القاهرة ـ «القدس العربي»: “سنحرر فلسطين، وستحررنا، يا نتنياهو أين ستختبئ، نتهمك باقتراف جريمة الإبادة”.. ليست كلاما لزعيم عربي، ولا أي من رموز المعارضة في بلاد العرب والمسلمين، لكنها لجيل ستاين مرشحة الرئاسة الأمريكية التي نددت بقتل وإصابة قرابة مئتي ألف فلسطيني عزل بسلاح أمريكي ووقوف العالم يتفرج لمشاهد الإبادة التي يتعرض لها مليوني فلسطيني خذلهم الجميع. ومن جانبه دعا مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين، إلى أن يكون صوت الساسة ورجال الدين والمفكرين عاليا أمام ما يحدث من استباحة للمسجد الأقصى المبارك، والأبرياء المرابطين فوق كل ذرة من تراب فلسطين الطاهر، وهم يعانون القتل والتشريد والإبادة، على مرأى ومسمع من العالم كله. وأضاف خلال كلمته أمام مؤتمر الإفتاء الدولي التاسع “الفتوى والبناء الأخلاقي في عالم متسارع”، الذي انطلق برعاية الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء العالمية التابعة لدار الإفتاء المصرية، أن الفلسطينيين القابضين على الجمر، يحرسون المسجد الأقصى وأرض الآباء والأجداد، والرسالات، والإسراء والمعراج، وهي الأرض التي تنطلق منها آهات الشعب الذي عانى – وما زال يعاني- من القتل والتشريد والتدمير. يأتي ذلك ونحن أمة السلام، وقد جاء نبينا عليه الصلاة والسلام متمما لمكارم الأخلاق، وقد اتَّفقت الإنسانية على قيم الأخلاق، لكنها فضيلة غائبة في وقت يظلم الإنسان فيه أخاه الإنسان، وأكد أن عالمنا غلبت عليه القسوة وذهبت حقوق الإنسان جراء الحيف والميل عن الأخلاق بعيدا عن المبادئ السليمة التي تحافظ على الإنسان وكرامته.
التقى الفريق أول عبد المجيد صقر، القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، عددا من رجال الجيش الثالث الميداني، وقوات شرق القناة لمكافحة الإرهاب، بحضور الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وعدد من كبار قادة القوات المسلحة. يأتي الاجتماع في إطار سلسلة اللقاءات الدورية التي تنفذها القيادة العامة للقوات المسلحة لمتابعة مدى جاهزية القوات المسلحة، وجهودها في حماية الأمن القومي المصري. وألقى اللواء أركان حرب هشام شندي، قائد الجيش الثالث الميداني، كلمة أشار فيها إلى حرص رجال الجيش الثالث الميداني على الارتقاء لأعلى درجات الكفاءة القتالية، والحفاظ على الأسلحة والمعدات ليكونوا قادرين على تنفيذ المهام التي توكل إليهم في الدفاع عن أمن الوطن وسلامة أراضيه. ونفى مصدر مسؤول في وزارة التربية والتعليم ما يتمّ تداوله على صفحات الغش «شاومينج» بشأن تعديل نتيجة الثانوية العامة 2024 برقم الجلوس للطلاب بمقابل مادي يُقدر بـ20 ألف جنيه للمادة، مع تعديل بعض المواد للطلاب من داخل كنترولات الثانوية العامة وقبل اعتمادها وظهورها. وأوضح المصدر أن ما يتمّ تداوله نصب واحتيال على الطلاب، مشددا على استحالة التلاعب في نتيجة الثانوية العامة مشددا على أن الكنترولات مؤمنة تماما.
مجبرة لا بطلة
كان اختيار خليفة بايدن إجباريا، دون رهانات كبرى على قدراتها بالنظر إلى حضورها الباهت في ظل بايدن. المفاجأة الحقيقية حسب عبد الله السناوي في “الشروق”، أنها أعادت اكتشاف نفسها عندما أخذت تتحرك كرئيسة محتملة لأكبر قوة دولية. بدت أكثر ثقة في قدرتها على إلحاق الهزيمة بترامب، الذي يمثل هاجسا مقيما في أوساط الحزب الديمقراطي، أن يعود مجددا إلى البيت الأبيض. بدا السؤال مقلقا وملحا: هل بوسعها أن توقف زحفه؟ بأسرع من أي توقع أخذت السمت الرئاسي، وامتطت موجة الرهان الاضطراري عليها. تحدثت كمدعية عامة سابقة عن الرئيس السابق كمجرم ثبتت بحقه اتهامات مخلة بالشرفين الشخصي والسياسي. كان ذلك بحد ذاته داعيا إلى ضخ الحماس في حملة ديمقراطية باهتة، لوقف صعود ترامب، خاصة في أوساط الشباب والأجيال الجديدة. بنزعتها اليسارية مثلت نقيضا متماسكا لخيارات وسياسات ترامب. بصورة قياسية تدفقت الأموال في خزينة الحملة الانتخابية في اليوم الأول لطرح اسمها. كان دعم بايدن داعيا جوهريا في قطع الطريق أمام الذين حاولوا منازعتها على الترشح باسم الديمقراطيين بالانتخابات الرئاسية المقبلة. تبارت رموز الديمقراطيين وقيادات أوروبية ودولية في الإشادة المفرطة ببايدن، ووصف فترة ولايته بـ«الاستثنائية». بالمفارقة فإن أغلبهم دعوا، أو تمنوا خروجه من السباق الانتخابي خشية خسارته على خلفية حالته الصحية والإدراكية. لدواعٍ انتخابية استهدف المديح الزائد الحفاظ على وحدة الحزب أمام دعايات ترامب، الذي دأب على وصفه بأنه أسوأ من تولى المنصب الرئاسي، قبل أن يلحق السوء نفسه بنائبته هاريس. على بعد مئة يوم من الانتخابات الرئاسية الأمريكية فإن كل شيء محتمل ووارد. لم تعد الانتخابات محسومة لترامب سلفا، ولا صعود هاريس مستبعدا. حسب استطلاعات الرأي العام الأمريكية، فإن نسبة تأييد المرشحة الديمقراطية بين الشباب تصل إلى نحو (60%)، غير أن المعركة الانتخابية سوف تظل مفتوحة بلا حسم، ربما حتى إغلاق لجان الاقتراع. وإذا وفقت في اختيار نائب رئيس جديد له حضوره وشعبيته فإن ذلك قد يكون من دواعي رفع سقف فرصها بحصد المنصب الرئاسي.
السحر والساحر
بالحساب العرقي في بلد متنوع يعاني من وطأة العنصرية، فإنها أول سيدة سوداء مرشحة أن تصل إلى الموقع الأول في النظام السياسي الأمريكي. وبالحساب التاريخي الذي يقرؤه عبد الله السناوي، فإنه من غير المستبعد أن تكون الشخصية السادسة عشرة في قائمة من صعدوا من ظل الرئيس إلى المكتب البيضاوي. إذا ما طالعت قائمة نواب الرئيس بعد الحرب العالمية الثانية، الذين صعدوا للموقع الأول، فإنها تضم رئاسات فوق العادة، مثل هاري ترومان وليندون جونسون وريتشارد نيكسون وجيرالد فورد وجورج بوش الأب. صعود هاريس الصاعق أزعج ترامب. في البداية سخر قائلا، إن هزيمتها أسهل من هزيمة بايدن، لكنه اكتشف سريعا أنها لن تكون لقمة سائغة. هكذا عاود سيرته الأولى في إثارة الشكوك حول كفاءتها والقول، إنها يسارية متطرفة سوف تفضي بالولايات المتحدة إلى التهلكة. ودعا إلى مناظرتها لعله ينجح في وقف ظاهرتها من أن تتمدد وتحسم الانتخابات قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع. بالمفارقة فإنها تصل إلى الستين من عمرها في 20 أكتوبر/تشرين الأول المقبل قبل الانتخابات الرئاسية بأيام قليلة، فيما هو يكون قد تجاوز الثامنة والسبعين. كأن السحر ينقلب على الساحر، فهو بحكم الزمن مرشح لتكرار سيناريو بايدن إذا ما دخل البيت الأبيض مجددا. إذا انتخبت هاريس، لن تكون نسخة جديدة من بايدن. هناك ما هو ثابت بحكم المصالح والاستراتيجيات شبه الراسخة، وهناك ما هو متغير بحكم طبائع الرئاسات والأولويات التي تتبناها وقدر ما تتمتع به من كفاءة. بايدن وهاريس خياران متباينان. الأول، ابن المؤسسة الأمريكية ويلتزم حقائقها ومصالحها. الثانية، مدعية عامة سابقة ونائبة مخضرمة، جاءت من أصول أفروآسيوية. على وجه آخر فإن ترامب وهاريس خياران متناقضان. أولهما، يمثل اليمين الشعبوي.. وثانيهما، تمثل النزوع اليساري. لن تمضي هاريس على خطى بايدني في الأزمات والحروب التي أدارها. ستحاول أن تتخفف من نزعته العسكرية المفرطة في حرب أوكرانيا وغزة، دون تعديل في التوجهات الرئيسية.
طريد العدالة
خشي نتنياهو أن يُلقَى القبضُ عليه في دولة أوروبية، تنفيذا لقرار متوقع من محكمة الجنايات الدولية، إذا هو توقف في أوروبا في طريقه إلى أمريكا ومنها، فألغى لقاءات مع بعض المسؤولين الأوروبيين على مسار رحلته، على أن يكون سفره مباشرة إلى أمريكا والعودة منها، وهذا ما جعله وفقا لأحمد عبد التواب في “الأهرام” يقلل عدد أعضاء الوفد المرافق له حتى لا تضطره الحمولة الزائدة إلى التوقف في أوروبا للتزود بالوقود. والمؤكد أن هذا قيد جديد لم يعانِ منه نتنياهو قبلا، وقد نشرت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية أن هذا التخوف ستكون له تبعات أكثر في المستقبل من الوارد أن تجعل نتنياهو حبيسَ إسرائيل يعجز عن مغادرتها، إلا بحسابات معقدة عن ارتباط الدولة التي يزورها، أو حتى التي يتوقف فيها، بعضوية نظام روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية. وقد زاد من تعقيد حساباته أن عدد هذه الدول تعاظم حتى وصل إلى 124 دولة، كما أن هناك احتمالا لأن تُضطر طائرته لأي سبب فني للهبوط في إحدى الدول التي صارت تشكل خطرا مستجدا، فيجد نفسه مقبوضا عليه وعُرْضَة لتسليمه إلى المحكمة، لمواجهة الاتهامات التي ذكرها النائب العام للمحكمة كريم خان، بارتكابه جرائم الإبادة الجماعية، والتسبب في المجاعة، والحرمان من إمدادات الإغاثة الإنسانية، واستهداف المدنيين عمدا في الصراع. لاحِظ أيضا، أن بريطانيا التي هي أقرب دولة أوروبية لإسرائيل، وصاحبة الفضل الأول في تأسيسها، أصدر رئيس وزرائها الجديد كير ستارمر قرارا الأسبوع الماضي، يلغي تعهد رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك بعدم القبض على نتنياهو، وصارت بريطانيا بذلك ملتزمة بقرار المحكمة، أي أنها ستلقي القبض على نتنياهو إذا زارها، في حالة صدور مذكرة باعتقاله من المحكمة. من الأسباب التي جعلت السياسيين المحترفين في أوروبا يُغيِّرون سياستهم نحو إسرائيل، أن جماهيرهم صُدِمَت لدى مشاهدتهم جرائم إسرائيل البشعة في غزة ضد المدنيين العزل، وهو ما انفردت السوشيال ميديا بتغطيته في البداية، ما أجبر الإعلام التقليدي على المشارَكة في تغطية المجازر، فَتَشَكَّل رأي عام رافض متنامٍ في الغرب ضد جرائم إسرائيل، وهو ما لا يمكن لهؤلاء السياسيين أن يتجاهلوه، وإلا خسروا أصوات الناخبين.
للأسف مستمرة
الحقيقة التي انتهى عندها الدكتور معتمر أمين في “الشروق”، أن خطاب نتنياهو في الكونغرس يؤكد أن الحرب ضد الشعب الفلسطيني مستمرة، وإنه لن يخفض التصعيد، ولن يصل لصفقة تبادل للأسرى، وأن الإبادة مستمرة بمباركة الولايات المتحدة، على الأقل ما دام جو بايدن ونائبته كامالا هاريس مستمرين في الحكم. أما في حالة وجود ترامب في البيت الأبيض، فإن الحرب لن تقتصر على فلسطين، وإنما غالبا ستتحول لحرب ضد إيران، وهذا هو أهم ما في خطاب نتنياهو. فهو يحمل إيران المسؤولية على كل ما حاق بإسرائيل من هجمات من مختلف الجبهات، اللبنانية، واليمنية، والعراقية، والسورية. ومع عودة ترامب للبيت الأبيض، يمكن توجيهه إلى ضرب إيران كما فعل من قبل واستهدف قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، على الرغم من امتناع نتنياهو عن المشاركة في العملية. وبهذا يراهن نتنياهو على كسب الوقت لحين وصول ترامب للحكم، حتى تتهيأ الظروف وتساعده على تغيير مسار الحرب التي جعلت جيش الاحتلال الإسرائيلي عالقا في غزة، دون تحقيق أي نصر. ولكن تتمثل مخاطر هذا الرهان في عدم وصول ترامب للبيت الأبيض، سواء بالفشل في الانتخابات، أو بتكرار محاولة الاغتيال ضده مرة أخرى، لاسيما في ظل حملة الانتخابات الممتدة لشهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فقد تصدق توقعات ليلى عبد اللطيف بأن امرأة ستفوز بانتخابات الرئاسة الأمريكية. على الجانب الداخلي في إسرائيل، فبالإضافة للمظاهرات التي اندلعت ضد ما جاء في الخطاب، فإن الانتقادات اللاذعة تنال من نتنياهو وزوجته سارة حتى من قبل وصولهما إلى الولايات المتحدة، حيث انتقد العديد من الساسة الصور التي صدرت من طائرة الرئاسة الإسرائيلية «جناح صهيون» في أول رحلاتها، حيث انتقدوا صورة نتنياهو وهو جالس خلف مكتبه في الطائرة وأمامه قبعة مكتوب عليها «النصر الكامل»، فيما اعتبروا ذلك تراجعا عن صفقة الأسرى. كما انتقدوا ظهور زوجته سارة «بالبيجاما» وهي تتصل بعائلة إحدى المختطفات، لاسيما أنها اخطأت في أسماء اثنتين منهن.
في ملعب الحوثيين
على الرغم من عدم قدرة المعارضة على إسقاط حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، التي تسببت في إظهار صورة إسرائيل الحقيقية أمام الرأي العام العالمي، فإن الوقت المتاح حتى نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، كفيل وفق رأي الدكتور معتمر أمين بتغير الوضع الداخلي. وهناك شواهد على ذلك، منها أن الحكومة الإسرائيلية تفقد وزراء مهمين كل فترة، مثل استقالة بيني غانتس وغادي آيزنكوت من حكومة الطوارئ في يونيو/حزيران الماضي. فمن يضمن أن ذلك لن يتكرر، لاسيما بعد دخول قانون تجنيد الحريديم إلى حيز التنفيذ، على الرغم من تهديد الحاخامات الرافضين للقانون. يعتبر خطاب نتنياهو تأكيدا لإيران بأن الأشهر المقبلة تعتبر أشهرا حاسمة في المواجهة المفترضة بين الطرفين. فلو تحققت أحلام نتنياهو واستمر في السلطة، بعد وصول ترامب للحكم، فسترتفع فرصة الحرب. والسبيل المتاح الآن أمام إيران لتقويض هذه الفرصة هو التصعيد المستمر عن طريق وكلائها في المنطقة، حتى يأتي ترامب فيجد شرق أوسط ملتهبا، وعلى وشك الانفجار، فيلجأ للتفاوض من أجل السيطرة على الوضع في المنطقة. ولو تراجعت إيران عن هذه السياسة، فإن أمنية نتنياهو قد تتحقق، ومن السهل إقناع ترامب بأن إيران تراجعت بمجرد استشعارها بهزيمة الحزب الديمقراطي ووصول ترامب للحكم، مما يشجعه على المضي قدما على مسار رؤية نتنياهو. لذلك أهم ما في المشهد في الفترة المتبقية حتى الانتخابات الأمريكية هو موقف حزب الله في لبنان، وموقف أنصار الله في اليمن. فهل يعاود الحوثيون الكرّة ويقصفون إسرائيل، ولكن هذه المرة يستهدفون حقول الغاز الطبيعي في شرق المتوسط؟ أم تنجح الوساطة العمانية بالنيابة عن مصر لتهدئة الحوثيين وعدم تحويل المواجهة إلى حرب إقليمية؟
مؤامرات كلاسيكية
الدكتور حامد ربيع أستاذ العلوم السياسية، من أوائل الذين اهتموا بالكتابة عن استراتيجية إسرائيل الإعلامية لتسويق مشروعها الاستعماري من قبل أن توجد على أرض الواقع، حسبما أوضح رفعت رشاد في “الوطن”: خططت إسرائيل لإعلامها، بالتوازي مع سعيها إلى تنفيذ إقامة دولتهم، ونجحت في تنفيذ مشروعها الاستعماري والإعلامي في الوقت نفسه، بينما كانت دول الوطن العربي في سبات عميق في هذا المجال. كتب الدكتور ربيع وحلل الوضع الإعلامي لإسرائيل ومعه التراخي الإعلامي العربي، وبعده كتب علماء عرب آخرون، ولكن لم يفلح العرب في اللحاق بإعلام إسرائيل الصهيوني حتى الآن. وقد دللت واقعة وجود نتنياهو في الكونغرس والترحيب البالغ بوجوده على أن الإعلام الصهيوني بدأ يمارس ألعابه الكلاسيكية نفسها، بغزو الساحات السياسية الغربية وأتوقع أن يقوم بزيارات أخرى للدول الأوروبية، يقدم فيها ما قدمه في أمريكا لقلب دفة الرأي العام الذي تعاطف مع غزة والشهداء، وكان ضد التدمير والقتل الإسرائيلي. يسيطر الإعلام الصهيوني على مفاصل المؤسسات الإعلامية الغربية وعلى الرغم من أن العرب يملكون ثروات كبيرة، إلا أنهم لا يهتمون بهذا المجال المؤثر وينفقون على السلاح ما لا نهاية له من الأموال، بينما لا ينفقون مقدارا منها على الإعلام الذي يسيطر على العقول ويوجه الرأي العام ويقلب الحقائق. يوظف اللوبي الصهيوني في كل العالم شركات العلاقات العامة لتسويق سياسات الدولة الصهيونية ويجمل أفعالها ويقدمها للعالم باعتبارها تدافع عن وجودها وشعبها وأنها الدولة الديمقراطية في واحة ديكتاتوريات عربية تحيط بها. وعلى الرغم من أن الحقائق بارزة أمام العالم إلا أن الدول لا تعترف إلا بالقوة، والحق أمر نسبي ولا تأثير له إلا بإشعال نار المقاومة والإبقاء على جذوتها مشتعلة حتى يبقى الرأي العام مستيقظا ومتابعا لما يحدث. إن المؤشرات المقبلة من إسرائيل لا تبشر بأي إيجابية فقد نسي العالم مسألة الأسرى الموجودين مع المقاومة، بل نسي الر أي العام داخل إسرائيل هذه المسألة أو كاد، وبمرور الوقت تتقادم القضية، وتنفذ إسرائيل كل أهدافها ومنها ابتلاع غزة، وفرض الأمر الواقع على فلسطين والعرب، كما فرضته من قبل بقوة السلاح، الذي لا تنفذ خزائنه لدى أمريكا، التي لا تألو جهدا في مد إسرائيل بكل ما تحتاجه من كل السلع، وعلى رأسها السلاح الذي يقتل أهلنا في فلسطين.
فلسفة مدبولي
يبدو أن خطة تحريك الأسعار التي أعلن عنها الدكتور مصطفى مدبولي هي الخطة الأوضح التي نعيش تفاصيلها دون رادع، ولا يحتاج أحد إلى دليل ليعرف، ويعي ويدرك حسب أشرف عزب في “الوفد”، أن هذا التحريك المستمر للأسعار فاق توحشه قدرة التعايش معه، أو التكيف مع مخالبه وأنيابه، التي باتت تنهش إدراكنا البصري والسمعي والعصبي، وأيا كانت الأسباب والمسببات الدافعة لحالة التبخر اللاإرادي لمخزون «جيوبنا» الاستراتيجي، كل هذا لا يهم ولن يفيد، تعددت الأسباب و«النهش» واحد. كتبت وغيري، كثيرا عن حالة الشكوى من انفلات الأسعار، ولم أجد الجديد الذي أكتبه، لذلك أعيد ما نشرته «اللطائف المصورة» لصاحبها إسكندر مكاريوس، في عددها الصادر الاثنين 12 مارس/آذار 1917، تحت عنوان «قانون الغلاء الفاحش نحن الجوع الكافر»، تنتقد فيه وبه جشع التجار وأطماعهم بطريقة فكاهية كما نفعل الآن في محاولة التكيف مع أزماتنا، ووضعت الجريدة 14 مادة لهذا القانون الصادر في «كَفْرْ التجار الطمَّاعين». وقبل أن أسرد تفاصيل هذا القانون الهزلي الذي نشرته «اللطائف المصورة»، ألفت انتباه القارئ الكريم، أن وقت نشر هذه المواد التخيلية – عام 1917- كانت الحرب العالمية الأولى لم تنته بعد، وشهدت بلدان كثيرة مجاعات كبرى في هذا العام.. وإلى نص مواد القانون: بدأت الجريدة استهلال القانون كالتالي: بعد الاطلاع على «المادة إيدها للتسول»، وبناء على ما عرضه علينا أحد التجار القاطنين بكفر الطمَّاعين، وبعد موافقة مجلس الأُنس الهني أمرنا بما هو آتٍ: المادة الأولى: بيع العيش الاعتيادي يكون بمعرفة التجار الطمَّاعين، بعد استجلابه من المخابز المغشوشة. المادة الثانية: العيش الخاص يصير بيعه في الأجزاخانات داخل برشامة يتعاطى بها من عضه الجوع بنابه، بناء على شهادة تعطى له من طبيب كفر الطمَّاعين، وتناولت المادة الثالثة حق الخبازين في أن يضيفوا على العيش البلدي ما يشاؤون من الجبس المعصراوي و«القصرمل» القصرمل مادة تنتج من مخلفات الحرق في الأفران – ويحق للمقاولين الإشراف على المخابز والجباسات، وأقرت المادة الرابعة من هذا القانون أنه: يتحتم على كل جائع أن يأكل عشرة أرغفة كل مرة، هذا إن استطاع دفع المبلغ وإلاَّ يموت جوعا.
أحجار كريمة
نصحت المادة الخامسة من القانون الهزلي، الذي أعاد الأذهان إليه أشرف عزب، استنادا لمجلة “اللطائف المصورة” المخابز بأن تصغر العيش بقدر الإمكان حتى يكون مما خف حمله وغلا ثمنه، وجعلت المادة السادسة العيش «الملدن» من الأحجار الكريمة والعيش «الفينو» من الآثار القديمة، ولا يجوز بيعه إلا في خان الخليلي. أما المادة السابعة فقد نصحت كل صاحب بيت أو رئيس عائلة، أن يبيع منقولات بيته ليأتي لأولاده بعشوة ليلة، وقدمت الثامنة النصح لأصحاب المخابز وجميع الخبازين والعجانين بأن ينزعوا الرحمة من قلوبهم، كما نزعوا القمح من الخبز، وحددت المادة التاسعة من هذا القانون الساخر عقوبة كل من يعثر على رغيف عيش أيام وسنوات الرخاء، ولم يسلمه للجنة حفظ الآثار، بأن يعاقب بأكل وشه، وأخلت المادة العاشرة مسؤولية المخابز وتجار الدقيق عما يحدث للأمعاء من النزلات الشعبية والإمساك وعسر الهضم. وجاء نص باقي مواد القانون الساخرة والساحرة كالتالي: المادة الحادية عشرة: على تجار القمح أن يعملوا من الحبة قبة، وأن يعتبر قولهم كالسعر الداير في البلد مثل الأمراض والأوبئة، دون تدخل مصلحة الصحة. المادة الثانية عشرة: على عموم الجزارين ألا يذبحوا المواشي، ويكتفوا بذبح أصوات الزبائن «سلفا» ولا يجوز لأحد إدخال اللحمة إلى أولاده إلا إذا كان من عضمة خشنة، وللجزارين الحق في تقطيع الفروة ومن خالف ذلك نسلخ جلده. المادة الثالثة عشرة: على تجار السمن أن يسيحوا في عموم البلاد، وأن يكون مركزهم بركة الرطل، ولهم حق بيع الجوز بدل المفرد، كذلك يخول لهم استجلاب بضائعهم من الشحم النقي المخصص لعجلات قطارات السكة الحديد. المادة الرابعة عشرة: على عموم التجار والمصريين تنفيذ هذا القرار كل في ما يخصه. صدر القانون في سراي رأس الحكمة مخافة الله في عبيده البائسين. الإمضاء: كُل بعضك.
مصر هايبر ماركت
يتفق الدكتور عمار علي حسن في “الوطن” مع ما كتبه الدكتور عاطف معتمد على صفحته في فيسبوك قبل أيام بعنوان «هل ما زالت مصر هايبر ماركت؟» حول إعداد معيدين مصريين رسائل ماجستير ودكتوراه لطلبة من بلدان خليجية، عشت هذه التجربة، وكنت في قلبها، وكادت تودي بمستقبلى تماما، وتعيدني خالي الوفاض إلى قريتى الملقاة هناك بين النهر والزرع، لولا أن عميد كليتي وقتها، كان رجلا متزنا عاقلا، وعالم اقتصاد جليلا، فردّ من أرادوا بي سوءا على أعقابهم، وحماني من أن يستفردوا بي وأنا الطالب الأعزل، الذي ليس في يده سلاح سوى الكلمات التي تفيض في جموح، والأحلام العريضة. كان هذا عام 1989، وكنت في السنة الرابعة، ودفعني حماسي المعتاد، أو تسرُّع الشباب، وغيرتي على مكانة الجامعات المصرية إلى أن أتحدث في مؤتمر علمي كان ينظمه مركز البحوث والدراسات السياسية في الكلية، بالتعاون مع الجمعية العربية للعلوم السياسية حول «تطوير مناهج البحث السياسي»، عن ظاهرة «البترودكتوراه» و«البتروماجستير»، حيث يأتي بعض الطلبة الخليجيين إلى جامعاتنا، فيجدون من يذلل لهم السبل، ويفتح أمامهم باب الحصول على الشهادات العلمية العليا على مصراعيه، من دون الاعتناء بأن ترتفع قاماتهم المعرفية إلى قدر درجاتهم الجامعية. وحرصت يومها على ألا أعمم هذا على كل هؤلاء الطلاب، فمن بينهم المجتهدون والمجيدون الراغبون في تحصيل المعرفة والمحبين للعلم فعلا. وما أن انتهيت من مداخلتي التي اتسمت بعفوية صبي غرير، لا تعنيه العواقب ولا تخيفه ردود الأفعال، حتى ملأ الغضب وجوه معيدين ومدرسين وأساتذة. وبعد ساعتين فقط كانت رئيسة القسم قد أعدت مذكرة بشأن الواقعة، تطالب فيها عميد الكلية الأستاذ الدكتور أحمد الغندور، بتحويلي إلى التحقيق، وتوقيع عقوبة شديدة، تعلمني حدود الأدب، بعد أن اتهمتني بالسب والقذف. وأحال العميد المذكرة إلى المحقق فاستدعاني، ومثلت أمامه مجردا من المستندات التي تثبت ما قلت، رغم دقته التي كانت لا تخفى على أحد. وتعاطف الرجل معي تعاطفا شديدا، وشملني بنصائحه القانونية التي كانت خافية عني، مع أني حرصت قبل الذهاب إليه على أن أقرأ باب السب والقذف في كتاب قانون جامعي استعرته من زميل حقوقي كان يسكن جواري في المدينة الجامعية. ودار التحقيق فامتلأت سطوره بكلمات دفاعي عن نفسي، ثم طوى المحقق الورق، ورفعه إلى العميد.
بترودكتوراه
واصل الدكتور عمار علي حسن تذكر التجربة المؤلمة التي مرّ بها: ظننت أيامها أن مستقبلى قد ضاع، خاصة بعد أن حاول بعض الأساتذة الكبار أن يستخدموا موقفي في تصفية حسابات عالقة بينهم. ومكثت في غرفتي شهرا لا أذهب إلى الجامعة، أقرأ الكتب والروايات، وليس لديّ أي يقين بأنني سأتمكن من دخول امتحان نهاية العام، الذي كان قد اقترب. وقام رئيس اتحاد طلبة الكلية والأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، وهو كان أقرب الأساتذة إلينا، بالتوسط لدى رئيسة القسم ووكيل الكلية، لكنهما كانا مصممين على أن أنال عقابا رادعا. وهنا جاء دور العميد، الذي بنى موقفه الإيجابي تجاهى على حسن نيتي واقتراب موعد تخرجي، فعرفت أنه قد أقنع الشكاة بأن يتسامحوا، حتى لا يضيع مستقبل شاب شارف على أن ينال شهادته الجامعية، وعقب تخرجي بسنتين انفجر الموضوع بعد أن تجمعت أدلة على مخالفات جسيمة، نشرت الصحف أخبارها في الصفحات الأولى، وكان «الغندور» حاسما في مواجهتها. ذكرت ما سبق في كتابى «مكان وسط الزحام» الذي صدر عام 2018، وأضيف إليه الآن، أن ظاهرة «البتروماجستير» و«البترودكتوراه» كانت تتم على استحياء أيام كنا في مرحلة البكالويورس في كليات وجامعات مصرية عديدة، وليس لديّ ما يبين أنها قد انتهت، بل يمكن أن أقول إنها ربما تكون قد استفحلت. كان هناك من يبرر هذا بأنه توجد جامعات عديدة في العالم يحدث فيها الأمر نفسه. واستدل أحدهم على رجل خليجي يحمل درجة الدكتوراه من بريطانيا دون أن يعرف الإنكليزية، وقال لي: «يمنحونهم الشهادات لكن يُلزمونهم بعدم التدريس في الجامعات الأوروبية، ويؤذون بهم جامعاتنا». هذه المسألة يرفضها أساتذة حقيقيون من الخليج، بذلوا جهدا كبيرا في تحصيل العلم والمعرفة، وحازوا درجات الماجستير والدكتوراه عن جدارة، وكثيرون منهم يشكون حين نلتقيهم من استسهال وفساد يدفع الجادون المتميزون ثمنه في بلدانهم. ولا أنسى مقالا كتبه الأكاديمي والكاتب الكويتي الدكتور محمد الرميحي في مجلة «العربي» في ثمانينيات القرن العشرين، يحارب فيه هذه المسألة الممقوتة.
لها ما لها
رغم كونه لا يخفي كراهيته لثورة يوليو/تموز وما آلت إليه، لكن مصطفى عبيد في “الوفد” لا يخفي بعض محاسنها، لم أعش صعودها وانحدارها، لكنني استقرأت من التاريخ ما شكل قناعتي بأن الثورة أجهضت مشروعا حضاريا نهضويا، ربما كان أبرز دلائله أسماء من عينة طه حسين، أحمد أمين، سلامة موسى، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، محمد عبد الوهاب، أم كلثوم، ومصطفى مشرفة. فكل هؤلاء نتاج فترة ما قبل يوليو، عندما كانت السلطات موزعة، والآراء متعددة، والأفكار متحررة، ولم يكن هناك توجيه سلطوي، أو توظيف للفكر لخدمة الزعيم الفرد. وكما قال نجيب محفوظ يوما، فإن أسوأ ما أنتهجته ثورة يوليو/تموز ورسخته في مصر، هو ميراث من الديكتاتورية العتيدة، ما جعل أجيالا تالية على يوليو 1952 تظن أن الأصل في مصر هو حكم الفرد. رغم ذلك، فإن روح الإنصاف تدفعني لتقديم شهادة بشأن هذه الديكتاتورية المكرسة من نظام يوليو، وخلاصتها أن الديكتاتورية المصرية كانت نموذجا فذا في الديكتاتوريات المعروفة في العالم، من حيث درجة السماحة والميل للعفو واستبعاد الحلول الدموية. وأقول برضا: يُحسب لثوار يوليو ـ وأنا خصمهم ـ عزوفهم التام عن تصفية خصومهم السياسيين جسديا، وكانوا يستطيعون. كان المثال أمام شبان يوليو واضحا وصريحا، ولا بد من أنهم قرأوا جميعا ما حدث يوم 18 يوليو/تموز 1917. ففيه وبعد عام من الثورة البلشفية ضد نظام عتيد في روسيا أيقظ حراس سريون في سجن في سيبيريا القيصر الأخير نيقولا رومانوف من نومه، واقتادوه هو وزوجته وابنه وبناته الأربع إلى قبو مهجور، ثُم جاء الحراس وأطلقوا عليهم جميعا الرصاص ليقتلوهم بدم بارد.
ديكتاتورية ناعمة
ضباط يوليو رفضوا إعدام الملك فاروق، ثُم رفضوا في ما بعد، كما أخبرنا مصطفى عبيد، إعدام السياسيين، بل رفض بعضهم ومنهم جمال عبدالناصر نفسه محاكمة مصطفى النحاس، رغم أنه يمثل خصما محتملا لزعامته الشعبية العظيمة، وكان رأيه أنه رجل صالح ومن يأتي عليه لا يكسب أبدا. صحيح أن هناك حالات إعدام جرت لمتظاهرين أو خصوم مثل إعدام خميس والبقري في أغسطس/آب 52، وإعدام عبد القادر عودة ومحمد فرغلي في 54، لكنها كانت حالات محدودة جدا، وارتبطت بحوادث معينة، وفي ظني فإنها إذا قيست بتحول سياسي وتاريخي كبير، فإنها تمثل حالات محدودة لا سمة عامة لنظام ديكتاتوري جديد. لا ينسى العراقيون مشهد صعود صدام حسين إلى السلطة في بلدهم، ويؤرخون له بما جرى في قاعة الخلد في يوليو/تموز سنة 1979. وقتها تنازل الرئيس أحمد حسن البكر عن السلطة لصدام بذريعة اعتلال صحته، وعارض بعض قادة حزب البعث، فجمعهم صدام جميعا في القاعة، وجلس منتفخا، وأعلن عن المؤامرة، وطلب من كل من يسمع اسمه الخروج ليتم القبض عليه. ثم حكم على أكثر من سبعين قياديا بالإعدام، وأجبر رؤساء وأعضاء الحزب على التجمع في ساحة الإعدام، لينفذوا الحكم في رفاقهم. كانت الديكتاتورية المصرية البازغة مع يوليو ناعمة، ولديها أرضية أخلاقية، وبعض التسامح، حتى إنها اعتمدت السجن والإقصاء والتشويه لخصومها في معظم الأحيان بدلا من القتل. صحيح أن الديكتاتورية لا يُمكن أن نرى منها أي خير، لكن مستوى الشر لديها كان أقل من مثيلاتها، اتساقا مع مسحة الطيبة السائدة في الشخصية المصرية عموما. في بلدان كثيرة قريبة وبعيدة، كانت الديكتاتوريات دموية، عاتية، وسادية، وتعبث بأرواح البشر، وتفتك بكل مَن تشتم فيه روح معارضة، بينما أنعم الله علينا بديكتاتورية تحمل قدرا من الطيبة. وهذا بلا شك بعض ما يُحمد لثوار يوليو.