عقب العمليات الواسعة الأسبوع الماضي في رام الله، بدأت قنوات الإذاعة والتلفاز في إسرائيل بسلسلة مقابلات مع أعضاء كنيست ونشطاء من اليمين ورؤساء مجالس المستوطنات. فوراً بعد إظهار الحزن على القتلى بث من أجريت معهم المقابلات رسالة واحدة، وهي أن الردع الإسرائيلي تلاشى ومعه أيضاً شعور المستوطنين بالأمن في الضفة الغربية. أيضاً الطلبات التي طرحت كانت متشابهة: قيود على حركة الفلسطينيين، وهدم منازل المخربين، وعقوبات ضد السلطة التي تدفع الرواتب للسجناء من التنظيمات الإرهابية وما شابه. رد صهيوني مناسب على هيئة السماح بالبناء وإعطاء مصادقة قانونية بأثر رجعي للبناء في المستوطنات والبؤر الاستيطانية. الدمج بين الردع والعقاب سيعيد الأمن لمن يسافرون على الشوارع.
بالأساس الطلب الأخير، وسلسلة الطلبات المستمرة على مدى حياة مشروع الاستيطان في المناطق. حكومة نتنياهو متيقظة لضغط المستوطنين ـ تصريحات رئيس الحكومة (ما بقي هو أن نرى إذا كانت ستتحقق) تتطابق مع جزء كبير من طلبات المستوطنين.
عملياً، يصعب تشخيص أي علاقة بين تسريع البناء وتعزيز الردع أو الشعور بالأمن. الغضب على القتلى يتم استغلاله من أجل المطالبة بإيلام الفلسطينيين بواسطة المزيد من البناء في المستوطنات. ولكن لم يتم الإثبات بأن توسيع المستوطنات قد قلص استعداد سكان المناطق للنضال ضد إسرائيل، وربما العكس هو الصحيح.
المطالبات بالعقاب الجماعي لا تستند إلى آراء مهنية لكبار رجال أجهزة الأمن. في خريف 2015 عندما بدأت موجة عمليات الطعن والدهس التي قتل فيها عشرات الإسرائيليين في الضفة والقدس، طرح الجيش والشباك موقفاً موحداً معاكساً. رئيس الأركان غادي آيزنكوت وفي أعقابه رئيس الشباك نداف ارغمان (الذي بدأ ولايته في أيار 2016) أوصيا بتركيز الجهود الوقائية على المخربين ومواصلة الفصل بين الإرهاب والمدنيين والامتناع بقدر الإمكان عن العقاب الجماعي. الظاهرة التي سمت لعدة أشهر «انتفاضة الأفراد» نجحت أخيراً، وإسرائيل لم تعد بحاجة إلى استخدام الوسائل العنيفة التي استخدمت في قمع الانتفاضة الثانية في النصف الأول من العقد الماضي.
رؤساء أجهزة الأمن يعارضون أيضاً وقف التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية. على العكس، هم يعتبرونها ذخراً أمنياً يساعد على استقرار السلطة، لكنه يفيد أيضاً إسرائيل في حربها ضد الإرهاب. رئيس الاستخبارات العسكرية، الجنرال تمير هايمن، كرر هذا الموقف في ظهوره في الكنيست الأسبوع الماضي في ذروة التصعيد الأخير.
أمس، بُحث من أعلى، في أعقاب العمليات الأخيرة، هدم الجيش لبيت مخرب قتل جندياً من وحدة دفدفان، رونين لوفرسكي، عندما ألقى عليه بلاطة رخام أثناء عملية اعتقالات في بداية السنة. المخرب هو ابن عائلة أبو حميد من مخيم الأمعري، اثنان من أخوته شاركا في عمليات قتل في السابق، وتم هدم بيتهما في بداية التسعينيات. في حالته لا يبدو أن الردع قد نجح.
إضافة إلى ذلك، لجنة عينها موشيه يعلون كرئيس للأركان، قررت في 2005 أنه لم يتم إثبات أن سياسة هدم البيوت تردع الإرهاب. هذه السياسة جددت قبل أربع سنوات نتيجة ضغط سياسي. المتحدثون من اليمين يعرضون هدم البيوت كعملية فائدتها واضحة، وهم لا يعتمدون على دلائل حقيقية. يبدو أن هدف الهدم الأساسي الذي توجد مطالبة لتسريعه وتوسيعه، هو إشباع مشاعر الانتقام في أوساط الجمهور الإسرائيلي.
الظروف الآن تختلف عما كانت في موجة 2015، وليس إلى الأفضل. المستوى السياسي يوجد الآن في أجواء ما قبل الانتخابات، وللمرة الأولى لا يوجد لنتنياهو وزير دفاع يمكنه أن يوجه إليه جزءاً من الادعاءات بشأن تدهور الوضع الأمني. حماس التي ما زالت تأمل في التوصل إلى وقف بعيد المدى لإطلاق النار مع إسرائيل بشروطها، تستمر في محاولة إشعال الضفة.
ربما يكون المركب الأهم في المعادلة هو ضعف السلطة الفلسطينية. التأييد الواضح لإدارة ترامب لحكومة نتنياهو دون تفويت شيء ليتفاخر به من أجل أن يكون وسيطاً نزيهاً في العملية السلمية، يضعضع مكانة رئيس السلطة محمود عباس في الضفة. استمرار العمليات وفي أعقابها تجديد خطوات الرد الإسرائيلي يمكنها أيضاً إنهاء التنسيق الأمني بين الطرفين. مع ذلك، كل هذه التطورات لم تتبلور بعد إلى درجة الوصول إلى انتفاضة. من الواضح أن النجاح المحدود للإرهاب وإلى جانبه الشهداء الذين يتحولون إلى أبطال محليين، يستدعي موجة لمحاولة تقليد العمليات. ولكن فحص الأحداث الأخيرة يدل على أن معظمها حدث في رام الله، وهي ترتبط بخلية عسكرية أو خليتين. لا فتح ولا أجهزة الأمن الفلسطينية هم متورطون حتى الآن في العمليات. لا يمكن تشخيص ظاهرة شعبية واسعة هنا. ليس هناك حتى الآن مظاهرات حاشدة، وصحيح أن عدد أحداث رشق الحجارة في الشوارع يزداد، لكنه لا يقترب من أحداث صاخبة في السابق.
السلطة نفسها تدرك الخطر الذي يواجه استقرارها من ازدياد قوة حماس، كما دلل على ذلك القمع العنيف للمظاهرات في الضفة بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس حماس. يبدو أن قرار الحكومة اتباع العقاب الجماعي، كما يطلب اليمين الآن، هو القرار الذي يمكنه أن يزيد تدهور الوضع وإدخال المزيد من المواطنين إلى دائرة الاحتكاك المباشر مع إسرائيل.
الأحداث الأخيرة ستجبر على إجراء فحص ذاتي دقيق من قبل الجيش والشاباك. مرتين خلال أربعة أيام حدثت عمليات إطلاق نار قاتلة في محطات الوقوف في رام الله، ويبدو أن رد الجنود لم يكن مرضياً. هذا يمكن أن يشير إلى فجوة استخبارية، على الأقل، عدد من النشطاء كان يجب أن يكونوا معروفين لقوات الأمن، ويشير أيضاً إلى مستوى الاستعداد لدى القوات. جنود «ناحل» الذين أصيبوا لم يكونوا ينتظرون نقلهم بالسيارات إلى البيت، بل كانوا في مهمة حماية. مع ذلك، مسلح فلسطيني واحد نجح في الإضرار بهم والهرب دون إصابته وهو يحمل معه سلاح أحد الجنود. الأحداث كشفت فجوات في الانضباط العملياتي في الجيش، ليس للمرة الأولى في الفترة الأخيرة.
عاموس هرئيل
هآرتس 16/12/2018