الـــكــــتـــابــــة والـــجــــســــد قراءة في قصص وفاء مليح

حجم الخط
0

الـــكــــتـــابــــة والـــجــــســــد قراءة في قصص وفاء مليح

د. حسن المودنالـــكــــتـــابــــة والـــجــــســــد قراءة في قصص وفاء مليحأمسكت المرأة القلم وافتضت بكارة بياض الصفحة. امتطت صهوة الكتابة. ابتدأت الرحلة. تسللت إلي العراء لتمنح للحرف روحهاوجسدها. أعلنت قصة عشقها بل مارست الحب أمام الملأ، بما أنالكتابة تبيح لها الغبطة والتحرر والانطلاق نحو أفق مفتوح. لكنالكتابة لم تكن لتملأها لذة فقط فهي تمارسها بألم عميق، لأنها تكتببدمها عن صرخاتها المكتومة. ” (وفاء مليح: أنا أكتب إذن أنا موجودةأصدرت الكاتبة المغربية وفاء مليح مجموعتها القصصية الأولي: اعترافات رجل وقح سنة 2004، وهي تتألف من خمس عشرة قصة، كتبت ما بين 1996 و 2002. ونعتقد أنها قصص تنتمي إلي هذا النوع من الكتابة النسائية التي ظهرت أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، في الأدب الغربي والأدب العربي، وأهم ما يميزها هو الاشتغال علي موضوعة مركزية: الجسد، والأنثوي بالأخصّ. يتعلق الأمر بموضوعة جديدة ومثيرة، لأن الجسد الأنثوي في الآداب السابقة لم تكن المرأة هي من يقوله، بل غالبا ما نتعرّفه من خلال نصوص الرجال، أي من خلال رؤية ذكورية. وبهذا يبدو هذا النوع من الكتابة النسائية الجديدة كأنه يهدف إلي تأكيد حقّ الجسد الأنثوي في الوجود وممارسة حقّه في الكلام عن ذاته دون وسيط، وتقديم نظرته إلي الجسد الآخر: الجسد الذكوري، وبناء رؤيته للجسد الأنثوي والذكوري. ومن هنا يلاحظ أن هذا النوع من الكتابة كثيرا ما يلتزم بأشدّ أنواع الواقعية في كتابة الجسد الأنثوي وتجاربه في الواقع والحياة، ويقدّم نفسه علي أنه نقيض الكتابة الرومانسية(الذكورية بالأخصّ) في رؤيتها للجسد كما في طريقة كتابته. وتستتبع هذه الملاحظة ملاحظة أخري، وهي أن أغلب هذه النصوص النسائية توظف تقنيات الإخبار والتوثيق والتسجيل في كتابتها للجسد، وأقويّ هذه النصوص، وربّما أقلّها، هي تلك التي تنتقل إلي شيء آخر يكتسي أهمية قصوي عندما يتعلق الأمر بالكتابة: إنتاج العوالم الخيالية. ونعتقد أن نصوص وفاء مليح تحاول أن تستفيد من أغلب هذه العناصر والأنواع: إنها تقول واقع الجسد الأنثوي موظفة تقنيات الإخبار والوصف والتسجيل، وهي بهذا تتقدم مناقضة للرؤية الرومانسية التي تتعالي علي الواقع المادي الملموس للجسد، والأنثوي بالأخصّ. ومع ذلك، وفي الوقت ذاته، تعمل نصوص الكاتبة علي إنتاج عوالم خيالية اعتمادا علي التخيّل والتوهّم والحلم والاستيهام وتشكيل لوحات فنية تقوم علي المسخ والتحول أكثر مما تقوم علي تسجيل الواقع بطريقة اسنساخية حرفية. وفوق ذلك، فهي بتوظيفها تقنيات البوح والاعتراف والمحكي النفسي، تأتي اللغة لا تقريرية جافة بل لغة يغمرها الصوت الرومانسي: إنها تنقل صرخات الروح وآلام الجسد، وتقول ما في الجسد من الغرابة والعزلة والمجهول، وما فيه من الحب والرغبة والألم والجمال. 1 ــ كـتـابـة رومــانـسـيـة /كـتـابـة ضــدّ رومـانـسـيــة: ظهرت كتابات نسائية جديدة، في الأدبين الغربي والعربي المعاصرين، يسترجع فيها فعل الحبّ جوانبه الواقعية و الطبيعية، المادية الملموسة، بلغة غير مألوفة تقول الجسد والرغبة واللذة، وبكتابة مغايرة تستحضر المكبوت والمنسيّ، ترفض كبت العناصر الطبيعية في جسد الإنسان، أكان ذكرا أو أنثي: الرغبة والجنس واللذة والألم. ونقترح أن نصف هذه الكتابات الجديدة بأنها كتابات ضد رومانسية، لأنها لا تقبل أن تحوّل الحبّ إلي فعل ميثولوجي أسطوري، أي إلي فعل يقول الحب مسبوغا بشطحات الخيال والهوس والجنون والكآبة المفضية إلي ربط الحبّ بالموت. الحبّ إحساس نابع من الروح، ولكنه لن يكون حيّا يتمتّع بوجوده وحضوره إلا بالعلاقة الفعلية التي تمرّ عبر الأجساد. وهذه العلاقة الحيّة هي ما لم تكن تقوله النصوص الرومانسية، فهي تضفي نوعا من الأسطرة علي فعل الحبّ، وتصوغه صوغا مثاليا فوق إنساني، وتتعالي علي وجوده الماديّ الملموس. وبالمقابل، نجد النصوص النسائية الجديدة تعمل من أجل استرداد جوانب الجسد الواقعية والطبيعية، وصوغ فعل الحب صوغا ماديا ملموسا. ومع ذلك، فان الكتابات النسائية الجديدة التي تلقي ترحيبا أكبر، ربما لأنها تفتح آفاقا أوسع، هي التي تكتب الجسد في جوانبه الخارجية المادية في علاقتها بالجوانب الداخلية النفسية، وهي التي تري فعل الحبّ من منظار مزدوج مركّب يزاوج بين المادة والروح، فلا يمكن أن نتحدث عن الجسد مجردا من حياته الداخلية الباطنية في تمظهراتها المرتبطة بالنفس والذهن والفكر والذاكرة والخيال. وتنتمي قصص الكاتبة المغربية وفاء مليح إلي هذا النوع من النصوص، ففي أكثر من نص، نجد الجسد والحب يسترجعان جوانبهما المادية الطبيعية، والفعلية الحيّة، من دون التضحية بالجوانب النفسية الداخلية، كما في هذا المقطع: ” استسلمت للمساته تضرم الحرائق في جسدها الصغير. كيف لا؟ وهو الرجل الذي عرف كيف يضيء فوانيس الانتشاء، باحثا عن مواطن اللذة فيه وعازفا علي كلّ أوتاره. وهي بغزارة الشوق وإغراء منه بالاقتراب تذوب فيه عشقا وتلتصق به باحثة عن نفسها في أنفاسه الحارة اللاهثة.”(ص 23). وبهذا المعني، فالرومانسي ليس غائبا تماما، فهو يتسلل إلي الكتابة عندما يتعلق الأمر بدواخل الجسد وبواطنه، فالحب، أو الأصحّ تبعا لعبارة المقطع أعلاه: العشق، هو في الوقت نفسه أحاسيس أو رغائب داخلية وأفعال أو حركات خارجية بين جسدين. وبعبارة أخري، فنصوص وفاء مليح ليست نصوصا تقول الجسد والجنس منفصلين عن الشعور والإحساس والحبّ. فهي نصوص لا تزيح الحبّ جانبا، ولا تجرّد العلاقة الإنسانية بين الرجل والمرأة، بين الذكر والأنثي، إلي محض فعل غريزي منفصل عن الإحساس والشعور. ويمكن أن نستحضر مقطعا من قصة: اللحظة الهاربة دليلا علي المكانة التي يحتلها الإحساس والشعور ّ في قصص الكاتبة: ” مضيا نحو الاكتشاف، يجولان الشوارع والأزقة بدون ساعة تقيدهما بالوقت، يطلقان العنان لأشياء بداخليهما. تعطر الليل بأريج اشتياقهما المنثور، وبعدما غسلا قلبيهما بعتاب دافئ حميم، توقفا لحظة أمام حديقة تملأها ورود، اقتطف وردة قدمها إليها في وجل، استلمتها بيد مرتعشة وقلب يخفق كقلب صبية، تمنّت حينها لو أن الزمن يتوقّف، لقد حرّك الأنثي بداخلها. دقّ قلبها إيذانا بميلاد شيء يبقي وليد تلك اللحظة الهاربة.” (ص21). إلا أن هذه الكتابات النسائية الجديدة تقدم صورة ضدّ رومانسية عن علاقة الحبّ بين جسدين، بين امرأة ورجل. فإذا كانت الرومانسية قد أسست ميثولوجيا عاطفية تقوم فيها علاقة الحبّ علي امتلاكية تجرّد المرأة من شخصيتها الإنسانية، فقد ظهرت نصوص نسائية، في الأدبين العربي والغربي المعاصرين، ترفض اعتبار الجسد الأنثوي مجرد شيء ينبغي أن يمنح متعة، وأن يعمل من أجل أن يرضي الاستحواذية في الحبّ الرومانسي. وتنتمي قصص وفاء مليح إلي هذه النصوص التي تقوم فيها علاقة الحبّ والرغبة والجنس علي التكافؤ، أو الأصحّ أنها نصوص تبحث عن علاقة تقوم علي التعادل والتكافؤ والتفاعل والتوازن. فهي ترفض اختزال المرأة وجسدها إلي مجرّد موضوع للمتعة واللذة، أي أنها لا تقبل تشييء المرأة وتجريدها من هويتها الإنسانية في معناها المادي(الجسد) وفي معناها الروحي( النفسي والشعوري). والخلاصة في هذا الموضوع أن نصوص الكاتبة تقول الجسد والحب والرغبة من منظور يحاول أن يخلق تكافؤا بين الرجل والمرأة، ويحاول أن يتموقع في المنزلة بين المنزلتين: بين الجسدي والنفسي، بين المادي والروحي، بين الحسّ والمتعة، بين الواقعي والرومانسي، ويتقدم الحبّ والرغبة والجنس علي أنها أفعال وسلوكات طبيعية هي التي تجعل الفرد يشعر بهويته الجسدية كانسان يتميز بحيوية يتألق معها جمال النفس. وهكذا، قد تتجلي قيمة هذا النوع من النصوص في جرأتها علي تناول موضوعات يلفّها الكثير من الصمت، إلا أن ذلك لا يكفي، فسؤال الكتابة نفسه سيبقي مطروحا: كيف نكتب الجسد والحب والجنس؟ فلا يكفي في الأدب تناول موضوعات ـ طابوهات، بل لا بد من العناية بكيفيات كتابة هذه الموضوعات. ونعتقد أن الكاتبة وفاء مليح تحاول اسنتطاق هذا النوع من الموضوعات بكتابة لا تكتفي بتسجيل واقع الجسد بلغة استسهالية فقيرة، بل إنها تنفتح علي الحلمي والخيالي والشعري، وتفتح آفاقا نراها جوهرية كلّما تعلّق الأمر بمسألة الكتابة. وعموما، فما يميّز نصوص وفاء مليح أنها تنقل الجسد الأنثوي إلي حيّز القول القصصي، وتقدّمه بطريقة ضد رومانسية، أي كذات للرغبة واللذة لا كمجرد شيء محكوم عليه أن يظلّ موضوعا للذة الآخرين ومتعتهم. و هي تقول تجارب الجسد في الحياة، وبطريقة شديدة الواقعية، ومن هنا فهي تقدم نظرة جسدانية مادية شديدة التعلق بالجنس، وتنطلق من أن الجسد والرغبة واللذة من المكونات الجوهرية الطبيعية لهوية الإنسان، ذكرا كان أو أنثي. ولكنها بالمقابل، نصوص لا تكتفي برصد الواقع المادي الخارجي للجسد، بل إنها تحمل نظرة نفسانية تكشف أن للجسد دواخل وبواطن من الضروري أخذها بعين الاعتبار ، والتعبير عنها يجعل اللغة ميّالة إلي الرومانسية، فهي لغة الاعترافات التي تقول السرّي والمخفي والحميمي والداخلي، وهي اللغة التي تقول حالات التشظي والألم والعنف، كما تقول حالات الحبّ والحلم والمتعة.2ــ كـتـابـة الـجـسـد الـبـرانـيـة/ كـتـابـة الـجـسـد الـجـوانـيـة2 ــ1ــ كتابة الجسد مصطلح يشير إلي الكتابة النسائية المنطلقة من الجسد، والمصطلح أطلقته جوليا كرستيفا Julia Kristevaعام 1974 في كتابها: ثورة اللغة في الشعر. والملاحظ أن تقاربا لافتا بدأ يتحقق بين الكتابة والجسد في التخييل الإنساني المعاصر، والنسائي خاصة. وفوق ذلك، فمنذ أواخر القرن الماضي لم تعد الكتابة تعني كتابة تجربة امرأة داخل المجتمع، قدر ما تعني منح مساحات واسعة للجسد، والدفع بالعلاقة بين الكتابة والجسد إلي أقصي حدود التداخل. وهنا يمكن أن نستحضر اهيلين سيكسوس Helene Cixous التي تشدّد علي ضرورة أن تنصرف الكتابة النسائية إلي الجسد، بل والاقتصار عليه، داعية الكاتبات إلي وضع أجسادهن في كتاباتهن. وقد دعّم النقد النسوي هذه العلاقة، وخاصة بعد انتقاله من مجال العلوم الاجتماعية والتاريخية إلي مجال التحليل النفسي والدراسات الأدبية والثقافية، وتحليله للتراث الفلسفي ونقده، كاشفا النقاب عن محاولات الهروب من الجسد والجنس وغواية اللاوعي، وهي المحاولات التي أبقت هذا التراث الفلسفي أحادي الرؤية، يرفض التفاعل، ويركّز علي التعارض بين الروح والجسد، وبين العقل والعاطفة، ويفصح عن أفكار السيادة والهيمنة والتحكم في العاطفة والجسد، ويصطدم بالخوف من المرأة، فيحطّ من قيمتها ومن كلّ ما يرتبط بها، كالجسد والرغبة والجنس، ويعتبر قوة المرأة خطرا يجب أن يكبح بواسطة السلطة الأبوية. وشدّد النقد النسوي علي خصوصية الأدب النسائي باعتباره تمثيلا لعالم المرأة، وبيّن أن هذه الخصوصية تستمدّ شرعيتها من خصوصية النوع الإنساني للمرأة(الأنوثة)، وخصوصية التنميط الثقافي الذي تخضع له، فهي تنتظم في سلسلة علاقات جسدية ونفسية وسوسيوثقافية مع العالم من جهة ومع ذاتها من جهة أخري. وقد ظهرت كتابات نسائية جديدة في السنوات الأخيرة، في الأدب الفرنسي والعربي مثلا، لا يمكن تصورها في العقود السابقة، فهي تربط بين الجسد والوجود، معتبرة الجسد وحده المعني بجعل الوجود واقعة وحدثا، و تزيل كل الطابوهات التي تتعلق بالجسد داخل الأدب، وخاصة جسد المرأة الذي لم يكن له الحقّ في الكلام، فهو في التراث الأدبي أخرس لا يمكنه الحديث. وترفض هذه الكتابات اعتبار جسد المرأة مجرد حقل للحدث أو فراغ للملء أو لحم للأكل، وترفض الانتماء الدائم إلي رغبة الرجال الأنانية، مركّزة علي كتابة شهوانية الجسد النسائي المكبوثة. ويعود الفضل إلي هذه الكتابات النسائية الجديدة في خلع الطابع الاستيهامي عن جسد المرأة، وتنزيله إلي أرض الواقع، فيتقدم جسدا حسيا حقيقيا ملموسا. والملاحظ أن بعض هذه الكتابات قد نجح في تقديم الجسد المعيش والملموس، وتناول العلاقة الجدلية مع جسد الآخر، وتصوير الخلل في التوازن بين الأنوثة والذكورة، والتوازن بين حركات الجسد الخارجية والداخلية. وبالمقابل يلاحظ أن بعض هذه الكتابات، في الأدب الفرنسي المعاصر مثلا، تقدم كتابة باردة عن الجسد، فهي كتابة تستحوذ عليها الرغبة في استهلاك أكبر عدد من الأجساد، من دون وجه أو رأس أو قلب، فهي تستهلك الجسد كما تستهلك باقي الأشياء في مجتمع ليبيرالي ذي نزعة استهلاكية. 2 ــ 2 ــ نعتقد أن نصوص وفاء مليح تستفيد من خصائص هذين النوعين من الكتابة، فهي تكتب جسد المرأة من الخارج، وقد تعرض أعضاءه الأكثر حساسية، وحركاته الأكثر إثارة، وهو ما قد نسميه كتابة برّانية للجسد: ” خلعت ملابسي، وقفت أمام المرآة بجسد عار لأتأكد أن لي أعضاء الأنثي، أتحسس كل مناطقه، أتلمس ثديي، ردفي …” (ص 30). هي كتابة تصف جسد المرأة من الخارج، وتعيد الاعتبار لهوية الجسد الأنثوية، فهي كتابة برانية تقول جسد المرأة المتعب والمستنزف والمترهل والعاجز، كما تقول نظرتها إلي جسدها فتيّا وناضجا، وتصور التحولات الكبري التي يتعرض لها جسد المرأة، وخاصة في مرحلة المراهقة: ” تحاول فهم هذا التحول المفاجئ الذي طرأ علي إدراكها لما حولها، تحاول فهم أكثر تضاريس جسدها التي تكونت حديثا، حلمتان تطلان من صدرها بزهو، شعيرات متناثرة تنبت تحت إبطيها” (ص 31). لكنها في الوقت نفسه كتابة تكشف أن للجسد حياة داخلية باطنية، فهو شيء حيّ مليء بالأحاسيس والانفعالات التي لا تقال. وهذا يعني أن الكتابة الجوانية من رهانات كتابة الجسد. وكتابة الجسد تعني في الواقع كتابة دواخل الجسد، أكان للرجل أو للمرأة. وهذه الملاحظة هي التي شددت عليها بياتريس ديديي Beatrice Didier في كتابها: الكتابة ــ المرأة. وبمعني آخر، فقصص الكاتبة لا تقول الجسد المادي فقط، بل تقول الجسد النفسي أيضا. ومن هنا كثرة استعمال المحكي النفسي في قصص الكاتبة، وميل شخصياتها النسائية إلي قول الحياة الداخلية لأجسادهنّ، كما في هذا المثال حيث لا تكتفي الساردة بالحديث عن التحولات الفيزيولوجية لجسد المراهقة، بل تكشف ما ينتج عن ذلك من هزات نفسية واضطرابات داخلية: ” في داخلها تتفجّر حركة واصطخاب عواطفها مشتعلة تدفعها إلي الجري وراء اكتشاف متاهات عالم يؤرق مضجعها …” (ص 33). أو كما في المثال الموالي حيث نسمع كلاما داخليا استعاريا لجسد امرأة أنهكه وأخرسه النظام العائلي الاجتماعي: ” أشياء كثيرة تسكنني كرعدة الحمي وصرعة الفرح الجموح، لكن خيولي بعد الزواج ألجمت، ولم أعد قادرة علي الركض، والعصافير المحلقة داخل أرجاء نفسي لم تعد قادرة علي التحليق” (ص 64). تحاول قصص وفاء مليح أن تشخص الحياة الداخلية للمرأة في مختلف الأعمار والأوضاع الاجتماعية( المراهقة، الزوجة، العانس، الموظفة، العاهرة، المطلقة)، وهي تستخدم في ذلك تقنيات متنوعة، منها أساسا تقنيات المحكي النفسي والمونولوج الداخلي والأحلام والاستيهامات والهذيانات والتخيلات والتأملات والمرايا واللوحات الفنية والتضعيفات التخييلية. وقد مكّنتها هذه التقنيات من كشف الصدمات والانقسامات والتمزقات والتشويهات والمسوخات التي يتعرض لها جسد المرأة. تكتب قصص الكاتبة جسد المراهقة الفتي في ما يعرفه من تحولات كبري تصاحبها هزات نفسية في وسط سوسي ثقافي قاهر، وتكتب جسد الزوجة التي حولها زوجها إلي عاهرة و” وشم جسدها بطابع المهانة المشرفة علي السقوط في مسارات العري الآثم”(ص43)، وتكتب النسيان الذي يلفّ جسد الزوجة العاملة المشتتة بين العمل داخل البيت وخارجه في وسط عائلي قاهر، وتقول صرخات هذا الجسد الداخلية من خلال محكي نفسي استعاري يكشف الرغبة القوية والملحاحة في التحرر من قبضة واقع قاهر: ” أحسست أعماقي تختنق، وكأن بركانا تضطرم نيرانه داخلي. صرخة منغرسة في الداخل تعلن رغبتها في التحرر من قبضة الزمن الآثم” (ص63). وفي قصص وفاء مليح، لا تعرف الكتابة كيف تقول الواقع الاجتماعي والنفسي للجسد الأنثوي فقط، بل إنها تعرف كيف تحوّل هذا الواقع إلي شيء متخيّل ومرموز، فواقع الجسد في حالة الزوجة العاملة يتحول إلي لوحة فنية علي هذا الشكل: ” غمست الفرشاة في الأصباغ، وتركت ليدي العنان تضرب هنا وهناك، التفت إلي المرآة المنتصبة أمامي، فبدت لي بصلة تتدلي من أعلي رأسي تقطر ماء وتغسل ملامح التشتت التي تسكنني وأشكالا عائمة في فوضي الترهل والعجز” (ص 64). وفوق ذلك، يتعلق الأمر بكتابة تنفض الغبار عن الجسد المنسي، وتستنطق ذاكرة الجسد الغابرة:” سرحت بفكري، تقول الساردة، إلي الأفق البعيد، كانت خيوط تشدّني إلي ذلك الجسد، أعيد تشكيله علّني يوما أهتدي إلي جزئه المنسي تحت ركام الذاكرة الغابرة” (ص14). تكتب نصوص وفاء مليح الجسد كتابة هي برانية وجوانية، فهي لا تكتفي بعرض أعضاء الجسد الأنثوي وتحولاته الفيزيولوجية، ووصفه كشيء مادي ملموس ينبغي أن يقال بلغة مادية ملموسة، بل هي تستنطق باطن الجسد الأنثوي وذاكرته، وتقول رغبته ولذته، مكبوته وألمه، حلمه ومصيره الذي لا يختاره دوما. والملاحظ أن للمرآة حضورا خاصا في قصص وفاء مليح، كأن جسد المرأة الخارجي والداخلي لا يمكن أن تقال إلا من خلال ” لحظة المرآة”، وفي هذه اللحظة قد يتعلق الأمر بامرأة تكتشف جسدها الفتيّ أمام المرآة، وتسعي إلي فكّ أسرار رغائبه المندفعة المشتعلة، وتحاول أن تتعرّف علي هويتها الأنثوية، وقد يتعلق الأمر بامرأة أنهك النظام الاجتماعي جسدها وأخرسه، وحوّله إلي جسد متمزق منقسم علي نفسه، وفي المرآة قد يتبدّي جسد الحاضر المشوّه، وقد يستحضر ذلك الجسد الآخر من ذاكرة النسيان. والأكثر من ذلك، أن الصور التي تتشيّد عبر النصوص تكشف بحثا عن جسد مستحيل، ففي داخل الجسد يوجد جسد آخر مقموع ومكبوت. وهذا الجسد الآخر المكبوت لا يعرف الحضور في قصص الكاتبة إلا من خلال التذكر أو التخيّل أو الحلم أو الرسم. ولا تختلف مهمة الكتابة ـ كتابة الجسد ـ عن هذه المهمة التي يقوم بها الحلم أو غيره، فهي تظهر الجسد وتقول الرغبة، وتدفع الجسد الراكد إلي أن يتفجّر، وتعمل علي استرداد الجزء البيولوجي للأنا، وتجعل هذه الأنا منفتحة علي تدفقات أسسها الطبيعية، وتسمح لها بمساحة لتشغيل استيهاماتها وتحرير رغائبها المقموعة والمكبوتة. 3ــ نــحــو كـتـابـة بـورنـوغـرافـيـة جـديـدة: 3 ــ 1 ــ أول عـبـارة نـسـتـحضرها عندما يتعلق الأمر بــكـتـابـة الـجـنـس هي: ” بورنوغرافيا”. وتعود أصول عبارة: بورنوغرافيا إلي الإغريق: porne وتعني: عاهرة، و graphein وتعني فعل الكتابة. وبهذا المعني، يمكن القول إن البورنوغرافيا تطرح في أصلها مسألة تمثّل الجسد والجنس داخل الكتابة. وتبعا للدارسين الغربيين، عرفت البورنوغرافيا تطورا تاريخيا تميّز بالازدواجية، انطلق مع رائد البورنوغرافيا: Rژtif de la Bretonne ، وتفرّع إلي تعبيرين بورنوغرافيين متناقضين: من جهة أولي هناك بورنوغرافيا تشخيصية، وإمكانية تشخيص الجنس لا تطرح بالنسبة إليها أيّ مشكل، وهي بورنوغرافيا تنحدر من الأدب الايروتيكي، وتنتهي اليوم إلي ” بورنو ” تجاري استعراضي فرجوي. وتعرف الكتابة النسائية المعاصرة، في الأدب الفرنسي مثلا، اتجاها إلي تسجيل الجنس بشكل مكشوف ومفصّل وفاضح، مزيلة كل الطابوهات التي تتعلّق بالجنس داخل الأدب وبـ “حياء” المرأة بخصوص الجسد والجنس والعهارة. ويمكن أن نستحضر هنا كاتبات من مثل Claire Legendre و Virginie Despentes و Catherine Millet و Raphaela Anderson و Chatherine Breillat و Christine Angot و Clotilde Escalle و Alina Reyes،كما تمكن الإشارة هنا إلي عناوين روائية من هذا الاتجاه:Viande/Pornocratie/Baise moi/ Monologues du vagin وبعض هذه الكتابات تكتب الجنس بطريقة بورنوغرافية خالصة، وقد أثارت كاترين مييي Catherine Milletضجة كبيرة سنة 2001 بروايتها: الحياة الجنسية لكاترين م. La vie sexuelle de Catherine M، وانقسمت الآراء حول روايتها: هناك من نظر إليها نظرة سلبية، فالكاتبة تحكي كيف تمارس الجنس ومتي وأين، وكم عدد الرجال ضاجعت، وتعرض جسدها الأنثوي في كل الأوضاع، وتقدّمه كشيء لا يمتعه إلا الجنس إلي ما لا نهاية. وهي بهذا تقدم نصوصا تقنية باردة يتحول معها الجنس إلي تجربة كلينيكية مكتوبة بلغة فقيرة، أي إلي فعل ميكانيكي لا يتألف إلا من مجموعة من الحركات وردود الأفعال. وهناك من نظر إليها نظرة ايجابية، معتبرا الكتابة البورنوغرافية في هذه الرواية أقوي من الكتابة الايروسية التقليدية التي ألفناها في العديد من النصوص، لأن الكتابة البورنوغرافية لا تخفي جنس موضوعها كما هو الحال في تلك الكتابة الايروسية، وتنتهك الصمت الذي نحيط به تجربة الجنس. ومن جهة ثانية هناك بورنوغرافيا لاتشخيصية وغير نفعية، تقوم علي أشكال وأنظمة مغايرة تسمح بكتابة قسوة الجنس، وتجاوز الشكل النفعي لتمثّل الجنس وتشخيصه. ورائد هذا التيار البورنو ـ غرافي الثاني هو سادSade ، وهو رمز التصور الحداثي للبورنوغرافيا متمثلة في الكتابات المعاصرة: نظام القسوة عند ارتو A.Artaud ، والايروتيكية عند جورج باطاي G.Bataille ، وكتابات الشذوذ عند كلوسوفسكيP.Kloowski، والبونولوجيا عند دولوزG.Deleuze، والكتابة العهرية عند غيوطاP.Guyotat . وتتجلي أهمية البورنوغرافيا اللاتشخيصية وغير النفعية في كونها مساءلة للغة في علاقتها بالجنس، فهي تلفت الانتباه إلي التحولات التي تصيب اللغة عندما تحتك بالجنس، والجنس لم تعد له ميول إلي الإثارة هنا، بل هو لم يعد إلا تلك النقطة الحدّ الذي تتوقف عنده اللغة لتسائل ذاتها وتتأمل الجنس في علاقته بالعنف والقسوة والكبت والحرمان والقهر والموت. 3 ــ 2 ــ نعتقد أن نصوص وفاء مليح تقدّم كتابة بورنوغرافية تجمع بين المعني اللغوي الأصلي والمعنيين المعاصريين السابقي الذكر، فهي تكتب العهارة، وتقدم تشخيصا للجنس، وتربط الجنس بالعنف والقسوة والألم: 3 ــ 2 ــ 1 ــ كـتـابـة الـعـهـارة: في معناها اللغوي الأصلي، تعني عبارة ” بورنوغرافيا ” كتابة عاهرة ما. ووفاء مليح كتبت عاهرة في قصتها: وليمة فوق السرير، ويتعلق الأمر بامرأة حولها زوجها إلي عاهرة يضاجعها مديره ورئيسه، فانفصلت عنه رافضة العيش مع زوج عاهر، و” اقتحمت مدينة العشق الآثم، وتوسدت فراش البغاء الوثير”، وأحاطت نفسها، وهي امرأة كاملة الأنوثة عالية الثقافة، ” بسياج يمنحها هالة من الوقار وهي العاهرة بمقاييس العهر الارستقراطي”. ويدعونا هذا النص إلي ملاحظتين: الأولي أن العهارة ليست من اختيار المرأة، بل إن مصدرها هو الرجل ومؤسساته الاجتماعية التي تأبي إلا أن تحول المرأة إلي جسد نفعي يتداول بين الرجال في إطار تبادل المصالح. والملاحظة الثانية، ولها علاقة بالأولي، تتعلق بالحياة الجنسية للعاهرة، وبحياة جسدها الذي صار مستباحا: ” تطلق ضحكاتها الممزوجة بمرارة تتكاثف في أعماقها، وفي برهات تأمل تعي أن جسدها منفصل عنها، تعلوه ثقوب وبقع كامدة، معلق علي جدار النسيان في انتظار وليمة فوق السرير” (ص45). في هذا النص، تتأسس كتابة للعاهرة ليست غايتها وصف الحياة الخارجية لجسد عاهر، وسرد تجاربه الجنسية مع أجساد الآخرين، بل غايته أن يكشف الحياة الداخلية للجسد الأنثوي الذي استباحته مؤسسات المجتمع وعلاقاته الذكورية. وبهذا المعني، فكتابة العاهرة لا تعني بالضرورة أننا أمام كتابة عهّرية، بل الأصحّ أننا أمام كتابة بورنو ـ غرافية، أي كتابة تكتب العاهرة في علاقة بعنف النظام الجنسي الاجتماعي وقسوته واحتقاره للمرأة وحرمان جسدها من حريته وحياته الطبيعيتين، وإخضاعه للمسخ والتشويه، وتغييب هويته الأصلية ورغبته الطبيعية. وبعبارة أخري، فان غاية كتابة العاهرة أن تتساءل: من هي العاهرة؟ماذا يعني أن تكون عاهرة؟ هل العهارة أصل في المرأة أو أنها هوية تأسست عن طريق الظروف الاجتماعية؟ أ يملك جسد المرأة حقّه في الحرية والرغبة والاختبار أم أنه خاضع للنظام الاجتماعي والثقافي والجنسي؟ أتصنع العاهرة مصيرها أم أنها تعاني منه وتتألم وتقاسي التمزق والانقسام، وخاصة علي مستوي الجسد بالذات؟ والملاحظ أن هذا النص لا يقول عهارة المرأة فقط، بل وعهارة الرجل أيضا. وتتقدم عهارة الرجل كأنها الأصل و الوجه الذي لا يقال في مجتمع تقوده قيم الذكورية. فالعاهرة موضوع الحكاية هي ضحية زوج عاهر حوّل زوجته إلي عاهرة، ووشم جسدها بطابع المهانة، فهو الذي ورطها وأدخلها إلي فضاء العهارة عندما بدأ يستقبل مديره في العمل في بيته، ويقدم له زوجته، ويتركها برفقته متسللا من البيت، فاسحا المجال للضيف ليستمتع بجسد زوجته. وفي قصتها: اعترافات رجل وقح ــ إلي كل الرجال المعجونين بالعهر ــ تكتب وفاء مليح الرجل العاهر أيضا، وتصف اعترافاته بالوقاحة، وتهدي القصة أو توجّهها إلي كل الرجال المعجونين بالعهر. وكأنها بهذه الأوصاف( العهر، الوقاحة) تضع مسافة بينها و بين كتابات رجل عاهر متجلية في اعترافاته ورسائله وكتاباته. تأتي اعترافات الرجل العاهر في شكل رسائل تتلقاها الساردة، وقد كانت علاقة حبّ تربط بينهما في الزمن الماضي. والوصف بالعهارة والوقاحة يهمّ بالدرجة الأولي نظرة هذا الرجل إلي المرأة والجسد والجنس، فهي نظرة، وان كانت تستنجد بالمجاز والاستعارة، فإنها نظرة عهرية، لأنها تشيّء جسد المرأة، وتعتبره مجرد فراغ لإطفاء الرغبات والأشواق، وتجرده من إنسانيته:” صديقاتي دمي جميلة، أنيقة” (ص 38)، يقول الرجل العاهر في إحدي رسائله، ولأنها نظرة تعتبر جسد المرأة مستباحا لإجراء كل ما يرغب فيه الرجل من عمليات جنسية سادية ـ مازوخية تتلبّس لباس المجاز والرمز والاستعارة: “علي جسد كل أنثي كنت أبحث عن قصيدة عذراء لم تفتض بكارتها بعد، وعن مدينة جديدة غير مسكونة. في داخلي يسكن شهريار فتتبدي لي المرأة وحشا جميلا يفترس أحلامي، كلما لامست صدره العاري أكتم تمزقي، وأشعر بعثا مع كل اقتحام جديد…” (ص37). وتبدو هذه النظرة العهرية أكثر وضوحا في ما كتبه الرجل العاهر عن زوجته، فهي من اختيار أمه، ولا تعلم ما يدور لا في العالم ولا في رأس زوجها، ومهمتها أن تحضّر له علي السرير أفضل أطباقها، فهي ليست خادمة في المطبخ فقط، بل وفي السرير والفراش أيضا، والجنس هنا ليس شيئا آخر غير طبق مادي نفعي للذة أو للتناسل والتوالد. ” اختارت لي والدتي زوجة …، لا تعلم ما يدور في العالم ولا ما يدور في رأسي… أحاورها فقط علي السرير، وتذيقني من طبخها ألذّ الأطباق …تسلّيني في ساعات سأمي. تحمل طفلي في بطنها، أنتظر باشتياق جارف المولود …” (ص39). 3 ــ 2 ــ 2 ــ الكتابة البرانية للجنس / الكـتـابـة الجوانية للـجـنـس: ضد هذه الكتابة العهرية التي تعتبر جسد المرأة مجرد أداة للجنس، لا حقّ له في أن يعبّر عن رغبته، ويعلن عن شهوته، تتقدّم نصوص وفاء مليح لتكتب الرغبة والجنس واللذة من منظور المرأة. ولاشك في أن مثل هذه الكتابة النسائية هي، في سياق الثقافة العربية السائدة، أصعب ما تمكن كتابته. وعلي عكس بعض الكتابات النسائية المعاصرة، فان وفاء مليح لا تكتب الجنس من منظور جسداني مادي خالص، بمعني أنها لا تقدم كتابة بورنوغرافية بالمعني السائد، بل هي تحاول أن تكتب الجنس من منظور لا يفصل بين الجسد والنفس، بين المادة والروح. الجنس، بالنسبة إلي المرأة في نصوص وفاء مليح، هو أولا رغبة، والرغبة إحساس داخلي، وهي ليست مقصورة علي الرجل، ذلك أن جسد المرأة يمتلك هو الآخر إحساسا ورغبة. وكل هذا معناه أن الجنس ينطلق من الداخل وينتقل إلي الخارج عندما يحصل الالتحام بين جسدين، وهو في كليته استجابة لنداء داخلي: ” الآن أحسّ رغبة أكيدة في أن يلتحم جسدي بجسد رجل آخر، وأن تلامس شفتاي شفتيه، وأن تنصهرا معا في قبلة…” (ص 30). ليس الجنس في نصوص الكاتبة مجرد ممارسة مادية بين جسدين، بل هو في الوقت نفسه ممارسة جسدية ـ نفسية، مادية ـ روحية: ” أطلقنا العنان لصمت شددنا خيوطه من ذبذبات الشوق وجنون الرغبة. جسدي الآن في ليلة من الليالي الألف. انحني برأسه علي أذني، يهمس لي بأنفاسه الحارة لوعة حبّ مخنوق، مرّر بشفتيه علي خذي دون أن تلامساه لينحدر بهما إلي عنقي ثم يصعد بهما إلي شفتي ليتحدا في قبلة أشعلت الحرائق في جسدينا. شعرت بيديه تلامسان خصري مثل نسيم ليل دافئ، تنساب معه الروح في عذوبة حالمة، حملي بيديه إلي غرفة نومه، وضعني علي سريره، في عتمة الحب المستتر وفي غفلة من زمن منسي، كان للفعل نداء من عمق لذة الوجود” (ص 8). فهذا المحكي لا يقول الفعل الجنسي في كل تفاصيله، بل هو يكتب حركات الأجساد وهي تمارس الحب في معناه المادي بلغة تقريرية تسجيلية( تمرير الشفتين علي الخد والعنق واتحاد شفاه الجسدين ..)، ويقول ما وقع في غرفة النوم، أي الجنس، بلغة مستترة إيحائية تقول معني الجنس بالنسبة إلي الأنا أكثر مما تقول الجنس نفسه كفعل مادي ملموس، أي أن معني الجنس الذي يوحي به المحكي هو معني روحي وجودي أكثر مما هو معني مادي غريزي(كان للفعل ـ فعل الجنس ـ نداء من عمق لذة الوجود). إن الجنس هو أكثر من مجرد التحام بين جسدين ماديين: ” في معركة السرير هناك الرعشة لكل شيء، للموت وللحياة” (ص24). وتكتب نصوص الكاتبة الجنس في علاقته بالعنف والألم، كما في هذا المثال: ” نهش جسدها بوحشية كأنه يفرغ وحشيته الرازحة منذ سنين” (ص 16). وتقول احتراق الجسد الأنثوي علي فراش رجل بارد أو عاجز، كما في هذا النموذج:”خلع ثيابه عنه، ثم أخذ يعتصر جسدها بدون أن يتلفظ بكلمة وبدون مداعبات. يتصبب جسده عرقا عندما يلامس جسده جسدها الذي يهب نفسه دون أن يتأوه، وفي غفلة من زمن الفعل دفع بها بعيدا… جلس هنيهة يلتقط أنفاسه، اعتراه ارتخاء وشف الفضاء أمامه. ارتدي ثيابه وأسرع في خطوه … وجملة تثقب جدار رأسه، ترددها زوجته كلما اختليا في مخدعهما: أنت رجل عاجز، لا أشعر معه بأني امرأة كاملة الأنوثة.” (ص61). وانطلاقا من هذا النموذج، يمكن القول إن كتابة الجنس عند وفاء مليح تختلف عن الكتابة البورنوغرافية بالمعني السائد، لأنها علي عكس هذه لا تقوم علي فكرة فحولة الرجل وقوته الجنسية، بل إن قصص وفاء مليح تقول عجز الرجل وفشله الجنسي وقوة المرأة وفحولتها، وهي بذلك كأنها تؤسس كتابة بورنو ـ غرافية تنقلب فيها موازين القوي، وتنتزع الفحولة من الرجل لتمنح للمرأة، أو علي الأقل تنظر إلي الجنس كممارسة ينبغي أن تقوم علي التوازن والتكافؤ والتعادل بين الرجل والمرأة.. 3 ــ 2 ــ 3 ــ كـتـابـة الـشـذوذ الـجـنـسـي: ما يثير في نصوص وفاء مليح أنها تكتب الشذوذ الجنسي، وتربطه بالحرمان والقهر والوصاية التي يعاني منها الجسد الأنثوي. ففي قصة: حلم نزق، يتعلق الأمر بمراهقة تكتشف ” جسدها الذي أصبح ضاجا يختزن نكهة الافتتان بالحياة، يصيبها دوار من حين لآخر جراء موجة الأسئلة المحمومة حول أسرار الجنس واغواءاته المثيرة” (ص 32). ولما أرادت أن تقترب من هذه الأسرار، توجهت إلي أمها تستعين بها، لكن هذه الأخيرة صدّتها وعنّفتها هي التي لم تكن تري في جسد ابنتها غير ” قنبلة متحركة يجب الانتباه إلي كل حركة تصدر عنه.” (ص 32). ولأن أمّها منعتها من مرافقة الذكور ومجالستهم، فانه لم يكن أمامها غير صديقتها:” في حمّي البحث والاندفاع، أحسّت ميلا شديدا نحو صديقتها، لمع في عينيها ذاك البريق الذي يشعّ عندما يتملك الجسد الرغبة والاشتهاء. شعور بالرغبة لم يخالجها وهي أمام الجنس الآخر. همست لها تبوح بكلمات الشبق المسعور، توسّدتا الفراش واستسلمتا لمعركة الجنس تكتشفان جسديهما الغضين..” (ص34). واللافت في هذا النص أنه يفاجئنا في نهايته بأن الأمر لم يكن إلا حلما، أي أنه يحوّل الحدث الجنسي الشاذ إلي شيء متخيّل، فهذه الفتاة المراهقة لم تضاجع صديقتها حقيقة، وجسدها المحكوم عليه بالركود لا يمكن أن يتفجر إلا في الحلم، لأن فيه فقط يمكنه أن يحقق رغبته الممنوعة، وأن يعيش حياته الجنسية، ولو بشكل شاذ، فإذا كان المجتمع يمنع الاختلاط بالذكور، فان ما لا يعرفه المجتمع هو أن الرغبة الجنسية لا تشترط في الجسد الآخر أن يكون بالضرورة من جنس مختلف، ذلك لأن العلاقة الجنسية تمرّ أولا عبر الأجساد وليس عبر الهويات الجنسية. ومن هنا فالجسد قد يضاجع نفسه أيضا: ففي قصة: جوع بارد ، وجدت المرأة العانس نفسها أمام رجل عاجز لا يستطيع أن يوصل جسدها الجائع إلي لذّته، فما كان منها إلا أن استعانت بأصبعها من أجل بلوغ ما فشلت في بلوغه مع الرجل :” افترشت أمينة اللحاف مرة أخري، تذيب مشانق التشظي، تبحث عن اللذة التي لم تصلها مع البائع وتضاجع نفسها، تترك أصبعها يغوص في بحيرتها الدافئة، يثير وخزا شهيا، تتحسس حلمتي ثدييها، تتأوه، حينها تشعر بالنشوة تغمر حنايا جسدها، في عينيها برق وهج جميل تصغي إلي ذبذبات متعتها الداخلية” ( ص62). وفي الحالتين معا( حالة المراهقة، حالة المرأة العانس)، نكون أمام جسد أنثوي يعاني الاغتراب في مجتمع ذكوري قاهر، فهو محاصر من طرف المجتمع الذكوري القاهر، وتتعرض رغائبه الجسدية الجنسية الطبيعية للمنع والكبت والحرمان، ولا يمارس حريته ويحقق لذته إلا علي مستوي الأحلام والاستيهامات، وبشكل انفرادي انعزالي، في غياب آخره. ففي نصوص الكاتبة يتمتع الجسد الأنثوي المقموع المكبوت بلذّاته في عزلته وانفراده، فيتحول إلي ذات الجنس وموضوعه، أي إلي عاشق ومعشوق. ومن هنا، فان كتابة الجسد والجنس والشذوذ تعني كذلك، وربما بالأساس، بحثا عن جسد غائب، وجنس لم يتحقق، ورغبة محكوم عليها أن تبقي جائعة، وآخر مفتقد علي الدوام. ولهذا كان لهذه الكتابة طعم آخر، فهي لا تكتب اللذة فقط، بل الألم أيضا، وهي مثل الحلم والاستيهام، تقول نقصان الواقع وفقره، وتسعي إلي تحقيق الرغبة علي مستوي المتخيل وتحت ضغط الاخصاء والفقدان. وهنا يفرض سؤال نفسه: أليست الكتابة هي الأخري بحثا عن جسد غائب، عن جنس لم يتحقق، عن رغبة محكوم عليها أن تبقي جائعة، عن آخر مفتقد علي الدوام؟ ألا يستدعي الأمر أن نعيد النظر في علاقة الكتابة بالجسد والجنس؟ أنكتب بالكلمات فقط أم أننا نكتب بأجسادنا أيضا؟ أيوجد الجنس في مضمون الكتابة فقط أم أنه موجود في أساس سيرورة الكتابة؟ أليس فعل الكتابة فعلا جنسيا ؟ ألا تشبه اللذة التي يحصل عليها الإنسان، ذكرا وأنثي، من وراء الكتابة كما من وراء القراءة تلك اللذة الجنسية؟ وإجمالا، فان وفاء مليح لا تقول الجسد والجنس بلغة تقريرية تسجيلية فقط، بل إنها تستثمر النفسي والحلمي والخيالي، وتقدم بنية قصصية شديدة الإيحاء والتكثيف والترميز، وهو ما يجعلها أقرب من بنية الشعر. وما يمنح الكتابة قوتها في نصوص الكاتبة أنها تقول الرغبة التي موضوعها غائب. والرغبة باعتبارها فقدانا هي، كما قال ت. تودوروف في كتابه: شعرية النثر(1971)، الموضوع الجوهري والبنيوي الخاص بالأدب: بكلامه عن الرغبة يستمرّ في الحديث عن نفسه.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية