الغردقة المصرية مدينة الشعاب الفريدة والأحلام المجهضة

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: إحدى الروايات التي تلقى قبولاً شعبياً واسعاً بشأن حوادث التهام أسماك القرش لسائحين، والتي تتكرر بشكل شبه سنوي، تشير بأصبع الاتهام لجهات إسرائيلية تقف وراء تلك الحوادث التي شهدتها مدينة الغردقة التي تعد تاج سياحة الغطس على مستوى العالم وتجذب ملايين السياح من القارات المختلفة. ويشير خبراء إلى أن المقاصد السياحية في فلسطين المحتلة والتي تعد من أهم مصادر الدخل للكيان المحتل تواجه الكساد بسبب ما تتمتع به الغردقة وغيرها من المدن الشاطئية في ربوع مصر من جزر فريدة وشعاب مرجانية استثنائية تستقطب المزيد من السياح كل عام.

ووفقاً للرواية التي تحظى بالقبول لدى المختصين ولها شواهد، فإن الرواج الذي تصادفه صناعة السياحة في الكيان المحتل ظل وثيق الصلة بالمواسم التي شهدت افولاً للسياحة المصرية نتيجة حوادث إرهابية أو ظروف عالمية. ويمضي بعض أنصار نظرية المؤامرة في تفسيراتهم التي لا تخلو من وجاهة مشيرين إلى الدور الإسرائيلي في الاستعانة بأسماك قرش جرى تأهيلها من مهدها لإدمان تناول أعضاء بشرية وانه يتم الدفع بها نحو الشواطئ المصرية من أجل إثارة الفزع بين المصطافين ومن ثم دفعهم لهجرة تلك المقاصد التي يتوافدون عليها وتكون إسرائيل هي مقصدهم وفق ما حدث عقب العديد من العمليات الإرهابية التي ضربت مصر من قبل، إذ مثلت تلك الحوادث صيداً ثميناُ لإسرائيل لجذب ملايين السياح.
مؤخراً وقبيل حادث قرش الغردقة الذي التهم شاباً أمام أعين أفراد أسرته، أطلق وزير السياحة المصري تصريحات حملت العديد من البشارات بشأن مستقبل واعد ينتظر المقاصد السياحية في بلاده، متوقعاً ان يتجاوز عدد السياح 15مليونا قبل نهاية العام الحالي، ولم تمر أيام قلائل إلا وانتهى الأمر بفاجعة الغردقة. وسبق ان أثار مفتي مصر الأسبق الدكتور علي جمعة جدلاً واسعاً حيث اتهم إسرائيل بزراعة نبات الغرقد في المدينة ولذا أطلق عليها الغردقة وهو ما أثار رفض الباحثين في مجال الآثار فضلاً عن أهل المدينة الذين أكدوا أن إسرائيل لم تحتل الغردقة طوال تاريخها وأن خططها لاحتلال جزيرة شدوان عام 1972 باءت بالفشل بعد ساعات من وصولهم الجزيرة، ولقوا هزيمة ساحقة من رجال القوات المسلحة وأبناء البحر الأحمر. وخرج الجيش الإسرائيلي من جزيرة شدوان يجر أذيال الخيبة.

متاحف فريدة

تزخر مدينة الغردقة بعدد من المتاحف والمزارات التي تتفرد بالخصائص التي تجعلها متميزة على مستوى الشرق الأوسط والمنطقة بأسرها. في صدارة تلك المتاحف متحف آثار الغردقة الذي يعد أول متحف آثار في المدينة، ويقع بالقرب من الممشى السياحي القريب من جميع الفنادق السياحية، وأقرب لمطار الغردقة الدولي، ويضم المتحف أكثر من 2000 قطعة أثرية من العصور القبطية والإسلامية والفرعونية والرومانية. ومن بين المتاحف التي تتفرد بها المدينة متحف الأحياء البحرية «غراند أكواريوم» ويعد من المشروعات الكبرى بالغردقة، ويضم مجموعة كبيرة من الكائنات البحرية، وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الذي يتيح فكرة التواصل مع الكائنات البحرية والتعرف عليها، وفيه مجموعة كبيرة من الدلافين والقروش وعشرات الكائنات البحرية المختلفة. ويضم 22 حوضا من أكبر أحواض الأسماك في العالم حجما، وبه نفق زجاجي بطول 22 مترا، ويقع بطريق القرى بالقرب من منطقة مجاويش. ومن أبرز ما يميز المدينة متحف الرمال ويقع جنوب المدينة ويضم 42 تمثالا من المنحوتات بالرمال لشخصيات أسطورية من العصر الحديث والقديم تمثل أغلب حضارات العالم بينها مجسمات لعجائب الدنيا السبع. ويعد متحف الرمال أحد المتاحف الفريدة من نوعها في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا، ويقع على خريطة المزارات السياحية بالغردقة، ويضم تماثيل رملية مدهشة قام بنحتها فنانون عالميون، من دول مختلفة، بينها تمثال لنابليون بونابرت والملكة إيزيس وكليوباترا، والإسكندر الأكبر، والسلطان محمد الفاتح. ومن المقاصد السياحية بالمدينة مزار mini egypt park وهو يضم مجسمات لمعالم مصر وفي مقدمتها الأهرامات وأبو الهول وبرج القاهرة، ويقع في منطقة مكادي جنوب المدينة، ويعد من أهم المزارات السياحية حيث يمكن من خلاله مشاهدة جميع معالم مصر في مجسمات صغيرة.
عروض الدولفين بمكادي والتي تجذب العديد من المراحل العمرية التي تهوى مشاهد لعب الدولفين تعد مقصداً للسياحة العالمية وخاصة للأطفال وزوار المكان من المصريين.

الجمال والموت يسكنها

تتميز مصر التي تقع على الركن الشمالي الشرقي للقارة الأفريقية بأن لها سواحل على البحرين المتوسط والأحمر، والبحران بهما تنوع من القروش، فالمتوسط به 47 نوعا، أخطره القرش الأبيض الضخم والذي لا يقترب من السواحل ولم تسجل أي هجمات قروش أمام سواحل مصر، بينما سجلت خمسون هجمة أمام السواحل الإيطالية وأربعة وعشرون هجمة أمام السواحل اليونانية طوال القرن الماضي. ويكشف محمود عبد المنعم القيسوني المستشار السابق لوزير السياحة ووزيرة البيئة أن البحر الأحمر به 44 نوعا من القروش أخطرها أبومطرقة، والذي نادرا ما يقترب من السواحل، وفي البحر الأحمر تنوع من الشعاب الصلبة واللينة نحو 200 نوع منها تعدى عمرها 5 آلاف سنة وهي تجذب القروش لثرائها بتنوع هائل من الحياة البحرية، ويوجد نحو 1200 نوع من الأسماك 10 في المئة تعيش فقط بالبحر الأحمر ولا وجود لها في بحار العالم. ووفقاً للقيسوني تضم سواحل البحر الأحمر أهم موقع غوص على مستوى العالم وهو في محمية رأس محمد المعلنة عام 1983 والتي فرض على نطاقها البحري حماية الدولة، وحُظر الصيد قطعيا بها منذ عام 1983. لكن للأسف الشديد وابتداء من عام 2010 بدأ نشاط الصيد الجائر وغير القانوني بكامل قطاع سواحل جنوب سيناء وعلى الأخص النطاق البحري لمحمية رأس محمد، حيث انطلقت مئات زوارق الصيد ذات الأحجام المختلفة ليلا ونهارا مستخدمة كل وسائل الصيد المخالفة للقوانين المحلية والدولية، يعمل عليها أبناء محافظات جنوب مصر والفيوم من مهن مختلفة لا علاقة لها بالصيد مثل مدرسي المدارس وموظفى الإدارات الحكومية، ودون أي اعتراض من أجهزة الدولة وطوال شهور السنة. تسبب الصيد الجائر وغير القانوني في سواحل مصر في نقص خطير غير مسبوق للمخزون السمكي بهذا القطاع، حتى الصغيرة منها تم اصطيادها ما أدى إلى الهجمات الشاذة جدا للقروش الجائعة على السابحين والسابحات أمام سواحل شرم الشيخ وسواحل محافظة البحر الأحمر. أدى ذلك إلى حظر السباحة في كانون الأول/ديسمبر من عام 2010 بعد مقتل سائحة أجنبية ما دفع مراكز الغوص السياحية ــ والتي احتلت وقتها مركز الصدارة في العالم حيث فازت لثلاث سنوات متتالية كأفضل مراكز غوص على مستوى العالم خلال بورصة لندن للسياحة ــ دفعها إلى استدعاء أهم خبير دولي في مجال القروش وهو أمريكي لدراسة أسباب هجماتها، وبعد أسبوع من دراسة علمية دقيقة، أعلن أنها هجمات شاذة سببها نقص المخزون السمكي في كامل القطاع بخليج العقبة وخليج السويس بجنوب سيناء وأمام سواحل محافظة البحر الأحمر. كما يرجع سببها إلى الأسلوب البدائي الخطير الذي يتبعه بعض الصيادين بتزفير المياه، أي بإلقاء كم كبير من اللحوم وقطع السمك لجذب القروش لاصطيادها من أجل قتلها ونزع زعانفها المستخدمة في مأكولات غالية بالفنادق وللتصدير.

سلوك قاتل

من السلوك الخطر الذي يساهم في وقوع هجمات القروش قيام عدد من المرشدين السياحيين ومنظمي الرحلات البحرية للسياح بتعمد إلقاء قطع من اللحم المتشرب بالدم في المياه حول المراكب السياحية لجذب القروش حتى يقوم السياح بالتقاط الصور التذكارية ما يجذب القروش إلى السواحل، هذا بالإضافة لغرق سفينة وقتها لنقل المواشي بخليج السويس وغرق آلاف الخرفان ما تسبب أيضا في جذب القروش بأعداد كبيرة لهذا القطاع. تبع ذلك كما يوضح محمود عبد المنعم القيسوني تحرك ممثلي مراكز الغوص ومسؤولي وزارة السياحة، حيث عقدت عدة اجتماعات مع وزير الزراعة، ورئيس الهيئة القومية للثروة السمكية، ووزيرة البيئة ووزير السياحة، وبحضور ممثلي الاتحاد التعاوني للثروة المائية، وممثلي المعهد القومي لعلوم البحار، وبعد دراسة علمية واجتماعية وبيئية شاملة تم بعد ستة شهور التوصل لمنظومة علمية تتلخص في الوقف التام لجميع أنواع الصيد البحري أمام سواحل جنوب سيناء وسواحل محافظة البحر الأحمر من منتصف نيسان/أبريل حتى نهاية شهر تموز/يوليو من كل عام، للسماح باكتمال دورة الحياة والتنوع البحري في هذا القطاع وحماية وتكاثر المخزون السمكي، وهي طريقة مطبقة في معظم دول العالم التي لها سواحل بحرية، هذا مع تخصيص وزارة السياحة نحو خمسة ملايين جنيه تصرف للصيادين المرخصين لإعانتهم طوال فترة الحظر مع اقتراح تدريبهم على حرف تبادلية مناسبة تحقق دخلا ماديا لهم وبالتدريج حتى توقف الإعانة السنوية بعد ذلك على أن تتم تحت إشراف المحافظات الساحلية، فتم صدور القرارات الوزارية واعتماد المبلغ. للأسف قبل بدء يوم التنفيذ قام عدد من الصيادين من غير أبناء جنوب سيناء بتنظيم مظاهرة احتجاج تسببت فى إلغاء كل الترتيبات والقرارات المتفق عليها ليبقى الحال كما هو عليه، ويستمر الصيد الجائر داخل المحميات وأمام كامل سواحل جنوب سيناء بخليج العقبة وخليج السويس وأمام سواحل البحر الأحمر، ويتناقص المخزون السمكي بشكل غير مسبوق في تاريخ السواحل المصرية ولتحدث هجمة القرش الجائع على شاب يسبح أمام ساحل العين السخنة يوم 5 حزيران/يونيو 2016 حيث ثبت أن المياه كانت مزفرة من مراكب صيد أمام سواحل عين السخنة. المنطق يشير إلى توقع تكرار بل تضاعف هذه الحوادث وتوابع ذلك على حياة السابحين والسابحات وكامل الاستثمارات السياحية الساحلية إذا لم نتحرك ونطبق القانون الخاص بتنظيم شهور حظر الصيد، والرقابة الصارمة من جميع أجهزة الدولة المعنية.

لإسمها نصيب

الغردقة سميت بهذا الاسم لكثرة نبات الغردق أو العوسج أو ما كان يطلق عليه في السابق «عنب الديب» وهو كان يملأ من قسم السقالة القديم حتى جلوف الشيخ، ملاك فندق روما الآن مرورا بالملاحة، وهي منطقة خلف شيري الآن، وكان أيضا يملأ منطقة أبو مخادج أو مكادي الآن، أما عما ظلت تردده الألسنة بشأن أنه كانت توجد شجرة واحدة اسمها الغردقة وكان الصيادون ينتظرون تحتها، فهذا لا أصل له لأن نبات الغردق في الغردقة من النوع البري الذي لا يرتفع عن 2 متر وأغصانه متشابكة ويكسوها الشوك والرمال.
يعود تاريخ تأسيس مدينة الغردقة لقبل عام 1900 حيث أسس أول مسجد بها، ويتذكر مصطفى عبد اللاه الأحداث التي ما زالت راسخة في ذاكرته نقلاً عن أجداده حيث كان مقيم الشعائر موسى حميلي ومعه ابنه الصغير أحمد موسى، جد المرحوم علي موسى، وكانت تسكن الغردقة قبل هذا الزمن قبائل العبابدة على الساحل والمعاذة في الجبل، والمواصلات الوحيدة في هذه الفترة كانت الجمال، وتأسست شركة الكبريت في الغردقة سنة 1868وهي فرنسية وكانت هذه بداية دخول العمال الغردقة: «كان عمال الشركة المصريون يعملون بمعدات بدائية وكانت الحياة صعبة، وقد اكتشف العمال أثناء العمل الذهب الأسود (البترول) ولكن تم استخراجه بعد سنوات من اكتشافه وكان استخراجه مرحلة مهمة في تاريخ الغردقة». ومن أبرز معالم المدينة منطقة الأحياء: وتقع في الجزء الشمالي من المدينة، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى محطة الأحياء البحرية التي أنشئت في عام 1928 وبدأ العمل البحثي بها في 1932 تحت قيادة العالم الإنكليزي سيريل كروسلاند، وكانت آنذاك تتبع كلية العلوم في جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) وتعتبر أول محطة بحرية للأحياء المائية على ساحل البحر الأحمر، والوحيدة المقامة على الساحل على مدار ثلاثين عاما. وينسب الجهد الكبير في هذا الصرح للدكتور العالم حامد جوهر، الذي تولى رئاسة المحطة في عام 1934 ولمدة 40 عاما، شهد خلالها المعهد نشاطا علميا لا نظير له، حيث قام خلال تلك الفترة بإنشاء متحف الأحياء المائية وعمل أبحاثا هامة في مجال علوم البحار، ثم تغير الاسم إلى المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد، فرع البحر الأحمر الذي يتبع وزارة البحث العلمي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية