الفادن غناء فحسب لحميد العقابي: تغريبة شعرية داخل السياق
كريم ناصر الفادن غناء فحسب لحميد العقابي: تغريبة شعرية داخل السياقأوّل ما تتصفّح المجموعة الشعرية المسمّاة (الفادن) تُصادفك شفافية اللغة المهندسة بوعي عالٍ، والمبنية جوهرياً علي عناصر لا تخرج البتّة علي بنية اللغة الشعرية.. وانطلاقاً من الجوّ العام للقصائد، يتّضح لنا أنَّ العقابي يحرص علي اشاعة نوع أدبي مختلف لخلق تغريبة شعرية في سياق النص، كدلالة للبحث عن أشكال غير تقليدية، أو اجتراح صور متضمّنة وحداتٍ من التجلّي العاطفي، نجد شذراتٍ منه في بعض المقاطع1.وبنفس الطريقة يؤسّس الشاعر لموضوعاته عوالمَ شعرية مختلفة السياقات والمفهومات، من دون أيّ ضغط فكري، أو أيديولوجي، أو نفسي مسلّط عليها من الخارج. انها قصائد لا تعارض صيرورة الشعر، ولا تقف خارج سياقاته.. النهرُ أغنيةُ المدينةِ، أمنياتُ الطفلِ يتبعُ زورقَ الورقليبدأَ رحلةً أولي الي المجهول،مخبأُ عاشقينِ يمارسانِ الحبَّ،نطفةُ خالقٍ شبق.النهرُ معبدُ شاعرٍ يصغي الي الماءِ الذي بدأَ الخليقةَ فانتهتْ بالنفيِ والغرق النهر ص48لكن مع ذلك تبقي المجموعة بنظرنا دوماً، مادة تخضع للتحليل النقدي، والتشريح علي ضوء المعطيات النقدية المعاصرة، وذلك لتقويم النص واعادة انتاجه علي مبدأ الموازنة بين الدال والمدلول، وبين التقنية اللغوية وتقنية الايقاع..انه لمن الضروري جدّاً، أن ننبّه الي أنَّ لغة الكتاب لا تفرض نوعاً من القوانين الصارمة علي القارئ، بوصفه متلقياً أو ذوّاقاً للشعر، الاّ في اطار القراءة التي لا تتطلّب الكثير من الصعوبات. ولتقريب الأمر من ذهن القارئ اللبيب، نقسّم الكتاب الي أربع فئات مختلفة الاتجاهات والرؤية:ـ التخيّل الايروتيكي بين الافتراض والحقيقةـ تغليب الجملة الموسيقية علي المتن الشعريـ الواقعية في التصوير الشعري تلغي الاحساس الجمالي بالدلالةـ الانزياحات اللغوية تجسيد للتجلّي الأدبيـ التخيّل الايروتيكيبين الافتراض والحقيقة:لا يمكننا البتّة القول انَّ معظم الشعر المكتوب استعاري، أو افتراضي يخضع لآلية شعرية معينة، وانه لمن الصعب بمكان القول أيضاً، انَّ هناك شعراً خيالياً بحتاً، أو شعراً واقعياً بحتاً، أو شعراً افتراضياً بحتاً، كما سبق أن قلنا. هناك في الواقع نمطُ شعرٍ يصوغ غالباً مفرداته بدقّة معهودة من صميم الواقع وكينونته المعقّدة، ويأخذ مادته الحيّة منه، كتجلٍّ لتمثّلات ملموسة، مستعارة من الواقعي لا المجازي، ومن غير الواقعي لا الخيالي، لرسم ملامح النص الشعري، والارتقاء به علي (المستوي العاطفي) الذي نتخذه نموذجاً لهذه الفئة، ولكون الثيمات الأساسية يغلب عليها الطابع الغرامي (= الايروتيكي) كما توحي بذلك النصوص الآتية: (طفولة، تسبيح، تردّد، ديك الجنّ، اصغاء، الضلّيل، سيرة، الجسد، واقعية، سراب مالح، الراقص، قصيدة مضادّة الخ).والقصائد أعلاه امّا أن تكون مركبة من مقاطع/كلمات صغيرة عابرة، وامّا أن تكون محتوية صوراً مثيرة فيزيائياً، دون أن تلغي وظيفة الشعر كمدلول وكفن، لكنَّ الشاعر في الأغلب الأعم يشتغل علي النص الجنسي، ليس بوصفه مادة لفعل (الأورغازم) لحظة النشوة، وانما بوصفه ثيمة رئيسة متضمّنة لقطاتٍ من التجلّي الايروتيكي، أو من التخيّل الايروتيكي، كما الحال في: (ديك الجن) و (الراقص). ويكفي أن نعلم أنَّ الشاعر لا يخفي تعلقه بالمرأة المؤلّفة هاجسه الشعري الأول الذي لا يتوقف عند حدٍّ معين، كونها العنصر الأهم المبثوث في النص، أنظر (اصغاء) ص24 علي سبيل المثال.. انه يبدو واضحاً من الثيمة انّ هناك فهماً واحداً لنموذج شعري تخيّلي فرض سطوته علي مهيمنات النص، حتي لو غابت الجملة الايروتيكية من السياق، الا وهو سطوة المرأة التي شغلت مساحاتٍ واسعةً من نص الشاعر.. فهو يحاول جاهداً اظهارها بقوة، واذا ما تعذّر ذلك فيطلقها في مخيّلته مصغياً الي ضحكتها وهي قادمة.وبهذا يحتلّ هذا الصنف الشعريّ مساحة كبيرة من تفكير الشاعر، انطلاقاً من قناعاته التــامة بأهمية الجنس للتواصل الانساني، وتأثيره علي احساسنا الجمالي المتمثل بالانزياحات التي تخترق اللغة بين الافتراض والحقيقة، أو بين الواقع والخيال أو المزج بينهما..يُفرغُ أغلب النقاد المعني الدلالي من (الظواهر العاطفية) والرومانتيكية من دون الأخذ بعين الاعتبار أنَّ العملية الجنسية وظيفة معرفية.الشاعر هنا لا ينتج في رأينا صوراً ميكانيكية/ مجانية مجرّدة من الدلالة، لادراكه أنّ الفعل الجنسي في أغلب الحالات تعبير عن وعي ثقافي، قبل أن يكون تعبيراً عن عواطف معينة، كما أنَّ لغة المعجم العاطفي (2) تتيح مجالاً واسعاً لانتاج نمط من الشعر الدلالي، أكثر مما تنتج شعراً ذاتياً. تستوي النارُ علي عرشِ الجسدكإلهٍ مُستبِد حاول العاشقُ أن يُطفئها برضابِ القبلاتحاول الصوفيُّ أن يُطفئها بترابِ الصلواتحاول الشاعرُ أن يدلقَ نهراً فغرقبيدَ أن النارَ تزدادُ أُواراً أحرقت كلَّ الجسد فتواري الجسد ص44 تغليب الجملة الموسيقيةعلي المتن الشعري:من المعلوم أنَّ الشاعر يحاول قدر الامكان التمسك بالوزن والقافية، معتمداً علي نظام عروضي، نفهم منه أنه توافقي مرتبط بجوهر الخطاب الشعري نفسه، وليس نظاماً نمطياً صارماً، كما الحال في القصيدة العمودية ذات الطبيعة الموسيقية العالية..والحقيقة أنَّ النظام العروضي الموضوع أصلاً من الخارج، يفرض دائماً (نمطاً زخرفياً) من شأنه أن يحدّد النص تركيباً وبناءً، ويروّضه في اطار القافية والجناس والوزن والايقاع.. وتبعاً لذلك نلاحظ الشاعر لا يتردّد مطلقاً في الرجوع الي نظام الشعر العروضي، حتي لو أخضع نصه الي ضرورات عروضية شكلية، ولكن هل من الرجاحة الالتزام بمثل هذا المبدأ لنظم الشعر الحديث؟ فنحن نعلم أنَّ الايقاع يمكن أن يغدو شاذّاً، اذا تعارض مع التراكيب اللغوية، ويكفينا أن نعرف أيضاً أنَّ نفي المدلول لأجل اثبات الدال (= السمات العروضية) لا يؤكد الاّ خطل التوزيع غير المتكافئ، بين الايقاع والدلالة، والفونيمات (الأشكال الصوتية) المتماثلة، والنبر، والتناغم، والمعني الخ.. هذا اذا ما اعتبرنا أنَّ الوزن يفرض غالباً أسلوباً تصويرياً واقعياً، لا يخدم العملية الشعرية.. انَّ ما يشفع لشاعرنا العقابي هو قيامه بالتوزيع العادل نسبياً للعناصر الوظيفية، خالقاً في الوقت ذاته لغة شعرية متوازنة الجمال، ولكن مع ذلك لا ننفي، تصميم الشاعر علي الرجوع الدائم الي الشعر الموزون وانحيازه التام له، مما أدّي الي تخلخل أغلب الأنساق الشعرية التي تتطلّب تقنيات حداثية، لا تقنيات الايقاع، مثال ذلك: (وطن، الحانة، مكابرة) الخ.الواقعية في التصوير الشعري تلغي الاحساس الجمالي بالدلالة:انَّ ما نسمّيه الواقعية في لغة الشعر، لا يناقض مبدأ التأويل الشعري فقط، وانّما يتعارض معه أيضاً في انتاج المعاني الدلالية، والواقع أنَّ جوهر الفن الحقيقي، لا يتحقّق بفعل ميكانزم اللغة النمطية التي لا تعبّر عن حقيقة الشعر المعياري الخالص. فانّ الفعل الشعري يكون قائماً دائماً علي التأويل، وجوهر الفن علي الصور البلاغية مثلما يذكر لنا ذلك (جان كوهن). أمّا اذا اعتبرنا أنَّ الواقعية فن معياري، فنكون بذلك قد جنينا علي الشعر، ولتأكيد ذلك يبقي ضرورياً أن نذكر أسباب تداعيها في نقطتين متباينتين.. أولهما: تغليب النموذج الذاتي/ المباشر علي الموضوعات التي تُعني بالفن الدلالي. وثانيهما: تفضيل الايقاع وتجسيده في الصورة الشعرية، تماشياً مع حفظ النمط، كما بيّنا ذلك قبل قليل3. انَّ الشعر الواقعي ـ المفرط في الوضوح ـ يسعي الي نفي المعني الدلالي، ونفي الانزياح اللغوي الذي يؤدي بالتالي الي نفي الشعرية.لم تنجُ المجموعة الشعرية (الفادن) من جوّ الواقعية الذي يغلّف معظم نصوص هذه الفئة، واذا ما نجح الشاعر في ترميم المستوي الصوتي، بوضع سياقات له في كلّ موضع، غير أنّه استعصي عليه وضع بدائل لغوية استعارة/ مجاز/ انزياح تحّقق نوعاً من الموازنة بين الدال والمدلول (الصوت والمعني) ولكن هذا لا يعني في النتيجة أن ننكر أنَّ القصائد المذكورة شكلاً وبنية وتجسيدات، لا تشهد تقنيناً صارماً في السمات اللغوية التي مبدأها الأساس الاختلاف، لا التقليد بمستوياته الضيّقة. واذا ما تعمّقنا في البحث، سنكتشف حتماً مقاطعَ شعرية في هذه الفئة، تتجاوز أُطر التعابير النمطية، مما ندعوه بالشعر الواقعي.. انَّ العقابي يعرف مسبقاً أنَّ الشاعر خالق للنص وليس كاتباً له، علي وفق مقتضيات مفهومية وواقعية.. كما أنَّ الشاعر الحقيقي لا يخضع قطعاً لأية ضرورة شاذّة، اذا كان الاختلاف شغله الشاغل.. لنأخذ هذا المقطع من قصيدة (عبور) علي سبيل المثال: تلك منائرُ الكرخِ المضيئةُ طعمُ دجلةَ في فمي ـ ههْ ..أين؟تلك كنائسُ المنفي وذاك النجمُ نجمُ القطبِ انّا نعبرُ البلطيقَ نورستي وداعاً للعراق عبور ص82الانزياحات اللغويةتجسيد للتجلّي الأدبي:مع أنَّ الشاعر يشتغل في أغلب الحالات علي النص الشعري، بمستوييه (الصوتي والدلالي)4 جاعلاً من الايقاع مقياساً للشعر، غير أنه لا يني يفرد في بعض المواقع، مساحة لقصائد غير معنية بالايقاع، هذا اذا لم ننس أنَّ العقابي كتب شعراً من صنف قصيدة النثر التي تُسمّي منهجياً بالقصيدة الدلالية المعتمدة علي تقنيات تعارض البني التقليدية بطريقة أو بأخري(5).مهما يكن فانَّ ما نعرفه عن الشاعر، مواظبته الدائمة علي خرق اللغة بما نسمّيه الضربة الشعرية6 وتحييد النمط، سعياً منه لايجاد لغة شعرية متكاملة الملامح رؤية وتجسيداً.. واذا ما عدنا الي دراسة هذه الفئة، علينا في الأول الحديث عن السمات الشعرية الممثّلة بالانزياحات اللغوية، لاثبات أنَّ الشاعر لم يترك سمة الاّ واستقي منها قيمتها الدلالية، علي اعتبار أنَّ كلّ شكل أدبي لا يعدو دلالياً، اذا لم يجسّد انزياحه الصوتي واللغوي والجمالي.ہ شاعر من العراقهوامش(1) مثل: (خطأ صحيح، طفولة، نموذج، مكابرة، مشهد أخير، قصيدة مضادّة، الفادن) مسافة الغناء ص96 . (2) المصطلح مقتبس من كتاب بنية اللغة الشعرية لـ (جان كوهن).(3) أنظر القصائد: (غناء، الناي، الغجري، عودة، سيرة، مقبرة، بصيرة، المنبت، جحيم، بخفّيْ حنين، الي وحدي، المعني، أغنية الختام، رحيل).(4) يسمّي (جان كوهن) هذا الصنف بالشعر الكامل. (5) أنظر الي المجموعات الشعرية أيضاً (واقف بين يدي، تضاريس الداخل، حديقة جورج). (6) مثل: ((انفرطت اذن معارفكَ مثل حبّاتِ الرمّان علي سطح الزئبق)) مسافة الغناء ص96(فلم يعدِ الزغبُ زغباً) غير أنَّ للقرادِ الذي في دمي رائحة تثيرُ شهوةً القرش)) نفس النص ص970