عندما يذكر الغول في ثقافتنا نذكر أنه أحد المستحيلات فقد قيل: ثلاث من المستحيلات: الغول والعنقاء والخل الوفي، وهناك أيضا قصة أمنا الغولة التي يرويها اخواننا في مصر لتخويف الأطفال ومنعهم مثلا من اللعب خارج المنزل ليلا، وهناك أيضا منطقة بطن الغول على الطريق الصحراوي الى مكة وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما مات من حجاج فيها وكأن الغول ابتلعهم حيث كانت الدواب تغرز في الرمال قبل شق الطريق.
وبالمجمل فإن الإشارات والمعاني المرتبطة بالغول غاية في السلبية وان استخدام الأساطير المخيفة يرتبط بالرغبة في خداع شخص لتصديق شيئا يصعب تصديقه كما نفعل مع الأطفال!
والغريب أن يلجأ المفكرون وصناع القرار بعد الربيع العربي الى تجربة هذه الوسائل القديمة في الضحك على الشعوب العربية لتخويفها واصطناع مخاطر غير معروفة وأعداء افتراضيين لتبقى الشعوب متمسكة راضية بأحوالها حتى لو ذاقت روح الخل كما يتمسك الطفل بثوب أمه عندما يخاف ويتبعها حتى لو كانت تريد أن تعاقبه، ووحش تعرفه وتعرف أساليبه خير من غول لا تعرف عنه شيئا!
غريب أن لا يعرف المفكرون وصناع القرار أن الشعوب العربية شبت عن الطوق ولم تعد تقبل الوصاية ولم تعد تمشي بسياسة: اتبع القائد follow the leader دون أن تسمع أو ترى أو تتكلم لأنها أدركت أن سنين الاتباع ‘العمياني’ أوردتها المهالك ولم تخرجها الوعود المحلقة من التيه الذي ظلت تسير فيه الى ما لا نهايةربما لم نعرف الغول حقيقة ولكننا عايشنا آثار تغول الفساد في كل جزئيات حياتنا ولمسنا آثاره المدمرة على شعوبنا وبلغ السيل زباه وحتى لو ظهر لنا الغول عيانا بيانا لم يعد يخيفنا.
إن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على التخويف ولا على التخوين وإنما على الشفافية والثقة مهما كانت نقاط الاختلاف، إن انتشار أساليب التخويف والتخوين يؤدي الى انقسام المجتمع وتشتيت أفراده وجهودهم ويؤدي بالنهاية الى ما يحمد عقباه من انتشار العنف.
إن على المفكرين وصناع القرار أن يستفيدوا من جيراننا في البلاد العربية الذين استخدموا ذات الأساليب من التخويف وشيطنة الآخر وتجيير الاعلام لمساندتهم سنوات طوال فلما جاءت الحسم وقال الشعب قولته ذهبت جهودهم هباء منثورا وظهرت الحقيقة وتوارت المخاوف والاساطير.
الغول هو الخوف والتبعية واللامبالاة التي عشعشت في دواخلنا ومكنت الغول من الاستقواء بضعفنا، ومن يخوفك ليس كمن يبصرك ويريد أن يأخذ بيدك الى بر الأمانأما من يخوفوننا من القادم فعلى رأي اخواننا المصريين’ اللي تخاف منو ما يجيش أحسن منو’. والغول لم يعد غولا واحدا وإنما غيلان كثيرة ولكن الشعوب العربية نهضت كالعنقاء من الرماد وستسلم أمرها الى خلٍ وفي لا يغير ولا يبدل ولا يميل مع الريح حيث تميل.
د.
ديمة طارق طهبوب