكيل تحالفات وكيفية عملها. ففكرة تشكيل قوى تحالفات للحد من قوة منافس ليست جديدة، لكن تعامل روسيا مع توسع حلف الناتو كان بالاقتراب من الصين ومحاولة منع تقارب أوكرانيا مع الغرب. وهو ما أدى لاقتراب الناتو وبقيادة الولايات المتحدة من كييف، وتعزز الخوف من تهديد روسيا عندما سيطرت وضمت القرم في عام 2014 بعد انتفاضة ميدان. وعززت محاولات روسيا التدخل في الشؤون الأوروربية والأمريكية ومحاولة تسميم عملاء من هذه المخاوف، ولم تمنع تحفظات دونالد ترامب من الناتو الولايات المتحدة في عهد جو بايدن لمساعدة أوكرانيا. ومن منظور موسكو، فقد كانت سياسة الباب المفتوح للناتو سببا في دفعها للرد على محاولات تغيير الوضع القائم. وحتى نفهم موقف روسيا فإن الغرب بدوره لم يقم ببذل الجهود لفهم مظاهر القلق الأمني الروسي من تمدد الناتو على حدودهم. ومشكلة بوتين أنه لم يفهم طبيعة التحالفات التي تتشكل بين الدول وأنها من أجل موازنة التهديدات، وربما كان مدفوعا بهجومه على أوكرانيا بفكرة خاطئة وهي سيطرته السريعة عليها. وبتحركه فقد وحد القوى المعارضة له وجعل أوكرانيا أقرب من ذي قبل لأوروبا، سواء الناتو أو الاتحاد الأوروبي. ولم يعد القلق الروسي من تحرك الغرب قريبا من روسيا مهما بعدما خرق بوتين في تصرفه الأعراف. وأدت الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الروسي وتدمير البنى التحتية المدنية لتسهيل مهمة كييف في حشد الدعم العام للقضية الأوكرانية، ولم يغب وجه زيلينسكي عن الإعلام وقورن بتشرتشل ومنحته مجلة «تايم» شخصية عام 2022. ورغم الأداء الضعيف للجيش الروسي إلا أن روسيا تظل دولة صناعية ضخمة وبجيش كبير ولها حدود طويلة مع أوروبا.

الآثار البعيدة

وإن لم يظهر أثر العقوبات الغربية على روسيا بعد إلا أن نتائج الحرب على روسيا ستكون بعيدة المدى. صحيح أن اقتصاد أوكرانيا تراجع بنسبة 30 في المئة العام الماضي مقابل انكماش بنسبة 3 في المئة للروسي لكن بوتين خسر الكثير من حربه على أوكرانيا، ليس لأن الأخيرة باتت معشوقة الغرب ولكن لان التداعيات على روسيا ستكون ديمغرافية وجيوسياسية واقتصادية. وبحسب مجلة «إيكونوميست» (4/2/2023) فقد أظهر اقتصاد روسيا نوعا من الصمود بعد العقوبات الصارمة، وهذا نابع من السياسات التي تبنتها حكومة موسكو ودعم رجال المال والأوليغارش للإقتصاد عبر تنظيمه وتصميم آليات مضادة للعقوبات، لكن الآثار على المدى البعيد لم تظهر. وحسب مجلة «فورين بوليسي» (13/2/2023) في مقال لبرينت بيودي فقد خسرت روسيا أهم اقتصادات في العالم عندما شنت حربها، فقد كانت القارة العجوز تعتمد وبشكل «حقيقي» على الوقود الأحفوري الروسي، وحتى عام 2021 كانت روسيا تصدر 32 في المئة من فحمها الحجري و 49 و 74 في المئة من غازها الطبيعي لدول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، إلى جانب اليابان وكوريا الجنوبية والدول الأخرى التي انضمت للحملة الغربية ضد روسيا. ولو مضت أوروبا في تطبيق قراراتها بالتخلي عن وقود روسيا، فإن هذا يشكل ضربة لاقتصاد تعتمد ميزانيته الفدرالية على الطاقة بنسبة 45 في المئة. ورغم توجه روسيا نحو الصين كسوق كبير لطاقتها إلا أنه لا يعوض أوروبا. فقد قررت هذه ومتأخرة قطع علاقة الحب مع الطاقة الروسية، وباتت تتعامل معها كموضوع أمن وليس متعلقا بالمناخ وتخفيف الاعتماد على الوقود الاحفوري. وأعلنت ألمانيا عن بناء أكبر محطة للطاقة الشمسية، وقالت بريطانيا إنها تسرع في إنشاء هورن سي3 لكي تكون أكبر محطة للطاقة المولدة بالرياح. وربما لن تظهر أعراض هذا على روسيا قريبا إلا أن تحول العالم عن الوقود الأحفوري وتراجع الطلب عليه سيترك أثره على روسيا، ففي عام 2014 عندما قررت شركات الزيت الصخري الأمريكية زيادة إنتاجها تأثرت الميزانية الروسية. وبعيدا عن الأثر الاقتصادي، فحرب أوكرانيا ستترك روسيا بسكان أقل. وكان بوتين يريد أن يبدأ عام 2022 بمعالجة مشكلة التراجع السكاني، إلا أن الحرب وكوفيد كشفا عن الوضع السكاني الخطير. ولفهم خطورة التراجع السكاني ما علينا إلا العودة إلى سنوات التسعينات عندما انهار الاتحاد السوفييتي حيث تراجعت معدلات الولادة بنسبة 1.2 طفل للمرأة وأقل من المعدل العادي وهو 2.1 للمرأة. والآثار لا تزال واضحة، فمنظور انخفاض سكان روسيا كان قائما إلا أن الحرب سرعته. فقد خسرت روسيا في الحرب 120.000 جندي على الأقل ومعظمهم في سن العشرين، وهو جيل لا تستطيع أي دولة خسارته، إلى جانب أكثر من 32.000 روسي هاجروا أو فروا من البلاد. وسيخلف الغزو الأوكراني روسيا في وضع جيوسياسي غير مريح، فالدول القريبة منها مثل قازخستان وأرمينيا وغيرهما من دول المنظومة السوفييتية السابقة باتت تبحث عن حليف أقوى وتتقارب مع الصين، ورأينا كيف قررت دول محايدة التخلي عن حيادها والتسلح بعضوية الناتو. وتظل أوكرانيا هي البلد التي خسرت فيها روسيا موقعها، فهناك نسبة 90 في المئة من الأوكرانيين تحبذ الإنضمام للناتو، وهو رقم لم يكن أحد يفكر به قبل عقد. وتعتبر نسبة 85 في المئة نفسها أوكرانية أولا وليس روسية، مع أن مبرر بوتين هو الدفاع عن الإثنية الروسية في أوكرانيا. خسرت روسيا كما يقول الكاتب المكانة وستعاني من آثار الحرب حتى بعد تحقيق السلام. لكن أوكرانيا التي دمرت هي الأخرى ستكون في الفلك الأوروبي وستتمتع بدعم القوة الصناعية الغربية، هذا إن صدق الغرب وعده، ولم يستخدمها للتخلص من أو هزيمة بوتين. غيرت حرب أوكرانيا موقع روسيا في العالم وأصبحت تبحث عن حلفاء معادين للغرب وتستخدم الخطاب المعادي للاستعمار، ومن نتائج هذه الشراكة التي أقامتها روسيا مع إيران والتي حفزها حس العزلة، مع أن تاريخ العلاقة الروسية الإيرانية مضطرب، حسب دينا أسفندياري في «فورين أفيرز»(17/2/2023) .
وهناك أمر آخر أخرجه بوتين من القمقم هو اعتماده على المرتزقة من شركة فاغنر التي زعم أفرادها أنهم سيطروا على قرية أوكرانية، ما يخلق منافسا له كما تقول صحيفة «الغارديان» (13/2/2023) فظهور يفغيني بريغوجين وجيشه الخاص هو دلالة على تآكل القانون ويظهر أن الدولة مستعدة للتسامح مع العنف المتطرف غير الخاضع للمساءلة طالما أنه يخدم مصالحها. يمكن أن يصبح هذا في النهاية تهديدا للنظام نفسه. هذا إلى جانب جيش الزعيم الشيشاني رمضان قديروف وجيوش خاصة أخرى لن تتخلى عن القوة عندما تتذوق طعمها، لكن هذه مشكلة لا تشغل بال بوتين في الوقت الحالي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية