د. كمـال هلـباوي حضرت مؤتمرا فكريا في العاصمة الفرنسية باريس في يومي 25، 26 حزيران/يونيو 2011 دعا إليه الدكتور العربي كشاط عميد المركز الثقافي والاجتماعي بمسجد الدعوة بباريس. عقد المؤتمر تحت عنوان: الغرب والاسلام من الارتضاض التنازعي الى التقاطب العلائقي. وقد يحتاج العنوان نفسه الى تبسيط للقارى، إذ يعالج هذا العنوان الفلسفي مسألة العلاقة والصلة بين الغرب والاسلام، وضرورة الإنتقال من التنازع والتنافر الى التواصل والتعارف، وتمتين العلاقات من أجل شيوع السلام في المستقبل. وقد شارك في هذا المؤتمر السنوي الذي يتوج مسيرة حوارات اسبوعية تمتد عادة من شهر تشرين الاول/أكتوبر الى شهر حزيران/يونيو في السنة التي تليها، عدد من كبار الباحثين والدارسين والعلماء من الشرق والغرب من المسلمين وغير المسلمين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر في هذا العام، كترين للميير رئيسة البيت الأوروبي بباريس، ولوك بربلوسكو المحاضر بجامعة باريس، ونورمان بالما المحاضر بجامعة السوربون، وكريستيان كنيير وهي أستاذة في جامعة اللاهوت الكاثوليكي في مدينة ليل ـ فرنسا وكريستوف روكو ـ الهيئة الوطنية للعلاقات مع الاسلام – مؤتمر أساقفة فرنسا، فضلا عن عدد من الاساتذة والباحثين العرب منهم المطران العظيم عطالله حنا ـ رئيس اساقفة الروم الأرثوذكس في فلسطين، والداعية الجليل الأستاذ الدكتور عمر عبد الكافي، والدكتور العلامة الجزائري أحمد بن نعمان، والاستاذة نهلة الشهال عالمة إجتماع وكاتبة وعضو الحملة المدنية العامة لحماية الشعب الفلسطيني في فرنسا، والأستاذ مصطفى إبراهيمي أستاذ الاقتصاد في لوزان ـ سويسرا، والاستاذ هادي بن منصور أستاذ التاريخ الحديث بجامعة السوربون.
تناولت الموضوعات المطروحة مساهمة الاسلام في الغرب حتى القرن السابع عشر والمستقبل المتوقع بعد تراجع الحرب الشاملة الدائمة، والاسترداد والغزو الأسباني، والحوار مع الاسلام وذريعة العدوان عليه، وكيفية التعامل مع الحداثة، وكلها أبحاث ودراسات مهمة لرسم مستقبل أفضل بين الغرب والاسلام وبين المسلمين والمسيحيين. المهم في هذا الموضوع الاطار الذي يدور فيه هذا الحوار أسبوعيا منذ خمسة عشرة سنة يتوج في نهاية شهر حزيران/ يونيو من كل عام بمؤتمر عام للحوار الفكري كذلك، ويجذب هذا الحوار’الى جلساته أو موائده المستديرة بعض كبار المعنيين بالفكر والعلاقة بين الغرب والشرق أو الغرب والاسلام، من الرجال والنساء. وقد تميز المؤتمر السنوي هذا العام بعمل ترجمة فورية مباشرة لجميع المحاضرات والمداخلات دون توقف المتحدثين عن الاسترسال لحين الترجمة كما كان في السابق. وقد لا يعرف كثير من الناس أن المطران العظيم عطالله حنا يواجه ضغوطا قوية من اللوبي الصهيوني حتى وهو يتحدث في ديموقرطيات العالم الغربي سواء في المنتديات العامة أوحتى الكنائس لانه من أفضل المدافعين عن الحق العربي في فلسطين، وأفضل وانسب الكاشفين للجرائم الصهيونية في فلسطين. وقد اتيح لي في مؤتمر باريس هذا العام أن اعرض ملامح رؤية لصلة وعلاقة جديدة بين الاسلام والغرب تقوم على أبعاد ثلاثة وهي: البعد الأول: يتمثل في الاعتراف والاقرار للغرب بفضله وايجابياته في التقدم العلمي والتقني وأقرار النظام السياسي والديموقراطي القائم على التعددية السياسية والحريات واستقلال القضاء وتداول السلطة سلميا وأقامة انتخابات حرة نزيهة واحترام حقوق الانسان، وهذا الجانب جعلنا نعيش في قرية صغيرة يتنقل فيها الانسان بسهولة ويسر ويشاهد ما يجري في العالم وهو في بيته أو مكتبه سواء في المدينة الكبيرة أو القرية الصغيرة. البعد الثاني: يتمثل في ضرورة سعي الغرب الى التخلص من سلبياته التي تشين وجه هذا التقدم العلمي الحضاري والسياسي والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية: الاستعلاء بالقوة والتخويف بها، الهيمنة الغربية بقيادة أمريكا مما يتنافى مع الاخوة الإنسانية، والانتقال الى استعمار جديد عسكري وفكري وثقافي وسياسي بإسم مساعدة الديموقراطية أو بإسم محاربة الارهاب (افغانستان والعراق) نموذجا، الوقوف في وجه تنمية الآخرين وتقدمهم العلمي والبحثي والتقني (ايران وكوريا الشمالية نموذجا)، المواقف السياسية المزدوجة تجاه القضايا المتماثلة، دعم الاحتلال الظالم (فلسطين نموذجا)، المصالح الغربية الظالمة مثل النفط والمواقع الاستراتيجية (العالم العربي نموذجا وخصوصا الخليج)، تدمير نظام الأسرة والعلاقة الأسرية والمجتمعية والتواصل الاجتماعي بين الاجيال، فضلا عن الطمع فيما أيدى الآخرين والاعتماد في فهم الاسلام على تقارير من الحكام العرب الظالمين في الفهم والممارسة ثم على فهم العالمانيين للاسلام غير المتكامل. أما البعد الثالث: فيتمثل فيما يجب أن يضيفه العرب والمسلمون الى الحضارة القائمة كما كان أسلافهم يفعلون، ويتمثل كذلك في ملأ الفرغات التي تشين جدار الحضارة الغربية اليوم. ومن أهم ما يمكن أن يضيفه العرب والمسلمون للغرب اليوم: نظام الأسرة الاجتماعي الذي لايزال متماسكا عند العرب والمسلمين الى حد بعيد، أي استقرار الأسرة بما يساهم في مجال السلم الاجتماعي والاستقرار في المجتمع فضلا عن الرضى والقناعة بدلا من الجشع والطمع فيما في ايدي الأخرين. ولا بأس من قيام مصالح مشتركة وعلاقات سياسية واقتصادية تقوم على العدل والتبادل المشترك. أما في ميدان العقيدة والقيم والعبادة فيستطيع المسلمون والمسيحيون واليهود أن يجتمعوا حول الوصايا العشر التي تزخر بها التوراه وتؤيدها الآيات القرآنية العديدة. وأهم بنود الوصايا العشر تتخلص في حرية العقيدة، وحرمة القتل والربا والزنى، وأحترام الوالدين والجيران، وهذا أساس متين للعلاقات المستقبلية يمكن أن ينهي مراحل طويلة من الظلم والصراع الدامي والطائفية المريضة والعنصرية البغيضة للانطلاق نحو مستقبل أفضل وعلاقات أوثق وأعدل بين الشرق والغرب أو بين الغرب والاسلام، فهل من مجيب أو مستجيب؟ هذا بعض ما دار في المؤتمر يوم السبت 27-6-2011 وإن سمح الزمان والمكان فسنتطرق الى ما دار في المؤتمر يوم الاحد 26-6-2011 لأهمية الاستراتيجية. ولابأس أن نذكر هنا أن بريطانيا التي تحملت بعض من لا يتحملهم غيرها من البلاد مثل ابو حمزة وعمر بكري وأبو قتادة وراشد الغنوشي وكمال هلباوي على سبيل المثال لا الحصر، ضاقت بالأمس القريب تحت ضغوط اللوبي الصهيوني ولم يتسع صدرها ولا نظامها الديموقراطي لزيارة يقوم بها الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الاسلامية في فلسطين المحتلة (48) وأبرز شيوخ المسجد الأقصى والداعيه المسالم، فقررت ترحيله قبل أن يشارك في يوم فلسطين الذي يقيمه المنتدى الفلسطيني سنويا في بريطانيا. وجاء قرارإلقاء القبض والترحيل المفاجئ بناء ً على حجج سخيفة واهية من بينها العداء للسامية. فهل يتفطن الغرب لمن يعادون الإنسانية ويسعون الى دمارها أم يقف مرة أخرى في جانب من يدمرون البيوت على رؤوس أصحابها ويقتلون ويحتلون ويقيمون المستوطنات ويدنسون المقدسات على خلاف تعاليم كل الشرائع السماوية والارضية، ومنها تعاليم التوراة العظيمة. ولا يمكن أن يكون الضغط على المطران الفلسطيني العظيم عطالله حنا في فرنسا، كما لا يمكن أن يكون احتجاز الشيخ رائد صلاح في بريطانيا بعد عدة أيام من وصوله ولقاءاته السلمية المتعددة، وهو الزعيم السياسي والروحي المعروف عالميا مصادفة مع منع الدكتور الجليل أحمد نوفل في الاردن من السفر الى بريطانيا بعد حصوله على التأشيرات اللازمة، وهو الذي سافر إلى بريطانيا والغرب من قبل عشرات المرات داعيا الى احترام حقوق الانسان والحريات، لايمكن أن يكون كل ذلك مصادفة كذلك مع فسخ عقد إستئجار قاعة المجلس البلدي في منطقة برنت بلندن لإقامة إحتفال المنتدى الفلسطيني يوم 2-7-2011 لأسباب واهيه مصطنعة، أقول؛ لا يمكن أن يكون كل ذلك مصادفة، بل إنه كما نفهم جميعا لايتم إلا بتخطيط مسبق وبضغوط صهيونية من داخل بريطانيا أو خارجها وهوما يدعوالى قلق شديد وتخوف على الديموقراطية الغربية، فضلا عن أن هذا كله رسالة مهمة للمسلمين جميعا والعرب خصوصا والفلسطينين على الأخص، ينبغي دراستها والتعامل معها بما تستحق حتى لا تتكرر مرة أخرى.’ كاتب مصري