الغموض تاج الجمال الفني

حجم الخط
8

1

المعنى يموت بالتوضيح، ففي الغموض شيء من الحياة. فعلى الرغم مما صادفناه في بواكير الكتابات الشعرية الجديدة، من استغاثات ضد الغموض في الشعر، نستطيع الآن أن نرقب الوعي الشعري لدى معظم قراء الشعر، بحيث صار الغموض عنصر الجمال الأول، ولم يعد مألوفاً مطالبة الشاعر بتفسير نصوصه، لتوضيح مقاصده.

2

باكراً، كان فيكتور هوغو قال لأدباء أوروبا الشباب: (لا تكثر الإيضاح، تقتل روعة الفن). هوغو الذي يعتبر وقتها أحد رواد الكتابة الواقعية، في ما كان ينتصر لحداثة أوروبا وهي تعيد تشكيل مفاهيم النقد والأدب المعاصرة.

3

التجربة علمتني أن الكلام عن الغموض في الفن والأدب، هو نوعٌ من الدعوة الفاضحة للامتثال للمتلقي العام. وأشعر بأن في ذلك ابتذالاً لطبيعة عمل المبدع، وفرض شروط القارئ والمتلقي. وعندما يكون المتلقي على درجة مهينة من الجهل. تعلمت أن لا أكترث بكل ما هو خارج عملية الإبداع. فأنا لستُ مسؤولاً عن تعليم العالم وتثقيفه.

4

وبسبب من تأخر تفتح النزوعات الحديثة في الأدب العربي، كان علينا الانتظار بعض الوقت، لكي نكتشف الفرق بين الليل والظلام، ونعيد صياغة الحساسية في الشعرية العربية، ليس لكي نحسن قراءة تجاربنا الحديثة وحسب، ولكن أيضاً، لنعيد النظر في فهمنا لتلك الشعرية العربية القديمة، ونتعرف، بمتعة جديدة، على الجماليات والدلالات التي فاتنا اكتشافها في التراث الشعري العربي.

5

وسوف يستعيد بعض النقد الأدبي، وهو يعالج منعطفاته مع الشعر الحديث، العديد من المنظورات والمقولات النقدية القديمة، خصوصاً في تلك السجالات التي رافقت بعض تجارب شعراء التجديد الموهوبة في تاريخ الشعر القديم، مثل أبي تمام، في ما يكتب قصائده بلغته الشعرية المنحرفة، عندما سأله أحدهم؛ لماذا لا تكتب ما يُفهم. ويرد عليه أبو تمام قائلاً (ولماذا لا تفهم ما يقال).

بغض النظر عن دقة ومصداقية مثل هذه الرواية، لكننا نريد التثبت من ذلك الخيال الأدبي الذي كان يرى، ويروي، ما يشفُّ عن المغزى ذي الدلالة في التجارب الأدبية، عندما يتعلق الأمر باحتدام السجال لحظة التجديد التعبيري، في الأزمنة المختلفة.

6

الغموض الآن صار شرطاً لازماً، ليس في الشعر وحسب، ولكن في فنون التعبير قاطبة. فثمة التنوع اللامتناهي لأشكال التعبير الفني في ورشة الإنسان المعاصر، وبات على المبدع حصر شروط الجمال في شكل تعبيره. وبطبيعة الحال، فإن هذا التنوع التعبيري، يتيح للمرء اختيار شكل التعبير الذي يناسب موهبته، ويعمل على الاستخدام الرشيد للأدوات التي تناسب شكل تعبيره، وطبيعته الفنية. فإذا هو أراد التفكير، وتشغيل العقل والمنطق ووضوح المعاني ومباشرتها، عليه أن يختار فنون التعبير البعيدة عن الشعر والأدب، وإلا فإن عليه الانتباه للجماليات التي تستدعي الإيحاء والرمز والصور الفنية الجديدة. وهذا ما يعني أن الغموض الجميل سيكون أحد أجمل العناصر الفنية في كتابته.

شاعر من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية