حالة الذعر التي تعصف باليمين الأوروبي تجاه الإسلام والمسلمين تذكر بالحرب الدموية الشرسة التي أعلنتها الإمبراطورية الرومانية على السيد المسيح عليه السلام وعلى أتباعه الذين أزهقت أرواحهم وطاردتهم إبان انطلاق الرسالة النصرانية.
لم يكن خوف الإمبراطورية الرومانية من رسالة السلام والمحبة التي عنونت هذه البعثة السماوية الممثلة بشخص سيدنا عيسى عليه السلام، وإنما كان مبعث الهلع الذي أصاب أركان الحكم الروماني ناتجا عن مساواتها للبشر في الحقوق والواجبات، ورفضها للاستبداد والتسلط الذي مكن أمراء الإقطاع من الاستفراد بالحكم وسن القوانين التي قسمت العباد إلى طبقات متفاوته لتكون طبقة العامة من الناس فيه قطعاناً تعيش ببركة النبلاء من الوزراء والنواب وصولاً إلى القيصر الذي طالما كان يستمتع برؤية الفقراء وهم يقتلون بعضهم البعض في مدرجاته التي لا زالت شاهدةً على وحشيتهم.
لم يتغير شيء من الواقع سوى المسمياتن لأن إمبراطوريات المال تقلدت أسماء جديدة، كالشركات العملاقة والمؤسسات الربوية التي تمتص دماء الطبقة العاملة المنهكة التي تئن من الديون المتراكمة لخدمة أباطرة الجشع الذين يسوقون للناس سلطتهم ونفوذهم من خلال خلق أعداء يصورونهم على أنهم وحوش متعطشة للدماء من أجل إثارة الحقد والكراهية، بنفس الطريقة التي مارسها أمراء الإقطاع في العصور الوسطى من أجل تجييش الشعوب الأوروبية لشن حروبهم الصليبية الدموية. ليس مستغرباً أن يجعلوا من الإسلام والمسلمين هاجساً مرعباً لأنهم يعلمون أن قوانين الإسلام وتشريعاته لا تسمح لهم بهذا الاستغلال البشع للبشر، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالربى الذي يمتصون من خلاله أرزاق العباد لكي ينعموا هم بالمال الذي يشترون به ذمم الكتاب ويُسخِّرون من خلاله وسائل الإعلام من أجل الترويج لمرشحيهم الذين يستخدمونهم فيما بعد لسن القوانين والتشريعات التي تضمن لهم الاستمرار في رشوة أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في أمريكا وبرلمانات أوروبا في ما يعرف بتمويل الحملات الانتخابية، حيث يقوم الإعلام بتصوير شياطينهم على أنهم ملائكة منزهة عن الخطأ.
لماذا ينفثون سموم الحقد والكراهية بين أبناء الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين وهم إذ يسعون إلى إيقاف بناء المساجد إنما يعلمون جيداً أنهم يخالفون دساتير بلادهم التي نصت على حرية العبادات وتبنت مبادئ المساواة والعدالة للجميع؟ قريش لم تكن لتقف في وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا لأن سادتها شعروا بنفس الفزع من الدين الذي ساوى بينهم وبين العبيد والعامة من الناس، ولأن قريش العرب وقريش الغرب لا تختلفان من حيث الدوافع والمخاوف، فقد قامت القوى المهيمنة في الغرب بتكرار الهجمة الشرسة نفسها التي شنتها قريش العرب، ولكنها في واقع الأمر دفعت الناس إلى الرغبة في التعرف على هذا الدين الذي يخشاه الأشرار لتكون حملاتهم سبباً في إكساب هذا الدين زخماً ودفقاً متواصلين ليرفدهما بالمزيد من المعتنقين له.
بسطاء الناس يدركون بفطرتهم البسيطة أن ما يكرهه الشرير خير وأن ما يحبه شر، لأنه إذا فزع من شيء فلن يكون هذا الشيء إلا في مصلحة العامة الذين تتضارب مصالحهم مع مصالح الظلمة والفاسدين. القسيس تيري جونز يريد حرق مجموعة من نسخ المصحف الشريف لكي ينال الشهرة، مع أنه لم يقرأ هذا القرآن الذي يحتوي على اسم سيدنا عيسى وأمه مريم البتول ومعظم الرسل والأنبياء، ناهيك عن اسم خالق الخلق ومرسل الرسل، لا يمكن أن يكون مسيحياً وهو المُنقلب على عيسى عليه السلام الذي لم يشرع يوماً مثل هذا العمل ولم يدع أحداً لارتكاب مثل هذه الحماقة أبداً.
أما هذه المجموعة الجديدة المتطرفة التي تسمي نفسها أوقفوا أسلمة أمريكا فإن قادتها من أمثال روبرت سبنسر وباملا جلر، إنما يقرون بتسارع انتشار الإسلام في أمريكا وتفزعهم أعداد المتحولين إلى هذه الديانة ويسعون بما أوتوا من قوة لإيقاف هذا الانتشار السريع للإسلام في أوروبا وأمريكا، مع العلم أنه لا يستعمل العنف ولا حد السيف لإرغام المتحولين لهذا الدين الذي يختارونه بمحض إرادتهم في بلاد الحرية والديمقراطية.
هذه الديمقراطية تبقى جيدة ومستحبة طالما أن الإسلام لا يجري في مساربها، وإذا ما فعل فإنهم سينقلبون عليه وحتى على الدستور، وهم مستعدون لهدم كافة القيم والمبادئ التي رفعت أمريكا يوماً لتتصدر العالم في مجال الحريات والحقوق الإنسانية.
ينسى هؤلاء أن أبناء الجالية الإسلامية حاضرون بقوة في كافة القطاعات مثل الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والرياضيات، وانهم مدينون للمسلمين بهذه الأرقام الحسابية واللوغاريتمية والجبر التي هي أدوات حضارتهم المعاصرة، وهي الحضارة التي كان يستحيل قيامها بدونها بإقرار كافة المؤرخين والعلماء. علاوة على هذا فإن بلاد المسلمين لازالت تحتضن أقدم الكنائس في العالم من فلسطين إلى مصر إلى سورية ولبنان والعراق، ولا زال أهل الديانة المسيحية شهوداً على تاريخ الإسلام المضيء الذي حمى المسيحية واليهودية وضمن لأتباعهما الحرية في بناء دور العبادة، مع أن الإمبراطورية الإسلامية بلغت من العلم والقوة ما يكفي لجعلها قادرةً على سحق كل الديانات بالقوة عندما كان الغرب يغط في سبات التخلف. ولكن هذا القرآن الكريم الذي قال (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) ألزم المسلمين باحترام خيارات أهل الديانات الأخرى لأن الإيمان أو عدمه يعود للفرد نفسه ولا يتأتى بالإكراه.
أما محمد صلى الله عليه وسلم الذي رسموا له الرسوم المسيئه، فيكفيه شرفاً ونزاهةً توصيته المسلمين بأن لا يتعرضوا لأتباع هاتين الديانتين بالأذى حين قال (من آذى ذمياً فقد آذاني). أما القرآن فنحن نعلم أنه عصي عن الأذى لأنه محفوظٌ في صدور الملايين وقد تعهده الله بالحفظ (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) صدق الله العظيم.
زياد علان العينبوسي ـ نيويورك[email protected]