الغلو في الدين

حجم الخط
0

د. كمال الهلباوي لفت نظري في الأشهر الأخيرة، تزايد ما يمكن أن نسميه- كما سماه القرآن الكريم ومن قبلنا- ظاهرة الغلو في الدين- وقد نهى القرآن عن الغلو في قول الله تعالى- ‘لا تغلو في دينكم’. والغلو في الدين يطلق عليه المعاصرون أسماء كثيرة منها- التطرف الديني، وهذا اللفظ يدل على الإبتعاد عن الوسطية’ وكذلك جعلناكم أمة وسطا’ والوسطية جُعل من الله تعالى مثل ‘وجعلنا الليل والنهار آيتين’. وكل جعل من الله تعالى لا ينقضه أحد من البشر ولا حتى من الجن. وقد يخالف البعض ولكن المخالفة وهي معصية، لا تعني نقض الجعل أي ما جعله الله تعالى. والغلو نوع من الانحراف عن الوسطية بدرجات متفاوتة حتى إن بعض الغلاة يكفرون إخوانهم في الإسلام بالمعاصي، فكرية (إعتقادية) كانت أو عملية، ويترتب على ذلك أحكام شرعية صحيحة ولكن يسقطها بعضهم على الواقع في ضوء إنحراف باطل، وينسون أن ما بني على باطل يكون باطلاً. أما الحكم الشرعي الصحيح فلا يبطله شيء. وفي الحديث أن النبي صل الله عليه وسلم قال ‘يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين’. وقد صحح الامام أحمد هذا الحديث وابن عبد البر رحمهما الله تعالى. والعلم الصحيح بالشرع يحمله من الخلف عدول القوم مواصلة لوسطية السلف في الفهم والعمل، وعدول القوم في كل خلف ينفون عن العلم ما يقوم الغلاة بتحريفه أو ما ينتحله المبطلون أو ما يقوم بتأويله الجاهلون خطأً وجهلا. رأيت بالأمس القريب عند صديق لي شاباً يافعاً صاحب لحية جميلة، تعجّب صديقي من لحية الشباب وسأله متى أطلقت لحيتك؟ ثم سأله صديقي أيضاً على سبيل المزاح، المغرب كم راكعة؟ دار الحوار بسرعة عجيبة حتى قبل أن يجلس الشاب، ضربت معها كما يقول العرب أخماساً في أسداس. ثم شرح لي صديقي اللغز المحير في أسئلته، وفهمت أن هذا الشاب كان يعمل عند صديقي في شركته ولم يكن متديناً قبل ذلك. حمدت الله تعالى أن يعود الشباب إلى الدين والاستقامة. ولكن هذا الشاب الجميل إنطلق يشرح موقفه وموقف مشايخه من عدة قضايا، تحتاج كل منها إلى أهل بدر أو إلى علماء جهابذة للفصل فيـــها وبعضها لن يفصل فيها إلا يوم القيامة. إتضح لي على الفور حالة الغلو التي دخل فيها بحماسة الشباب، والتلقي عن مشايخ، الله أعلم بهم وبحالهم ومرجعيتهم وهنا الخطورة، كان مما قاله الشاب في مقدمته الغريبة أن الشيعة ليس لهم دين، دون أن يسأله أحد عن الشيعة ولكنه أراد أن يقول لنا ولصديقي على وجه الخصوص، أنه تعلم الدين ويستطيع الحديث في قضايا شائكة، وذلك بعد أن ترك العمل في شركته وبعد الثورة.وعلى قدر فرحي برجوع الشباب إلى الإسلام، كان ألمي للمنهج التعليمي والتربوي والمرجعية التي يتلقى عنها بعض الشباب الإسلام. سألت الشاب عن أصول الإيمان. أجاب الشاب إجابة عامة غير علمية، ثم سأل صديقي ذلك الشاب المتحمس للاسلام، كيف تقول أن الشيعة ليس لهم دين؟ قال الشاب نعم اليهود لهم دين والنصارى لهم دين ولكنهم كفروا أما الشيعة فليس لهم دين.لم أسمع من قبل، ولم أقرأ في كتب السلف المعتبره أن الشيعة ليس لهم دين. وعجبت أكثر كيف يحق لمسلم أن يتصدى لمسألة التعليم وشرح الدين ثم يطلق على من يقول أو يشهد، أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ليس لهم دين وعجبت أيضاً من نظرة الشباب إلى أهل الكتاب دون تفصيل وتدقيق وتمييز.هنا تتجلى خطورة التعليم، وما ينتظر الأمة من صراع فكري وعقدي فضلاً عن السياسي وغيره من الصراعات التي لا تفيد إلا الأعداء وتبقى الأمة على تجزئتها. ذكرني هذا الشاب بقصة شاب آخر سمعني في برنامج في قناة الناس المصرية، أترحم على الامام الخميني فاتصل بي بعد البرنامج مباشرة، وقال لي كيف تترحم على الخميني وهو في الدرك الأسفل من النار؟ صدمني الكلام وصدمتني الجرأة على الدين. وسألت الشاب هل أعطاك الله مفاتيح الجنة والنار وأطلعك على من فيها؟ لم يفهم الشاب ولا من علمه هذا التأويل الخاطئ قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في صحيحه ‘من شهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن عيسى نبي الله، وان الجنة حق وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان عليه من عمل’.وفي هذا الصدد يقول إبن القيم تلميذ ابن تيمية رحمهما الله تعالى ‘ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو’ ثم يقول خروجاً من المأزق. ‘ودين الله وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا يتجاوزه الحد’ كما جاء في مدارج السالكين.أنا ممن يؤمنون بأن هذه الأمة أمة واحدة، وأنها خير أمة أخرجت للناس، ومن ثم فلهذا الفهم مقتضيات، وعلينا أن نحقق هذه المفاهيم القرآنية في واقع حياتنا، ولذلك أسعى جاهداً لتحقيق مشروع الوحدة الاسلامية مرورا بالوحدة العربية، وادعم كل جهد في إتجاه هذه الوحدة بدءأ بالتقريب بين المذاهب الاسلامية جميعاً، وليس فقط مذاهب السنة الأربعة المعروفة والمشهورة وبين المذهب الاثنى عشري. ولعله من المفيد في هذا الصدد أن أشير إلى المؤتمر الدولي السادس للتقريب بين المذاهب الاسلامية الذي إنعقد في لندن- بريطانيا. برعاية المركز الاسلامي في إنجلترا يوم السبت 29/9/2012 تحت عنوان: الدور الحضاري للتقريب في تحقيق السلم الاجتماعي. وقد شارك فيه نخبة من العلماء والمفكرين والباحثين من أهل السنة والشيعة في جو حضاري مثل العنوان نفسه. وقد ناقش المؤتمرون مجموعة من المحاور من أهمها :*معالم الوحدة الاسلامية في سيرة وكلام الامام علي (عليه السلام)، وشخصية الرسول الأعظم وهوية الأمة الإسلامية الواحدة، وكيف يساهم التقريب في تحقيق السلم الاجتماعي؟. وموضوع فوائد ومحاسن التقريب، والتقريب كمشروع عملي لبناء وتوحيد الأمة، والتقريب طريق الشجعان، ودعوة إلى الحوار- وحركة للوعي نحو سلم اجتماعي. ومشروع التقريب : استجابة للوحدة التي دعا إليها الإسلام. والتقريب خطوة متقدمة في تحقيق الحوار الديني.أن التقريب بين المذاهب الاسلامية- كما جاء في الدعوة للمؤتمر- من شأنه أن يفتت العقد الكثيرة التي تعترض طريق الوحدة، ويفتح آفاقاً للحوار يقضي فيــــها على الحـــــواجز والأوهام التي تعترض الفهم والمواقف المشتركة، بينما الأمــة في ظل التناحر والتضاد وتناقض الآراء واغفال قيم التقريب تفقد لا محالة قيم التعايش ومبادئ السلم الاجتماعي. وقد أكدت المؤتمرات الخمسة السابقة للتقريب بين المذاهب التي أقامها المركز على إيجاد مثل هذه الفرص الكريمة للتلاقي وفهم الآخر والنأى عن نقاط الخلاف الذي يسد على الأطراف منافذ العمل المشترك والحياة السعيدة.وقد سعدت بالمشاركة أيما سعادة إذ أنني أرى أن الحوار أحد الطرق المهمة في التقريب نزوعًا إلى الوحدة وهو طريق مهم للتقارب، نقضي به على التدابر والفرقة التي شبعت منها الأمة، ونستطيع أن نواجه بذلك التحديات المشتركة وهي عديدة بالامكانات المشتركة والنعم التي منّ الله بها على الأمة وهي كثيرة.وقد تحدثت في المؤتمر عن بعض أهم فوائد ومحاسن التقريب، وعدت في حديثي إلى قولين من أقوال عالمين جليلين هما الشيخ الهمام/محمد الغزالي رحمه الله تعالى، الذي قال في صفحة 33 من كتابه المعنون: مع الله ‘هناك خلافات علمية، ومذهبية، حفرت فجوات عميقة بين المسلمين، وقطعتهم في الأرض أمما متدابرة، وهم في واقع أمرهم وطبيعة دينهم أمة واحدة.والدارس لهذه الخلافات يتكشف له على عجل أنها إفتعلت إفتعالاً، وبولغ في استبقاء آثارها، وتفتيق جراحاتها، بل في نقل حزازات شخصية، أو نزعات قبلية إلى ميدان العقيدة والتشريع، وذلك ما لا يجوز بقاؤه إن جاز ابتداؤه. وكلما زادت حصيلة العلم الديني، وتوفرت مواد الدراسة الصحيحة انكمشت الخلافات، واتحدت الأمة الاسلامية منهجاً وهدفاً. ولذلك نحن نرى التقريب بين هذه المذاهب فرضاً لابد من أدائه، وأخذ الأجيال الجديدة به’. ثم يقول الشيخ الغزالي: ‘كما نرى ضرورة إحسان النظر في دراسة التاريخ الاسلامي، وتنقيته من الشوائب التي تعكر صفاءه’.أما القول الثاني المهم الذي أوردته في حديثي المقتضب فهو للعالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم من كبار علماء السلفية وأستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية في السعودية رحمه الله تعالى، حيث يقول في صفحة 94 من مقدمته لتحقيق كتاب: منهاج السنة النبوية في نقص كلام الشيعة القدرية ‘للامام ابن تيمية: وقد قامت جماعة تقول بوجوب التقريب بين المذاهب الاسلامية، وعدم جواز التعرض للخلافات بين الفرق الاسلامية المختلفة، حتى نحافظ بذلك على وحدة الصف بين جميع المسلمين، وعلى هذا الرأي يكون نشر كتاب مثل (منهاج السنة) فيه نقد لمذهب الشيعة والمعتزلة مما يزيد الخلاف ويشيع الفرقة، وهو ما يجب أن نعمل على تلافيه وتجنبه’. ثم يضيف الدكتور سالم قائلاً :ولا ريب أن اتحاد المسلمين واجتماع كلمتهم هو ما يجب أن يسعى إليه جاهداً كل مسلم غيور على دينه مخلص لعقيدته، على أن هذا الاتحاد يجب ان يكون على الحق لا على الباطل، وعلى أساس التمسك بالكتاب والسنة، كما أمرنا الله تعالى بذلك في قوله: ‘واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا’ وحبل الله هو كتاب الله’. إنتهى كلام الدكتور سالم. هذا أيها القارئ ما قاله بعض كبار العلماء، وهذا هو كلام وفعل بعض الشباب الذين أقبلوا على الاسلام حديثاً على أيدي علماء من المتسلفين. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ‘ستكون فتن كقطع الليل المظلم’.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية