أ. د. علي الهيل لوحظ أن الحاكمين الديكتاتوريين اللذين سقطا أو خلعتهما الثورة الشعبية في كل من تونس ومصر أتيا بأقوال (مستنسخ بعضها من بعض). وهي عبارة عن القشة التي حاولا يائسين التشبث بها، مخافة الغرق في الطوفان الجماهيري الهادر، غير أنهما غرقا. والأعراب المستبدون الآخرون الذين يقاومون الأمواج حاليا في التسونامي الجماهيري العربي الجارف في ليبيا واليمن والبحرين والسعودية والعراق وسورية، وغيرها من بلاد العرب سيغرقون والمسألة مسألة وقت فقط. ولقد أسدى الناصحون النصح لأفراد بطانتهم: إركبوا سفينة التغيير مع الشعوب، ولا تكونوا مع الظالمين، وما كان ردهم إلا أن قالوا: سنأوي إلى جبل الحكام ليعصمنا من الماء، فكان رد الناصحين هو رد نوح عليه السلام: ‘لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهم الموج فكانوا من المغرقين’، أو على وشك الغرق. وكما كان لسان حال التوانسة والمصريين سيكون لسان حال بقية العرب في قول الله: ‘وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين’. إنها ذرية بعضها من بعض. كما أن مصدر فرضها على الشعوب العربية ورعايتها وسبب ديمومتها واستمراريتها والتستر على عيوبها ومثالبها ونهبها لمقدرات البلاد العربية لعقود طويلة وقهر شعوبها، هو واحد ألا وهو الغرب و’إسرائيل’. ولا يكاد يُلحظ ثمة فرق بين هذا وذاك، إلا أن ديكتاتورية (القذافي) يُلاحظ أن لها وضعا شاذا كشخصيته تماماً مقارنة بالآخرين. وأفادتنا تسريبات وإن كانت المبالغة تظللها بعض الشيء، غير أن ثمة دلائل تدعمها على أرض الواقع. يبدو أن سلوك تغول (القذافي) ضد الثورة الشعبية باستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات الحربية، وكأنه يصد عدوانا خارجيا وعلى الطريقة الصهيونية في حربها على غزة، وليس صدا لمجرد احتجاجات ومطالبات شعبية، سببه كما يُظن ضغوط من مجموعات الضغط الأقوى في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا (إلى حد ما) تمارسها على صناع القرار الغربي، بأن يُترك القذافي يصفي الشعب الليبي، أو ما وصفته التسريبات بالمتمردين المعادين لإسرائيل والغرب، على الرغم من تنفيذ عملية ‘فجر الأوديسة’ التي كان الهدف منها الا تُحرج حكومات الغرب أمام شعوبها التي ضغطت في اتجاه حماية الشعب الليبي. وما تقدم يفسر على نحو ما تلكؤ الغرب طويلا في فرض الحظر الجوي على طيران القذافي، الذي يقصف به الشعب الليبي في مدن الشرق والغرب الليبيين، إلى أن ظهرت أخيرا وما كادت تظهر عملية ‘فجر الأوديسة’ بعد مخاض عسير، والتي قادتها فرنسا بشراسة واستماتة وعقدت من أجلها مؤتمرا تمت الدعوة إليه وترتيباته في ظرف يومين اثنين. وتفسير الأمر في تقديرنا هو اقتصادي وطمع فرنسا في الحصول على نصيب الأسد من تعمير ليبيا ومن ريع بترولها، ويضاف إليه ربما انتقام ساركوزي من القذافي وأسرته وابنه سيف الإسلام، الذي فضح كما يبدو أمر مبالغ أعطيت لساركوزي لإنجاح عمليته الانتخابية، مما احرجه أمام الفرنسيين. ويرجع هذا التعاطف من مجموعات النفوذ في الغرب مع القذافي إلى ما يُروج من داخل ليبيا نفسها، ومنذ زمن بعيد وقبل الثورة الشعبية الحالية، بأنه يهودي الأم، التي يُشاع أنها من يهود ليبيا. وثمة من يعزو التعاطي الانتقائي العنيف للصحافيين العرب (إذ تعرضوا للتعذيب والاغتيال)، بينما لم يتعرض الصحافيون الغربيون ومنهم صهاينة (إسرائيليون) إلى مثل ذلك من قِبل (القذافي) إلى تلك الوشيجة اليهودية المفترضة. واختفاء الإمام موسى الصدر اللبناني المعادي لإسرائيل والغرب عام 1978 في أثناء زيارة إلى ليبيا بدعوة من (القذافي) تعود أسبابه – كما يذهب كثير من الناقلين – إلى النفوذ اليهودي في ليبيا وإن ظل مستترا، إضافة إلى تأثير اليهود على سلبية القذافي إزاء الأحزاب والحركات المقاومة لإسرائيل في العالم العربي و(إسرائيل). وتخشى تلك القوى الغربية و(إسرائيل) رغم عملية ‘ فجر الأوديسة’ من مجيء الإسلاميين الليبيين إلى الحكم وسيطرتهم على البترول والغاز الليبي، الذي تستفيد منه دول جنوب أوروبا وشمالها، فضلا عن شمال أمريكا، وثمة تكهنات بأن (إسرائيل) تحصل عليه بشكل غير مباشر ومباشر أحياناً.
وهذه الاستنتاجات كلها لا نسردها هنا من قبيل التسليم بنظرية المؤامرة في تفسير الأحداث، ولكن لأنها لا تبدو مستبعدة، وإن بدت وكأنها افتراضات في ضوء مجريات الحدث الليبي. وتذهب التسريبات إلى أن تلك القوى في الغرب نادمة على إسقاط الشعب لنظام مبارك الموالي لإسرائيل والغرب في مصر، وتعيين رئيس وزراء مصري رافض لحصار غزة، متمثل في الجدار الفولاذي المصري وإغلاق معبر رفح المصري والخوف على انهيار اتفاقية السلام المصرية ـ الإسرائيلية المعروفة باتفاقية (كامب ديفيد)، إضافة إلى فقدان نظام آخر موال لإسرائيل والغرب وهو نظام (بن علي). وان إصرار الشعوب على الديمقراطية والمشاركة الشعبية في مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين والسعودية وعمان وغيرها من البلاد العربية حتما وقطعا سيكون مصدر تهديد لأمن (إسرائيل) ومصالحها، ولن يخدم مصالح الغرب أيضا في العالم العربي. وعليه، فإن تلك القوى حريصة على ألا تفقد الحليف الليبي، لاسيما أنه يحكم بلدا غنيا بموارده الطبيعية والإستراتيجية كالبترول والغاز. وتقريبا – وكما أسلفنا – السلوكيات ذاتها تُستنسخ من قِبل الأنظمة الأخرى في ليبيا واليمن والبحرين وعمان والسعودية والعراق والمغرب والجزائر وسورية وغيرها. فبعد مظاهرات صحار العمانية شمال مسقط أعلن السلطان قابوس عن خمسين ألف وظيفة لإسكات الناس كما فعل (بن علي). ويتساءل العمانيون كما تساءل التوانسة: أين كانت مخبأة تلك الخمسون ألف وظيفة، ولماذا لم تخرج للعلن في أيام الرخاء وخرجت في أيام الشدة بينما الرقبة تحت المقصلة؟ والنظام السعودي تنبه بعد ستين عاما الى أن السواد الأعظم من (الرعية) تركهم الراعي أو الرعاة المتعاقبون من غير سقوف تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء. فقرر تخصيص 37 مليار دولار لإسكان الرعية، التي بلغت نسبة الذين لا يمتلكون منهم سكنا أكثر من 80′ ولا يُعرف حتى الآن مصير تلك المليارات. غير أن اللافت أن حكومة البحرين ضاقت ذرعا بمطالب شعبها، الذي خرج أكثر من ثمانين في المائة منه إلى الشارع بأطيافه الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية كافة (وليس الطيف الشيعي وحده كما يُروج) بعد أن ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وبعد أن أعيته كل السبل والوسائل والأسباب للحصول على حقوقه المشروعة. وبعد أن استبشرنا خيرا بتنبه الحكومة البحرينية لأخطائها القاتلة في التصدي لشعبها بالرصاص الحي في (دوار اللؤلؤة) الذي أدى إلى استشهاد سبعة مواطنين وجرح أكثر من خمسمئة مواطن، وسماحهم للناس بمواصلة التظاهر، وبعد ان مر أسبوعان ولم يحصل شيء، كان يوم الأحد الدامي (13 آذار/مارس) وما أعقبه من قمع، الذي تكرر فيه ما حدث سابقا وقتل العشرات وأصيب أكثر من ستمئة مواطن، و’يا فرحة ما تمت’، واعتقل أكثر من سبعة من قادة المعارضة البحرينيين! وقبل ذلك فوجئنا بقوات سعودية تدعمها مدرعات وسيارات لمكافحة الشغب واعتقال المتظاهرين تدخل البحرين وتبعتها في اليوم التالي قوة شرطة إماراتية على أن تفعل بقية دول مجلس التعاون الخليجي الشيء نفسه. واعتقد أهل الخليج الطيبون المسالمون أن ثمة دولة أجنبية غزت البحرين، فصفقوا وهللوا فقد أمست دول المجلس قادرة بعد كل هذه العقود على حماية نفسها من غير الاستعانة بالأجانب، مع أن الأسطول السادس الأمريكي موجود في البحرين. بَيدَ أننا حزنا عندما اكتشفنا أن ما يُسمى (بدرع الجزيرة) جاء بقضه وقضيضه لما فُهم منه منع الشعب البحريني من فتح فمه والمطالبة بحقوقه.
وهو أمر لم يستسغه الدهماء. إذ أن العادة جرت أن تستعين دولة ما بقوات خارجية لصد هجوم خارجي تتعرض له، وأما أن تستعين دولة بقوات خارجية لقمع أو لحمايتها من شعبها الذي يطالب بحقوقه حتى وإن كانت قوى إقليمية، فهو أمر يثير الغرابة والعجب والريبة والشك معاً. وللأسف سال الدم ثانية وقتل الكثير من المواطنين ومن أفراد قوة الأمن البحرينية وهم كلهم بحرينيون ودمهم غالٍ وجرح أكثر من ثلاثمئة شخص، بدءاً من يوم الثلاثاء 15 آذار (مارس) وحتى ساعة كتابة هذا المقال. وإيران بعد أن التزمت الصمت عندما كانت المسألة محصورة بين الحكومة البحرينية ومواطنيها، غير أن دخول قوات (درع الجزيرة) وإن كانت بدايتها سعودية وإماراتية، أخرج إيران عن صمتها واعتبرت التدخل السعودي وإن كان تحت مسمى (درع الجزيرة) غير مقبول، بصرف النظر عن أن غالبية المحتجين هم مواطنون بحرينيون عرب شيعة. ويبدو أن إيران رأت في الأمر مؤامرة سنية ضد شيعة البحرين، ولذلك ثارت حفيظتها، وقد بدا كذلك للكثيرين، وهي سابقة خطيرة كنا نتمنى أنها لم تحدث. واستدعاء السفراء بين إيران من جانب والسعودية والبحرين للتشاور أو الاحتجاج مؤشر خطير قد يجر المنطقة إلى احتمال نذر حرب إقليمية. ومهما كانت التفسيرات والمبررات فالكثيرون في الخليج العربي ينظرون إلى التدخل السعودي على أنه جاء بضوء أخضر وموافقة أمريكية وربما حتى بطلب أمريكي. كانت أمام مجلس التعاون الخليجي فرصة تاريخية وذهبية أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لو أنه فقط قدم العزاء ولو بروتوكوليا في الشهداء من مواطني دولة البحرين الشقيقة، وأبدى ولو أسىً ديبلوماسيــــا على جرح المئات من المواطنين، والشيء نفسه حيال شـــهداء عمان وجرحاها، لَكان برهن ولو لمرة واحدة على أنه بقدر ما هو لحماية الأنظمة بغرض الحفاظ على الاستقرار وهو أمر نؤيده وندعمه في المطلق بقدر ما هو كذلك وعلى مسافة واحدة لحماية الشعوب ولتعزيز مطالبها في الحرية والعدالة والديمقراطية والمشاركة الشعبية والعيش الكريم، غير أن المجلس لم ينبس ببنت شفة دعما للمتظاهرين، وأثبت للمرة المليون أنه مع الحكام ظالمين أو مظلومين، مع أنهم لا يُظلَمون بل دائماً يَظلِمون. ‘ كاتب قطري