الغضب الاسلامي وموقف الحكومات العربية
د. يوسف نور عوضالغضب الاسلامي وموقف الحكومات العربيةخلال الأسابيع الماضية بسبب الرسوم المسيئة للرسول صلي الله عليه وسلم والتي نشرتها إحدي الصحف الدنماركية. وكان من الممكن أن تحتوي هذه الأزمة لو أن الحكومة الدنماركية أعربت عن اعتذارها للعالم الإسلامي، ولكن رئيس وزراء الدنماركي تحدث في الموضوع مطالبا الصحيفة بتقديم اعتذارها رافضا أن تقدم حكومته اعتذارا عن هذه الحادثة بدعوي أن الأمر يتعلق بحرية التعبير، فهل هو حقا يتعلق بحرية التعبير؟ المعروف أن الحريات العامة في العالم الغربي مكفولة إلا إذا خرج الفرد عن حدود المسموح به، فهو حينئذ يجد القانون يعاقبه، وحين يسيء فرد إلي آخر فإنه يواجه تهمة خطيرة، فكيف يكون حاله إذا وجه إساءة لنبي واحدة من أكبر الديانات في العالم؟ وهنا نتساءل هل كان رسم النبي صلي الله عليه وسلم وعلي رأسه قنبلة ـ في سياق غربي يتهم المسلمين بالإرهاب ـ من الأمور التي تمر دون محاسبة؟ وهل هي مسالة تتعلق بحرية التعبير؟يجب هنا أن نفرق بين حرية التعبير التي تعني أن يكون الإنسان قادرا علي إبداء رأيه في المسائل التي تتباين فيها المواقف وبين الحدود التي لا يكون الأمر فيها متعلقا برأي وتكون تجاوزا لكل الأعراف الخلقية والحضارية. وللأسف فان هذا القانون الأولي غير مأخوذ به في العالم الغربي الذي لا يتوقف عن تقديم الدروس للعالم الإسلامي في السلوك الديمقراطي والتصرف الحضاري دون أن يتوقف لتقييم الأعمال التي يقوم بها والتي تتنافي مع قيم الحرية والديمقراطية كما هو الشأن في العراق وفي فلسطين. ومن الغريب وسط هذه الأزمة الخانقة أن تخرج علينا بعض الصحف الفرنسية والألمانية بإعادة نشر الرسوم المسيئة وتبرر موقفها بأنها تدعم موقف الصحيفة الدنماركية في حرية التعبير، وتلك فرية، لأن ما فعلته تلك الصحف هو في حقيقته تضامن ضد مشاعر المسلمين. وهو ما جعل كثيرا من المسلمين يتساءلون، إذا كان الأمر يتعلق بحرية الرأي فلماذا تكون هناك قوانين تعاقب من يعادي السامية وتتهم كل من يتكلم برأي مخالف في الهولكست بأنه خارق لهذه القوانين، بل وتقتصر قوانين معاداة السامية علي اليهود وحدهم مع أن العرب هم أكبر مجموعة سامية في العالم.نحن نعرف أن كثيرا من الدول الغربية تطبق الآن قوانين ضد الذين يمارسون التفرقة العنصرية والدينية ولكن معظم هذه القوانين لا تعطي المسلمين حقوقا مماثلة حتي لكأن جنسهم أو عقيدتهم ليست مما هو معروف في المجتمعات الإنسانية.وإذا نظرنا من جانب آخر إلي ردود فعل الشوارع الإسلامية وهي بكل تأكيد ردود فعل غاضبة، كان ذروتها يوم الغضب الذي أعلنته رابطة علماء المسلمين رأينا الشوارع الإسلامية تتحرك معبرة عن غضبها بعد أن رأت الحكومات لا تتخذ ما يكفي من إجراءات لرد هذه الإساءة التي لحقت بشعوبهم .وبالطبع رأينا مشاهد خرجت عن الاعتدال مثل حرق السفارة الدنماركية في دمشق وبيروت، كما رأينا أعمال عنف في اندونيسيا وتركيا وغيرها من البلاد. ولا نشك في أن كثيرا من الحكومات العربية والإسلامية تنفست الصعداء وهي تري الشوارع تتحرك علي هذا النحو ليس لأنها لم تكن تثق في قدرة الشوارع بل لان هذه الحكومات المهادنة رأت في تحرك الشوارع ما يرفع عنها اللوم ولكن سرعان ما رأينا مواقف لا تتناسب مع جلال المناسبة، وذلك عندما رأينا المتظاهرين في القاهرة يعبرون عن غضبهم داخل جدران الأزهر الشريف ولا تسمح لهم السلطات المصرية بالخروج إلي الشوارع وهذا موقف يتكرر من وقت لآخر ولا يليق بمكانة مصر أو ريادتها للعالم العربي، فما الذي يخيف نظام الحكم من خروج مظاهرة في يوم كهذا؟ولم يكن موقف مصر وحده الذي يدعو إلي العجب بل رأينا القوي المعارضة لسوريا في لبنان تسارع إلي اتهام عملاء سوريا في داخل لبنان بحرق السفارة الدنماركية وبرأت اللبنانيين من تلك الفعلة؟ فلماذا فعلت المعارضة اللبنانية ذلك وهي تعلم أن شعب لبنان لا يقل غضبا عن اي شعب آخر بل هو الشعب الذي ثار وطرد الإسرائيليين من أرضه وهو الشعب الذي تعمل له السلطات الإسرائيلية ألف حساب بسبب روح المقاومة المتأصلة فيه. وفي نفس الوقت عرضت الحكومة التركية ومعها الحكومة الألمانية وساطتيهما وذلك أمر يدعو إلي العجب، أولا لأن الحكومة الألمانية لا تعتبر وسيطا محايدا في هذه القضية بكونها ساندت الدنمارك في موقفها مما سمته حرية الرأي كما أن تركيا طرف في هذه القضية وهي جزء من العالم الاسلامي الذي تمت إهانته فكيف تريد التوسط؟ أم لعلها تريد أن تقدم رسالة إلي الاتحاد الأوروبي بأنها يمكن أن تلعب دور الوسيط بين العالم الإسلامي وأوروبا وذلك ما يبرر دخولها إلي ساحة الاتحاد الأوروبي.ولا شك أن مواقف كهذه من بعض الحكومات العربية والإسلامية هي التي دفعت الحكومات الغربية إلي مساندة الموقف الدنماركي دون تحفظ، فقد رأينا علي سبيل المثال معظم الصحف البريطانية تقف موقفا معتدلا وتعتبر الإساءة للمسلمين خارج باب حرية الرأي ولكن فجأة نري الموقف الرسمي يتغير عندما أعلن وزير الداخلية موقفه المؤيد للحكومة الدنماركية، ولا شك انه من الطبيعي أن تساعد الدول الأوروبية بعضها بعضا في القضايا العامة ولكن ليس في مثل هذه القضية التي تتعلق بالقيم الإنسانية. وإذا تجاوزنا الآن وقائع هذه الحادثة التي أثارت كل هذا الغضب وتوقفنا عند الأسباب التي تجعل العالم الغربي يتجرأ علي الأمة العربية والإسلامية علي هذا النحو وجدنا كل ذلك متركزا حول حقيقة أن معظم الحكومات في العالم الاسلامي حكومات نخب غير شرعية وأن مصالحها تتلاقي إلي حد كبير مع مصالح الدول الكبري وأهمها الولايات المتحدة وتتقاطع مع مصالح شعوبها. فإذا نظرنا علي سبيل المثال إلي بلد كمصر وجدنا أن هذا البلد تحت حكم الرئيس حسني مبارك لا يخضع إلي النظم المتعارف عليها في إدارة الدول، فما الذي يبرر علي سبيل المثال أن يرفض رئيس الجمهورية طوال مدة حكمه أن يعين نائبا لرئيس الجمهورية، وما الذي يبيح لنظام الحكم القائم أن يرفض فتح المجال أمام نظام حزبي حديث؟ وما الذي يبرر أن يضع الدستور قيودا علي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية سوي استهداف وضع العقبات أمام من يقف في طريق توريث الحكم، وما الذي يبرر أن تستمر النخب في هدر الثروات وتغليب مصالحها علي مصالح الشعب بأسره، وما ينطبق علي مصر ينطبق علي السودان وسوريا وليبيا وسائر البلاد العربية التي تحكمها النخب التي تغلب مصالحها علي مصلحــة الشعب. ونحن نعرف أن تحرك الشارع الديني في العالم الإسلامي هو تحرك تفرضه ظروف ثقافية ولا تستطيع السلطة السياسية أن تقف في وجهه ولكن السلطة السياسة تستطيع في كل الأوقات أن تجير مثل هذه الحركات لصالحها بالإيحاء أن موقف الشارع هو تعبير عن الموقف الرسمي وليس ذلك هو الصدق لان الحكومات العربية مستعدة لأن تذهب إلي نهاية الطريق من أجل إرضاء القوي المتنفذة في عالم اليوم دون مقابل، فهي علي استعداد لزيادة ضخ النفط من أجل خفض الأسعار مع أن زيادة الأسعار في صالح شعوبها وهي مستعدة لشراء صفقات سلاح ضخمة من أجل إعادة الزيادة في أسعار النفط إلي الدول التي دفعتها، وهي تضغط علي قوي المقاومة الفلسطينية لكي تعترف بإسرائيل علي الرغم من أن إسرائيل لا تعترف بالوجود الفلسطيني بل وتعتبر الفلسطينيين قنبلة موقوتة علي حدودها، وهي تتستر علي قوي الفساد رغم علمها بما يقومون به ضد المصالح الوطنية، وكانت المفاجأة كبيرة في الأيام الأخيرة عندما أقرت السلطة الفلسطينية أن جزءا من ملفات الفساد يثبت اختلاس سبعمئة مليون دولار من أموال التبرعات، فلماذا سكتت السلطة الفلسطينية كل هذا الوقت عن هذا الفساد ولماذا أعلنته الآن، هل كان ذلك حتي لا تأخذ حماس زمام المبادرة، أم من أجل إخافة المجتمع الدولي حتي لا يقدم لحماس مساعداته المالية، ولماذا تجد حماس نفسها في هذا الموقف مع أنه لو دفعت كل دولة عربية أربعين مليون دولار للسلطة الفلسطينية لكان ذلك معادلا لمبلغ التسعمئة مليون دولار التي يهدد العالم الغربي بقطعها وخلاصة ما نهدف إليه أن الغضب الذي أثارته الرسوم المسيئة للرسول صلي الله عليه وسلم هو تعبير حقيقي ليس فقط عن ضيق المجتمع الاسلامي بطريقة معاملة الدول الغربية للعالم الاسلامي فقط، بل عن ضيق هذا المجتمع بالخنوع الذي يبديه الحكام العرب والمسلمون أمام الدول الأجنبية وذلك من أجل حماية مصالح النخب التي لا تقل شراسة عن الدول الطامعة في العالم الاسلامي، وهذا وضع في تقديري لن يدوم طويلا لأن الشعوب الإسلامية ضاقت بالفقر والمهانة ولم تعد قادرة علي الاستمرار بهذا الأسلوب في ظل حكومات آخر ما تفكر فيه هو مصالح الشعوب.9