إسماعيل القاسمي الحسنيكما لاحظتم العنوان، جملتان سمعت أولاهما من رجل يتبوأ دورا سياسيا متقدما يفترض الاحترام، في معرض نقده لما يخطه هذا القلم عبر صحيفة ‘القدس العربي’، مقرا بأنه لا ينكر معظم ما يرد فيها، غير أنه يعتبر مواضيع المقالات غسيلا جزائريا داخليا يجب عدم نشره، وما كنت لأجعل منه موضوع مقال اليوم لولا أن ذات المعنى أشار إليه رئيس الجمهورية في خطابه 16/04، متهما البعض بتشويه صورة الجزائر عبر وسائل إعلامية دولية؛ وأما العبارة الثانية فقد رددها وزير الخارجية الجزائري، ردا على تصريحات مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي، ثم وثقها في حوار مع صحيفة ‘الشروق’ اليومية 25/04، وما كنت لألتفت إليه كذلك لو لم تكن رجع صدى لما ورد في خطاب الرئيس كذلك الموجه للشعب في 15/04؛ وبما أنني واحد من المعنيين حتما من أعلى هرم السلطة، رأيت من الواجب الوقوف على دلالات هاتين الجملتين: ـ ليس عيبا أن يعترف المرء بعجزه عن الرد، بل العكس هو الصحيح، ويرجع العجز لكون صاحب نظرية ‘الغسيل الداخلي’، يعيش قطعا في الزمن الحجري، ومن المتعذر على عقل من ذلكم العصر أن يتفهم مثلا قطعة حديد يركبها بشر مثله ثم تطير في الجو، هكذا تعريفه لما يسميه أبناء اليوم الطائرة، ذات الحال بالنسبة لرجل ينكر وجود شيء يعرف بالنت، مؤكدا أنه لم يدخل عهدا يوصف بعالم تكنولوجيا الاتصالات وتطور نقل المعلومات، كيف لا والواقع الراهن يترجم التالي: الثورات العربية بدءا بتونس ومرورا بمصر واليمن وليبيا وسورية وموريتانيا والبقية تأتي، التي منها ما أسقطت أنظمة، وهي في سبيل تغيير الخارطة السياسية في المنطقة وجغرافيتها كليا، ومنها ما هي في طريقها إلى ذلك، كل هذه الثورات الأداة الرئيسية في تأطيرها وتوجيهها شيء اسمه ‘الفيس بوك’؛ هذا الأخير والتويتر وغيرهما في عالم الانترنت، أصبحت ضرورة عصرنا في كل بيت، كما بات يوصف بالأمية من لا يتعامل مع هذا العالم الافتراضي والواقعي في آن. ومن المعلوم أن الصحافة والإعلام عموما يعتمدان هذه التكنولوجيا منذ ما يزيد عن العقد من الزمان، ما يعني أن الصحافة الوطنية الجزائرية لكل منها صفحة الويب تنضح بفضائح النظام أو ما أشار إليه القوم أعلاه أو أسفله بالغسيل الداخلي، وصفحات الويب هذه متاح مطالعتها لأي كان من أي نقطة في الأرض؛ ما يعني لدى كل عاقل من أهل زماننا أن صحيفة ‘القدس العربي’ لا تتولى نشر الغسيل الداخلي أكرمكم الله، ولكن الصحافة المحلية هي التي تصدره لجميع أنحاء العالم عبر النت؛ ثم هل المشكلة في نشر الغسيل أم في وجوده أصلا؟ كان حريا بهؤلاء السادة الأفاضل أن يعملوا على معالجة أسباب وجوده، وأن يسعوا ليبقى ثوب سلطتهم نظيفا بدل كنس الغبار تحت السجاد، واتهام الغير بما لا يمت حتى للخيال بصلة، بقدر ما يبرهن على التخلف والبقاء في الزمن الحجري؛ لكن ما ينسيك في هذه النظرية العجيبة، قول الرئيس ومن يدور في فلكه الميمون وصفا لمقالاتنا بأنه تشويه للجزائر، وهو خلط غريب بين كيان الدولة وسياسة سلطة مختلف حول شرعيتها ابتداء، حتى وإن أصيب أصحاب هذا الطرح المشوه بجنون العظمة، نتيجة جلطة فكرية أعدمت لديهم حواس الوعي بمجملها. فالواقع يقول ان الجزائر أعظم منهم واختزالها في سياستهم هو أخطر تشويه لها أمام العالم؛ لن تمثل الجزائر حق التمثيل إلا بعد فصل السلطات واستقلال القضاء وإقامة العدل وانتخابات نزيهة وقوانين تنسجم مع شخصية شعبها بما يخدم مصالحه وغيرها من الإجراءات، هذه الحقيقة الواقعية أصبحت مكشوفة للكل، خاصة بعد الثورات العربية، ومن يقفز عليها أو يحاول تغييبها فإنما يؤكد لغيره أنه في حالة غيبوبة تحول دون إحساسه بالواقع ومعرفة ما يدور حوله.
أما القول: من ركائز الدبلوماسية الجزائرية عدم التدخل في شؤون أي دولة. فهذا الكلام لا يستقيم في مطلق الأحوال، نعم قد لا نتدخل في شؤون دولة لا تربطنا بها مصالح ولا حدود ولا أواصر أخرى كالعقيدة واللغة والعلاقات الاجتماعية، بل حتى هذه تدعو الآلة الدبلوماسية الحية للتحرك نحوها والبحث عن إمكانية ربط علاقات معها؛ أما والحال في هذا الموضوع ليبيا فأعتقد أن اعتماد منطق كهذا إنما يدل على شلل تام أصاب صاحبه على مستوى النظر السياسي، ترتب عنه تبخر المادة الرمادية عبر ثقب أسود أحدثته نفايات السلطة غير الشرعية، كانت نتيجته عدم التمييز بين المنفعة والضرر؛ ولو صحت هذه النظرية البلهاء لاعتبرنا أن الدول العظمى وغيرها وما أكثرها التي تدخلت بالشأن الليبي، قد أصيب قادتها جميعهم بجنون البقر، وهم دون مستوى تنظير جهابذة السلطة الجزائرية، ومن ناحية أخرى هل الصحراء الغربية مثلا شأن جزائري داخلي؟ قطعا لا، إذن ما دخل الدبلوماسية الجزائرية هناك؟ إن هذا الموقف المتدثر بحجة عدم التدخل، إنما يحمل وجهه الثاني رسالة إلى الدول الأخرى بأننا لا نقبل تدخلا أجنبيا في شؤوننا إذا ما تطورت الأوضاع واستدعت ذات المسببات لأمر كهذا، وهذا في عالم المصالح والسياسة يعد هذيانا وهرطقة لا تستند لعقل سوي طبعا.
ختاما لا يفوتني التذكير بأن الجزائر تكاد تخسر للمرة الثانية ليبيا، فالأولى كانت عام 69 حين دعمت السلطة الجزائرية انقلاب شاب مغرور على الملك السنوسي (جزائري الأصل)، كان بالإمكان عبر القوة الناعمة أن تكون ليبيا قوة مضافة للجزائر، لكن القيادة السياسية آنذاك وهي ذاتها اليوم، لم تكن ترعى مصالح الشعب وإنما مصالحها هي، وبعد أن خسرنا الملك الجزائري ـ الليبي ها نحن بفضل جهلها نكاد نخسر الشعب الليبي كله… وليقس ما لم يقل عن الشعوب العربية والمتحكمين في شؤونها.. حسبنا الله ونعم الوكيل.’ فلاح جزائري