الغضب يتصاعد… وتفكيك شركات الشعب كرة ثلج تتدحرج في وجه السلطة

حسام عبد البصير
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: على مدار الساعات الماضية نزع نواب في البرلمان الجديد رداء الخوف، منددين بسياسة الحكومة في التخلص من شركات القطاع العام، وبات وزير قطاع الأعمال، معزول شعبياً، فيما تشير توقعات الأوساط البرلمانية والعمالية إلى أن الحكومة لن تنجو بفعلتها هذه المرة، حيث الغضب يتواصل جراء عدم الإنصات لصراخ العمالة البائسة، التي تقاوم السيناريو الذي دبر بليل بهدف اجتثاث ما تبقى من جسد القطاع العام. واللافت أن نواباً محسوبين على السلطة، انضموا لقوائم الغاضبين، ومن بينهم النائب مصطفى بكري، الذي تقدم باستجواب ثان ضد هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام هذه المرة، بسبب قرار نقل شركة الدلتا للأسمدة والصناعات الكيميائية من طلخا إلى السويس، بهدف تصفية الشركة وإنهاء وجودها، مضيفًا أنها تعد الشركة المصرية الوحيدة التي تحملت عبء دعم الفلاح بتقديم الأسمدة المدعمة، وذلك بخسائر على الشركة تبلغ 1500 جنيه في الطن الواحد.
وبقدر اهتمام الصحف بالمسار المؤلم لأملاك الشعب من شركات ومصانع، التي تصر الحكومة على التخلص منها تباعاً بسبب ما تتعرض له من خسائر، إلا أن الصحف ذاتها باتت في موقف لا تحسد عليه، بين محاولة إرضاء الأصوات الغاضبة، من غير أن تضبط في الوقت ذاته في خندق واحد مع قوى المعارضة، التي تطالب بالسعي لإصلاح تلك الشركات وعدم التفريط فيها.
ومن تقارير أمس الثلاثاء 19 يناير/كانون الثاني، ناشدت دار الإفتاء المصرية، جميع فئات المجتمع عدم الانسياق وراء دعوات حَدَاثة المصطلحات في عقد الزواج، التي يَكْمُن في طَيَّاتها حُبُّ الظهور والشُّهْرة وزعزعة القيم، ما يُحْدِث البلبلة في المجتمع، ويُؤثِّر سَلْبًا في معنى استقرار الأُسْرة وتَماسكها، وهو ما حَرَص عليه ديننا الحنيف، ورَعْته قوانين الدولة المصرية. وأَكَّدت الدار – في بيانٍ لها تعليقًا على دعوات ما يُسْمَّى إعلاميًّا بـ”زواج التجربة”- أن هذا المسمى الجديد لعقد الزواج، رغم حَدَاثة اسمه فإنه يحمل معاني سلبية دخيلة على قيم المجتمع المصري المتدين. ومن أبرز التقارير أمس الثلاثاء، دار حول أزمة بين البرلمان والوسط الفني بسبب هجوم أحد النواب على الفنانين مؤكداً أنهم” يسعون في الأرض فساداً”. وألقت الصحف كذلك الضوء على الهجوم الذي تعرضت له مجموعة من سيدات المجتمع الراقي في نادي الجزيرة بسبب الحلوى الجنسية التي جرى تقديمها خلال عيد ميلاد إحدى الأعضاء، ما أسفر عن القبض على الطاهية المسؤولة عن إعداد الحلوى، والإفراج عنها بكفالة، ووقف عضوية مجموعة من سيدات النادي لحين الانتهاء من التحقيق معهن بمعرفة الجهات المختصة.
سيظل ضعيفاً

الحكومة لم تعد تخشى البرلمان ولا تهتم بالإعلام.. حقيقة توصل إليها محمد أمين في “المصري اليوم”: “كانت الحكومة زمان ترتعد من البرلمان وتخشى أدواته، وكانت تنزعج من الإعلام في غياب البرلمان، لأنه كان يملك أن يحاسب الحكومة ويسائلها.. الآن لم تعد تخشى البرلمان، ولا تهتم بالإعلام ولا تشاركه في إصدار القرارات.. فقد تسللت إلى البرلمان بطريقة أو بأخرى، وتسللت أيضاً إلى الإعلام ومارست عليه ضغوطاً وحاصرته بمنع الإعلانات حتى فقد تأثيره، وربما فقد آليات وأسباب بقائه. عندما استدعى مجلس النواب الحكومة قلت هذا «يوم الحساب»، فإذا به «يوم الإنجازات». وقف رئيس الوزراء ليقدم كشفاً بالإنجازات، وصفق النواب للحكومة.. وكنت أتخيل أنه يوم سوف يحقق فيه المجلس في تصفية شركة الحديد والصلب، أو يحقق في استجواب الوظائف في مصر، أو القطار الكهربائي أو وفيات كورونا أو اللقاح الصيني.. وكلها موضوعات تصلح للمساءلة والاستجواب، ولم يحدث شيء من هذا، والعكس هو ما حدث. الذي ينقذ الحكومة أحد اثنين إما البرلمان وإما الإعلام.. ولا بد أن تكون بينهما علاقة ود واحترام وتعاون رسمي، ولابد لكل وزير في الحكومة أن يتعلم مواجهة البرلمان وحضور جلساته، والرد على استفساراته وطلباته، ولا بد أن يتدرب قبل الوزارة على احترام الإعلام والتعاون معه، وأن يكون جزءاً من اهتمامه.. وأن يكون محركاً لقراراته الشعبية.. فلو أن الحكومة اعتمدت على الإعلام في قراراتها لما وقعنا في فخ الشائعات، ولما وقعنا في هيستيريا الهجوم على القرارات.. وآخرها القطار الكهربائي.. ولكن معظم الوزراء عديمو الخبرة بحضور البرلمان، والتعامل مع الإعلام فكانت الأزمة”.

دولة صفوت ومبارك

أزاح طارق الشناوي الستار حول ما له علاقة بوزير الإعلام الراحل صفوت الشريف مؤكداً في “المصري اليوم”، على أن الهدف الأسمى الذي شغل بال صفوت الشريف ليل نهار هو أن يرضى عنه الرئيس، وفي كل عيد للإعلاميين يذكر له رقمًا، وهو قطعًا حقيقي، يؤكد من خلاله أن ساعات البث تضاعفت 100 مرة عن زمن السادات.. طبعًا لم يسأله الرئيس عن قوة التأثير، كانوا يطلبون أحيانًا من النجوم الذهاب للمدينة، رغم أنهم انتهوا من تصوير أعمالهم، لأن الرئيس حسني مبارك بصدد الذهاب للزيارة، ولاحظ أحمد زكي أن لديه (أوردر) للمدينة، وسأل المخرج متعجبًا: (انتهيت من التصوير أمس)؟ أجابه: (مبارك ح يزور المدينة)، فقال أحمد: (أنا مش قرد في حديقة الحيوانات). لم تكن الدولة كلها خاضعة للوزير، مثلا المشير أبوغزالة في عام 83 اعترض على استمرار عرض مسلسل “صاحب الجلالة الحب”، الفيلم يتناول حرب 48، ولكن الجمهور شعر بأنه يُسقط الأحداث على هزيمة 67، فطلب أبوغزالة إيقاف العرض.. وبالفعل، الحلقات الثلاث الأخيرة أدمجت في حلقة واحدة، ومنعت الدولة تصدير الأشرطة للخارج، المشير أبوغزالة في تلك السنوات كان في أوج قوته ويستطيع فرض رأيه، فكيف يتصدى للموظفين. ما الذي فعله الشاعر الكبير سيد حجاب عندما اعترض صفوت الشريف على شطر شعري كتبه في أوبريت من تلحين أشرف محروس؟ حضر صفوت البروفة النهائية قبل افتتاح مهرجان (القاهرة للإذاعة والتلفزيون) بأربع وعشرين ساعة فقط، وبحضور الإعلامي حسن حامد رئيس القنوات المتخصصة، استوقف صفوت أربع كلمات (عايزين إعلام بحق وحقيق)، فقال: (أول مرة أعرف أن إحنا ماعندناش إعلام بحق وحقيق يا حسن)، فقال له حسن: (ح تتغير بكرة) واستدعى حسن حامد المخرج المنفذ للعرض سيد فؤاد، المشرف الحالي على قناة نايل سينما، الذي تواصل مع حجاب، فقال له «خد بكرة شريط الصوت الجديد»، واستمع الناس إلى المجموعة تردد: (أهو ده الإعلام بحق وحقيق).

اتقوا الله

“البينة على من ادعى فلا يجوز اتهام الغير بدون دليل أو بينة، وإلا انقلبت الحياة إلى فوضى وربما مذابح.. تابع خالد حسن في “الوفد”: “هذا هو الأساس الذي بنيت من أجله المحاكم وشيدت صروحها.. وفي الحديث الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يُعطى الناس بدعواهم، لادّعى رجالٌ أموال قوم ودماءهم، لكن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر) حديث حسن رواه البيهقي. لقد استفزني منشور شقيق الموسيقار الراحل عمر خورشيد الأخ الأصغر لعمر من والده مدير التصوير الكبير أحمد خورشيد، أعلن إيهاب عبر حسابه الشخصي على موقع فيسبوك، أن الأسرة تستقبل العزاء في عمر بعد مرور 40 عامًا على حادث الوفاة، اليوم السبت في بيته. وهو تاريخ إعلان وفاة صفوت الشريف، ملمحا فيه إلى تورط الشريف وزير إعلام نظام مبارك، في قتل شقيقه، حيث كان من رجال المخابرات في عهد السادات ولا أرى في المنشور إلا تلميحات غير عادلة وبدون بينة على ارتكاب الشريف للقتل، إن كان حادث قتل في الأساس. بداية لست من مؤيدي نظام مبارك، بل كنت مع محاكمته وصفوت الشريف أحد أعمدة النظام على فساد هذا النظام.. ولكن من منطلق مبدأ البينة على الادعاء، أرفض ما شهدت به أمام الكاميرات المنتجة والفنانة اعتماد خورشيد زوجة أحمد خورشيد من اتهامات لصفوت الشريف، بأنه من قتل عمر خورشيد، وكذلك الفنانة سعاد حسني، حيث لا يوجد لتلك الاتهامات دليل وذكر في التحقيقات. حادث مصرع عمر خورشيد عام 1981 كان حادث سير بالسيارة في الهرم، ومرّت السنوات وقامت ثورة يناير/كانون الثاني، وتم الزج بنظام مبارك إلى السجون، ومن بينهم صفوت الشريف.. فلماذا لم يتم فتح هذا الملف لو كان الحادث حقيقياً كما ادعت اعتماد خورشيد”.

فليهاجروا إليها

بثت قناة “العربية” السعودية فيلماً دعائياً من إنتاج أمريكي يمجّد جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)، ويصوّره على أنه أقوى وأخطر جهاز في العالم، حتى أن الأمريكيين ـ أنفسهم – يطلبون المساعدة من رجال المخابرات الإسرائيلية، باعتبار أنهم “أولاد العم”. أشار طايع الديب في “المشهد” إلى أن الفيلم اسمه “عملية الإخوة”، وهو جزء من سلسلة وثائقية مُنتجة عام 2018 تحت عنوان “حروب الجواسيس”، ومأخوذ عن كتاب العميل الإسرائيلي جاد شيمرون، الذي قاد عملية نقل وتهريب اليهود الإثيوبيين، وكشف عن تفاصيل العملية في كتابه “خروج الموساد: عملية الإنقاذ الجريئة للقبيلة اليهودية المفقودة”، المنشور في تل أبيب ولندن عام 1997. دارت تلك “عملية الإخوة” بين عامي 1981 و1982، وبدأت إسرائيل خلالها بمعرفة “الموساد” تهريب 7 آلاف من يهود “الفلاشا” المعروفين في الأدبيات اليهودية باسم “قبيلة بني إسرائيل المفقودة”. تم نقل هؤلاء من إقليم تيغراي، إلى الساحل السوداني على البحر الأحمر، بعد تقديم رشاوى مالية كبيرة عن طريق الأمريكيين إلى الرئيس السوادني الأسبق جعفر نميري، وبعض كبار معاونيه، لكي يغضوا الطرف عن عملية النقل. وليس من جديد في الفيلم، لكن الجديد هو الاتجاه السائد في الدوائر السياسية الحاكمة في الخليج العربي منذ فترة، الذي يظهر في الإعلام الخليجي حالياً، حيث يجري العمل على اعتبار “دولة إسرائيل” المقامة على أراضٍ عربية بالكامل، هي مجرد وطن يضم عدداً من أبناء العم اليهود، الذين سيسهمون في نهضة العالم العربي المتعثر، وحمايته من الخطر الداهم المتمثل في إيران.

تجميل الموساد

تابع طايع الديب كلامه: “يُظهر الفيلم عملاء المخابرات الإسرائيليين أبطالا، يبحثون لم شمل “قبيلة إسرائيل المفقودة” للعودة بهم إلى عاصمة اليهود، وهي القدس وليس تل أبيب، كما يؤكد الفيلم. ويجري تصوير رجال ونساء “الموساد” المشاركين في العملية المخابراتية على أنهم ملائكة، لا يقومون بمهمة وطنية ودينية وإنسانية فقط، بل هم يعزفون أثناء ذلك على الكمان! لقد كان المسلسل الكويتي “أم هارون” عن الممرضة اليهودية التي عملت في مستشفيات الكويت والبحرين خلال الأربعينيات من القرن الماضي، جزءاً من مسعى جديد في الخليج العربي لإرساء سياسية “التعايش” مع اليهود. كما أن الفيلم الوثائقي “عملية الإخوة” يأتي أيضاً في هذا السياق، ناهيك من تدابير أخرى مثل الدفع للممثل محمد رمضان لكي يظهر مع المطرب الإسرائيلي المعروف عومير آدم. وما زالت في جراب “التعايش مع إسرائيل” أشياء سحرية أخرى ستظهر في حينها، على امتداد الجغرافيا الجيوسياسية من الخليج إلى المحيط، حيث تعمل المملكة المغربية حثيثاً من أجل التطبيع، ويُضرب باليهود المغاربة المثل في ذلك التعايش المزعوم، مع أنهم يشكلون ما نسبته 86% من أعضاء الأحزاب والجماعات السياسية المتطرفة، المعادية للعرب، في إسرائيل. ومن المؤسف أن بعض أعراب اليوم لا يريد فقط تحقيق التطبيع مع إسرائيل بتعليمات من واشنطن، وبتأثير من العدوانية الإيرانية المتصاعدة تجاه الإقليم برمته، بل إن هؤلاء الأعراب يسعون إلى تعديل كتب التاريخ والأنساب، حتى يمكن اعتبار بني إسرائيل هم القبيلة العربية المفقودة”.

أزمة أخلاق

استنكر الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، تصريحات النائب رياض عبد الستار عضو مجلس النواب، الذي قال فيها، حسب ما نقلته صحيفة “الوطن”: إن الفنانين يسعون في الأرض فسادًا، حيث ذكر أنه لم يكن مجال الجلسة في البرلمان، عن تقييم الفنون تحت القبة، بل كان مجال الحديث عن صندوق أسر الشهداء والتبرع له، ولم يكن هناك مجال لتقييم الفن، سواء راقيا أم هابطا. وأضاف زكي، أنه يجب على النائب أن يعتذر اعتذار واضحًا وصريحًا لفناني مصر، أو لا يعتذر، فهو صاحب قرار، «النهاردة نحتفل بذكرى فاتن حمامة، فتُسب فاتن حمامة، وتُسب أجيال من الفنانين، فإما اعتذار واضح من النائب أو خصومة». وأشار نقيب المهن التمثيلية، إلى أنه رفع الأمر لرئيس مجلس النواب المستشار حنفي جبالي، مؤكدًا على أن الاعتذار الذي كتبه النائب بخط يده مرفوض، «مكتوب فيه إنه يعتذر عن سوء الفهم وأنه لا يقصد العمومية، مع أن الجلسة مش بصدد تقييم الفن، لازم اعتذار واضح وصريح»، حيث أن الفنانين وصلت لهم رسائل من كل الدول العربية عن كيفية تقبل الإهانة. وتابع أشرف زكي «ده إحنا طلعنا في الانتخابات سواء مجلس نواب أو شيوخ، وباركنا على السوشيال ميديا، وكل الفنانين عملوا كده، تصريحات النائب مرفوضة شكلًا وموضوعًا». فيما رد عليه النائب رياض عبد الستار، لن أعتذر عن أداء فني هابط دمر المجتمع المصري، “لن أعتذر عن كل الأفلام والأداء الذي لا يحترم أخلاقياتنا كشرقيين”. وأوضح عبد الستار، أن الاعتذار من شيم الكرام، وهو يعتذر عن اللبس الذي حدث وساء فهمه من البعض، «أنا أعتذر فقط للشرفاء من الفنانين الذين يقدمون الفن الهادف»، فيما انفعل نقيب المهن التثميلية قائلًا: «إحنا معندناش فنانين مش شرفاء يا سيادة النائب، أنا لا أقبل إهانة زملائي، زملاؤنا فنانون مبدعون مصر، غير شرفاء دي تبقى بحكم محكمة».

خصخصة أم «بصبصة»؟

قبل أكثر من 30 عاما والكلام لطلعت إسماعيل في “الشروق” شهد أحد الفنادق الكبرى في القاهرة، وبدعوة من مركز دراسات الوحدة العربية، والصندوق الاجتماعي للإنماء الاقتصادي الاجتماعي، ندوة حملت عنوان «القطاع العام والخاص في الوطن العربي». الندوة التي حضرها عشرات المفكرين والباحثين الاقتصاديين المصريين والعرب، تناولوا بالبحث والتحليل، والنقاش الجاد، اتفاقا واختلافا، مستقبل شركات القطاع العام، في ظل حديث متصاعد، وقتها، عن عمليات «الخصخصة» التي ستزحف في السنوات التالية إلى الصروح ذات الملكية العامة، خاصة عندنا في مصر. يومها، طالب الكاتب محمد حسنين هيكل، الذي كان وسط الحضور بالبحث عن مصطلح آخر غير «الخصخصة»، للدلالة على التحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص.. وقال هيكل ضاحكا إنه يشعر بأن كلمة «خصخصة» تتشابه مع كلمة «بصبصة». يتذكر طلعت اليوم كلمات هيكل والعديد من القامات المصرية الكبرى أمثال الدكتور عزيز صدقي، أبو الصناعة المصرية، وإسماعيل صبري عبدالله، ومحمود الإمام، وإبراهيم سعدالدين الخبير الاقتصادي في منتدى العالم الثالث، رحمة الله عليهم جميعا، وقد تناولوا بالشرح مخاطر التحول غير المدروس من الاعتماد على القطاع العام في عملية التنمية، إلى القطاع الخاص، من دون إنكار لأهمية إعطاء الفرصة للقطاع الخاص الجاد للمساهمة في تلك العملية. لم يكن مطروحا وقتها، ولا في خاطر المشاركين في تلك الندوة الحديث عن تخلي مصر عن صروحها الوطنية الكبرى، مثل الصناعات الثقيلة، ولا عشرات الشركات العاملة في الغزل والنسيج والإسمنت والمواد الكيميائية وغيرها، كما لم يكن أحد يتخيل أن «الخصخصة» التي سخر منها الأستاذ هيكل، تحولت إلى كلمة «تصفية» بالفم الملآن، وبلا أي مواربة للتعبير الصريح عن تخلي الحكومة عن قلعة الحديد والصلب في حلوان، التي خدمت الدولة المصرية منذ تأسيسها عام 1954.

سكين للضحية

نبقى مع طلعت إسماعيل، إذ يرى أنه بعد قرار الجمعية العامة غير العادية لشركة الحديد والصلب في 11 يناير/كانون الثاني الجاري، برئاسة المهندس محمد السعداوي رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية تصفية الشركة، تصاعد الحديث عن الخسائر التي تتعرض لها الشركة، التي لم ينظر إليها بعين العطف على مدى 20 عاما على الأقل، ولم تحظَ بفرصة حقيقية وجادة لإصلاح يجنبها الذبح بسكين التصفية. وقبل يومين خرجت علينا لجنة الصناعة في البرلمان الجديد، برئاسة النائب معتز محمود، ببيان قالت فيه إن «مسألة تصفية شركة الحديد والصلب يجب أن لا تخضع للأحكام المتسرعة بشأنها، وأنه لا يمكن حلها أو طرح سيناريو نهائي بشأنها بناء على العواطف». وبدلا من أن تدعو الحكومة إلى عدم التسرع في تنفيذ قرار التصفية، أو مراجعته، وجدنا اللجنة تُضمن بيانها حزمة من الأرقام التي تبرر بها وزارة قطاع الأعمال العام قرار التصفية، وكأن اللجنة لسان للحكومة. شركة بحجم الحديد والصلب «دورا وقيمة» يجب أن لا نصحو من النوم فنجد عنابرها، وأفرانها، وأنفاس عمالها الـ7500، وقد تبخروا في الهواء، لتصبح الشركة أثرا بعد عين، بدلا من وضع خطة تطوير وإنقاذ، أعتقد أنها لن تكون من مستحيلات الدنيا السبع.

رائحة مشبوهة

أكد حازم منير في “الوطن” أن قرار تصفية وبيع شركة الحديد والصلب يتعارض تماماً، بل يتناقض جذرياً مع سياسات الدولة للنهوض بخطة تنمية الصناعة الوطنية. ولا يجدي حديث آراء أكبر أو أصغر استشاري في العالم عن الشركة بأنه لا بديل عن التصفية والبيع، لكن في الحقيقة حديث بيع المصنع واستغلال أرضه في إقامة مدن سكنية هو ما يحتاج للنظر. لا تنمية في العالم من دون صناعات ثقيلة، والكلام عن تصفية الحديد والصلب، متواكب معه كلام عن صناعة الألومنيوم أيضاً، يثير شهوة التساؤلات عن المغزى الحقيقي لما يجري، وهل هناك التزام بخطة التنمية المطلوبة؟ وقبل كل ذلك ما دور وزير قطاع الأعمال العام؟ وهل مهمته الأساسية البحث عن مبررات للتصفية والبيع، والتخلص من المشروعات الكبرى القائمة؟ صناعة الحديد والصلب الأساس الذي تقوم على أكتافه وتنهض بوجوده عشرات الصناعات الأخرى، وتمثل تصفية المصنع الحكومي في هذا المجال كسراً لرأس رمح الصناعات الوطنية الثقيلة، وإضعافاً لدور الدولة في الاستثمار بالقطاع الصناعى، ولا تجدى هنا أحاديث عن صناعات متوسطة أو خفيفة، فمن دون الصناعات الثقيلة سنلجأ لاستيراد احتياجاتنا من الخارج، بما يمثله ذلك من معانٍ باستنزاف عملات صعبة، ورفع فاتورة الاستيراد، وزيادة تكلفة العملية الإنتاجية، ورفع أسعار المنتجات على المستهلكين، فضلاً عن تأثير ذلك القرار في خطط استعادة صناعات وطنية أخرى، كان مخططاً لها أن تتم، ولا أدري كيف ستتم بعد هذا القرار، كما لا أظن أن الاعتماد على القطاع الخاص، ذي الإنتاج المحدد في مسميات بعينها، كفيل بتلبية الاحتياجات المطلوبة لتنمية باقي القطاعات الصناعية في البلاد، والمسألة ليست بأرقام الميزانيات، ولا بحجم الإنتاج في السوق، إنما بالدور الاستراتيجي المطلوب. من دون الصناعات الثقيلة لا مجال للحديث عن خطط تنمية مستقرة.

رغماً عنا

الاجتماع الوزاري الرباعي في القاهرة في الحادي عشر من هذا الشهر، الذي ضمّ كلا من مصر والأردن وفرنسا وألمانيا جاء على حد رأي ناصيف حتي وزير الخارجة اللبناني الأسبق في “الشروق” ثمرة للمشاورات الكثيفة بين هذه الدول، منذ فترة، ولما لهذه الأطراف من دور ووزن على الأصعدة الإقليمية والدولية، ولمصلحة الاستقرار الشرق أوسطي والمتوسط، فقد جاء ليؤكد على ضرورة العودة إلى المحادثات التي تهيئ للمفاوضات لاحقا، على أساس حل الدولتين وعلى أساس قرارات مجلس الأمن ذات الصلة والمرجعيات المعروفة. التغيير في الإدارة الأمريكية أمر مسهّل ولكنه غير كاف. هنالك العديد من التحديات أمام دبلوماسية السلام التي تحملها الرباعية؛ تحديات كبيرة، ولكنها ليست مستحيلة، منها الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في مارس، وهيمنة اليمين المتشدد، بشقيه الديني والعلماني، الرافض للسلام رغم الخلافات التي تعصف بين أطرافه، وأهمية ترتيب الجسم السياسي الفلسطيني مع الانتخابات التشريعية والوطنية والرئاسية، وإعادة إحياء دور الرباعية الدولية (الولايات المتحدة الأمريكية، الاتحاد الأوروبي، روسيا والأمم المتحدة) بشكل أو بآخر لتدعم وتعزز دور الرباعية العربية الأوروبية. وأضاف الكاتب: أن دروس الأمس القريب والبعيد تدل على أن مراهم التسويات المرحلية وسياسات التسويف والتجاهل، لن تؤدي إلا إلى مزيد من التعقيدات. وحدها التسوية الشاملة والعادلة والدائمة للقضية الفلسطينية التي تنبثق في نهاية المطاف عن مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة قادرة على أن تساهم في إرساء الاستقرار الإقليمي. إن نجاح المسار الدبلوماسي الذي يطلقه الرباعي العربي الأوروبي من القاهرة، أمامه الكثير من المصاعب والمعوقات، ولكنه ليس بالمستحيل، إذا ما أدركت الأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة، أن البديل عن ذلك هو المزيد من الانهيار والفوضى والصراعات المختلفة التي تغذي بأشكال مختلفة وتتغذى على استمرار هذا الصراع.

ثورة أطفال

نتوجه نحو تونس الشقيقة بصحبة الدكتور محمود خليل في “الوطن”، حيث يرى أنه على مدار عدة سنوات، كان الشباب هم الأكثر تحركاً في شوارع تونس، لكنهم بدأوا في الانسحاب رويداً رويداً مدفوعين في ذلك باليأس أو التعب، ليحل محلهم الأطفال ممن تقل أعمارهم عن 18 عاماً. لا نستطيع القول إن الأطفال يتحركون بوعي سياسي أو اجتماعي وخلافه. إنهم يتحركون بأوجاع الكبار. يسمعون ما يردده الآباء والأمهات عن تردي أوضاع الحياة والمعيشة وحالة اليأس التي ينظرون بها إلى المستقبل، فينتقل إليهم «إحساس الغضب» بالعدوى. ويترجمون غضبهم – عكس الكبار- إلى حركة في الشارع. يفتقد الأطفال إلى المعرفة، لكنهم يتمتعون بالجرأة، عكس الكبار الذين قد يكون لديهم المعرفة، لكنهم أقل اندفاعاً. وأضاف الكاتب: التشوش جرأة والمعرفة مجبنة. الطفل أكثر جرأة من الشاب، والشاب أكثر اندفاعاً من الرجل الناضج. والأصل في الأشياء المعرفة والتجربة. البناء المعرفي للطفل لا يفرق بين الخيالي والواقعي، لذا يمتلك جرأة تفوق الشاب، والشباب اندفاع وطاقة كبرى لا تعرف التريث أو الحسابات، لذا فهو أكثر جرأة من الكبار، أما الكبار الذين عرفوا وجربوا وتراكمت في داخلهم صورة متكاملة عن الواقع الذي يعيشون فيه فأكثر جبناً وميلاً إلى الانسحاب. ويرى الكاتب أن الجيل الجديد من الأطفال الذين تتهمهم داخلية تونس بالمشاركة في مظاهرات السبت الماضي الليلية، وكذا أترابهم في الدول العربية، سيلعب دوراً مهماً في تشكيل صورة المستقبل العربي.

بؤساء الدهر

تحتاج الحياة المصرية بماضيها الحافل بالإشارات والأحداث إلى إلقاء الضوء عليها، والعودة إلى تأملها ودراستها، على أن يكون ذلك وفقاً لرأي أحمد إبراهيم الشريف في “اليوم السابع” بعيدا عن التاريخ الرسمي، بل في الخوض في حياتنا الاجتماعية على مرّ العصور، لأن ذلك سوف يشرح لنا الكثير من الشخصية المصرية. وعلى مدى سنوات كنا نشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي صورة بائسة يظهر فيها رجل فقير جدا وإلى جانبه تنتصب مومياء، ويكون التعليق عادة، أن هذا نوع من بيع المومياوات القديمة، حيث كانت الأمور معروضة في الشوارع للتجارة المعلنة، إضافة إلى أن هناك حكايات كثيرة عن تهريب لمومياوات يقال إنها كانت تستخدم في أفكار لها علاقة بطقوس معينة، وكان البعض يرون أن لها قدرات سحرية، وأمور أخرى لا يعلمها إلا الله، كان ذلك يحدث بينما يطلق الناس عليهم “المساخيط” ربما للهيئة التي عليها المومياء بسبب تأثيرات الزمن. ما أريد قوله من ذلك أن موضوع المومياوات قديم جدا، والحديث فيه لن يأتي بجديد، لأن هناك فريقين، الأول يرى أن عرضها حرام، والواجب دفنها، والثاني يرى أن عرضها ليس فيه أي تجاوز على حرمة الموت، لأنها لا تتعرض لأي إساءة، بل تظهر في شكل حضاري كدليل على حضارة قوية استطاعت أن تؤمن بأفكار تجعلها تحافظ على أجساد أبنائها قدر المستطاع. الموضوع له علاقة بتراكم الثقافات، ولا يمكن القطع فيه برأي واحد، وفي مثل هذه الأمور فإقناع أي من الطرفين برأي الآخر، لن يجدي نفعا، لأن كلا منهما معتمد على أسس، وبالتالي فإن قضية عرض المومياوات من الأفضل التعامل معها بمنطق ما هو كائن، أي أننا اعتدنا منذ فترة عرض المومياوات في قاعة كبرى في المتحف المصري في التحرير، وسيتم نقلها إلى متحف الحضارة قريبا، ويحدث ذلك بدون أي إهانة أو تقليل أو غير ذلك، وذلك لا ضرر فيه.
رغم كورونا

أشاد عبد المحسن سلامة في “الأهرام” بنجاح فريق طبي في مستشفى بئر العبد المركزي النموذجي في شمال سيناء في إجراء جراحة عاجلة وخطيرة لمريضة تبلغ من العمر 60 عاما، ومصابة بفيروس كورونا المستجد، واستبدال مفصل الحوض بمفصل إسمنتي كامل ثلاثي الأقطاب، بعد أن كانت تعاني هشاشة في العظام، وكسرا في عنق عظم الفخذ اليمنى قصة تبعث على الأمل، وتؤكد جدارة الأطقم الطبية المصرية. الكتيبة الطبية الرائعة ضمت، طبقا للتقرير الصحافي المتميز للزميل صالح العلاقمي مندوب الأخبار في شمال سيناء، كلا من الدكتور محمد سلامة، مدرس واستشاري جراحة العظام في قصر العيني، والدكتور محمود الوكيل، استشارى التخدير في قصر العيني، والدكتور علي العوضي، أخصائي جراحة العظام في مستشفى بئر العبد المركزي، ووائل سلمى، فني العظام في مستشفى بئر العبد. هذه الكتيبة هي التي تحملت المخاطر، وقامت بإجراء الجراحة الطبية للمريضة المصابة بكورونا، ولهذا أتمنى أن تقوم الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة، واللواء محمد عبدالفضيل شوشة، محافظ شمال سيناء، بتكريم هذه «الكتيبة الطبية» الرائعة، التي قدمت أروع الأمثلة في إنقاذ حياة المرضى، وتخفيف آلامهم، رغم أنف كورونا. المؤشر الأهم، في رأيي، لما حدث في مستشفى بئر العبد، أن تلك المنطقة، التي عانت ويلات الإرهاب فترة طويلة، عادت إليها الحياة الآن مرة أخرى، مثل بقية مناطق شمال سيناء، وتسير في طبيعتها المعتادة، بعد أن نجحت الدولة في كسر شوكة الإرهاب، واجتثاث جذوره، وتجفيف منابعه من تلك المناطق.. وغيرها.

سنستريح حتماً

يبدو أشرف العشري، كما أوضح في “الأهرام” متفائلاً في المستقبل المنظور: “أقل من ساعات معدودة تفصلنا عن نهاية مأساة أربع سنوات دراما تكبدتها الولايات المتحدة والعالم، وكان لنا في الإقليم العربي منها نصيب وفير من شطحات المزاج العنيف الحاد والهادر في بعض الأوقات، تلك السنوات التي كان أبلغ وصف لها ما جاء في اليومين الماضيين من قبل الرئيس المنتخب جو بايدن الذي سيتم تنصيبه سيد البيت الأبيض. بأنها كانت الأسوأ على الإطلاق لكل ما شاهدته بلاده منذ 250 عاما، وحتى الآن فضلا عن أن البعض من قيادات الكونغرس من الجمهوريين حزب السيد ترامب رفع الصوت الصاخب، وقال لقد قوض ترامب كل ما أنجزته أمريكا في المئة عام الأخيرة لقد تم القضاء على هذا الإرث للأسف، لقد ذهب وعلينا أن نبدأ من الصفر. بالفعل سنوات مريرة عاشتها الولايات المتحدة، كانت اقرب إلى سنوات وأسابيع الجمر، نتاج هذا المزاج المنفلت بفعل محركات تشغيل التوتر وإشعال جذوة الصراعات والتحدي وإمعان دوامات الانتقام في بعض مناطق العالم، الذي تجلى في أبلغ صورة داخل بلاده في آخر أيام حكمه. عندما قام بدور المحرض لفصيل من أنصاره باقتحام مبنى الكونغرس فوقعت الكارثة التي ضربت الديمقراطية الغربية في مقتل فاستحق بغباء سياسي معهود تجرع مرارة كأس العزل، والمحاكمة طيلة الأسبوعين الماضيين، ليعيش أسوأ كوابيس حياته الشخصية.. وبالتالي مع أفول نهاية صانع المفاجآت غير المعهودة في البيت الأبيض، ورجل تجاوز الخطوط الحمر وانتظار العالم الميل الأخير لطى صفحة هذا الرجل. آن للعالم أن يستريح ويعتمد زمن الهدنة لفترات طويلة ويتنفس الصعداء. ويبدأ في الإعداد التدريجى للعودة للحياة الطبيعية من دون مناكفات ومفاجآت والتوقف نهائيا عن احتباس الأنفاس الملتاعة، حيث أن شمسا جديدة من بعض التفاؤل والأمان وسحابات الطمأنينة قد تسطع من جديد في بعض مناطق العالم”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية