الفاشر: المجاعة تحاصر المدنيين والكوليرا تحصد الأرواح وتداعيات سيول وأمطار كارثية في السودان

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: في مشهد يعكس عمق الكارثة الإنسانية في السودان، تبدو مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، اليوم كأنها مدينة تحتضر. حصار مطبق، قصف مدفعي متواصل، ومجاعة قاتلة تدفع الأسر إلى التهام «علف المواشي» للبقاء على قيد الحياة. الكوليرا تفتك، والأطفال يموتون جوعًا، فيما تغرق العاصمة الخرطوم وولايات الشرق في كوارث بيئية وصحية سببها السيول والأمطار، وسط غياب شبه تام لأي استجابة فعالة من المجتمع الدولي.
في ظل تفاقم الأوضاع، أجرى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اتصالاً هاتفيًا برئيس الوزراء السوداني، كامل الطيب إدريس، ناقش فيه الوضع الإنساني المتدهور في الفاشر. إدريس دعا الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى اتخاذ إجراءات فورية لرفع الحصار المفروض على المدينة من قبل قوات الدعم السريع، ووقف الانتهاكات بحق المدنيين، معتبراً أن ما يحدث «يفوق حدود الكارثة».

قوافل الإغاثة تستهدف
والمجاعة كسلاح حرب

في حادثة ليست الأولى من نوعها، تعرّضت قافلة مساعدات إنسانية تابعة لبرنامج الأغذية العالمي، الأسبوع الماضي لهجوم في شمال دارفور. ثلاث شاحنات دُمّرت بالكامل، واحترقت حمولتها التي كانت مخصصة لعشرات الآلاف من المدنيين. المنظمة الدولية أدانت الهجوم، واعتبرت منع الإغاثة «جريمة حرب». مدير برنامج الأغذية العالمي في المنطقة، إريك بيرديسون، قال: «بدون وصول فوري ومستمر للمساعدات، سيموت العديد من سكان الفاشر».
البرنامج طالب بتمويل طارئ قدره 645 مليون دولار لتلبية الاحتياجات العاجلة خلال الأشهر الستة القادمة، مؤكدًا أن مئات الشاحنات جاهزة للإرسال لكنها ممنوعة من المرور بسبب غياب الضمانات الأمنية.

أبوشوك ونيفاشا: معسكرات الموت

داخل مخيمات النازحين في الفاشر، كمخيمي أبوشوك ونيفاشا، تتجلى فصول أخرى من المعاناة. تقارير ميدانية تؤكد استخدام «التجويع كسلاح»، عبر منع دخول الأغذية والإمدادات الطبية. وتحدثت منظمات حقوقية عن «استراتيجية خنق ممنهجة»، ترقى إلى جرائم حرب.
وفي تموز/يوليو الماضي، حذرت تنسيقية لجان المقاومة في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، من أن قوات الدعم السريع شرعت في حفر خنادق، حول المدينة المحاصرة منذ أكثر من عام.
واتهمت قوات «حميدتي» بحفر تلك الخنادق لمنع وصول المساعدات الإنسانية بينما يموت أهالي الفاشر بسبب الجوع والنقص الحاد في الدواء.
وفي معسكر نيفاشا للنازحين، في الفاشر، وقعت مأساة أخرى هزت وجدان المدينة. فقد لقيت أسرة مكونة من ستة أفراد مصرعها، بينهم أطفال ونساء مسنات، بعد تناولهم «الأمباز» وهو بقايا طحن الحبوب ومخلفات الزيوت الذي يستخدم عادة كعلف للحيوانات، وذلك بعد أن أعياهم الجوع ولم يجدوا ما يسد الرمق.
لجان المقاومة أعلنت أن الأسرة توفيت بصمت، بدون أن يتم اكتشاف وفاتها إلا بعد فوات الأوان. وأوضحت أن أفراد العائلة المكونة من جدتين والأم وثلاثة أطفال، لجأوا إلى تناول الأمباز المسموم، ظنا منهم أنه قد ينقذهم من الموت جوعا، لكنهم سقطوا تباعًا من دون أي تدخل أو إسعاف.

المطابخ الجماعية تتعثر

في مواجهة الجوع، اعتمدت أحياء الفاشر على مطابخ تطوعية جماعية تُعد الوجبات للفقراء والنازحين. لكنها سرعان ما بدأت تتوقف واحدًا تلو الآخر بسبب نفاد الموارد وعدم وجود أي دعم.
هذه المطابخ كانت الأمل الوحيد لعشرات الآلاف، لكنها اليوم تصارع من أجل البقاء، في ظل رفض الدعم السريع لأي هدنة إنسانية تسمح بإدخال الغذاء والدواء.
وتقول لجان المقاومة في مدينة الفاشر إن كل مبادرة مدنية تُواجه بالتصفية، وإن الدعم السريع يقتل من يحاول إدخال بضائع أو مساعدات للمدينة، في سياسة ممنهجة لتجويع السكان.

مناشدات عاجلة وخطر كارثي

في خضم هذه الكارثة الإنسانية، تطلق غرف الطوارئ المحلية، والمنظمات الحقوقية، وممثلو لجان المقاومة، نداءات عاجلة للمجتمع الدولي للتدخل السريع لوقف نزيف الأرواح في دارفور، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
وحملت قوات الدعم السريع، بصفتها الطرف المسيطر ميدانيا على المنطقة، المسؤولية عن ما يجري من قتل وتجويع ممنهج، وعرقلة جهود الإغاثة، مؤكدين أن هذه الانتهاكات قد ترقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ودعت المنظمات المحلية والدولية إلى الضغط من أجل فتح ممرات إنسانية آمنة لنقل الغذاء والدواء والتحقيق الفوري في الجرائم المرتكبة ضد المدنيين الفارين من الفاشر.

الكوليرا تفتك بلا رحمة

تفشي وباء الكوليرا زاد من تعقيد الوضع الإنساني. بحسب منسقية النازحين، فإن عدد الحالات المسجلة بلغ أكثر من 8.100 إصابة و346 وفاة حتى أواخر آب/أغسطس. مناطق مثل طويلة، جبل مرة، نيرتيتي، ومخيمات النازحين تشهد أعلى معدلات الإصابة، وسط غياب شبه تام للكوادر الطبية والعلاج.

مقابر مفتوحة بين الفاشر وطويلة

نداءات استغاثة أطلقتها غرفة طوارئ الفاشر، للفت الأنظار إلى أكثر من 200 جثة ملقاة على الطريق الرابط بين الفاشر ومحلية طويلة. الضحايا، حسب تقارير، إما ماتوا عطشاً وجوعاً أو نتيجة إطلاق النار، أو بسبب المرض والإرهاق. البعض توفي بعد أن تاه في التضاريس القاسية محاولاً الهرب من القتال.
ووصفت الطريق بأنه «ممر للموت»، محمّلين قوات الدعم السريع مسؤولية مباشرة، ومطالبين بتدخل دولي عاجل لدفن الجثث ومنع انتشار الأوبئة.

قصف الأسواق والمنازل

قوات الدعم السريع كثّفت قصفها المدفعي على مدينة الفاشر، مستهدفة السوق المركزي وحي أولاد الريف، وفق شبكة أطباء السودان. الأربعاء؛ قُتل 24 مدنيًا وأصيب 55 آخرون، بينهم خمس نساء. ووصف الأطباء الهجوم بـ«المجزرة البشعة»، محمّلين المجتمع الدولي مسؤولية التقاعس عن وقف الانتهاكات.
وقالت تنسيقية لجان المقاومة بالفاشر: «نعد الأموات أكثر من الأحياء. المدينة تُقصف بلا توقف، لا دواء، لا طعام، لا ماء. أنقذونا».
وأشارت تقارير أممية إلى أن مئات الأطفال لقوا حتفهم جوعاً، خصوصًا في مخيم أبو شوك، الذي يُعد من أكثر المناطق تضرراً. فيما أكدت لجان المقاومة أن الدعم السريع قام بحفر خنادق حول المدينة لمنع دخول أو خروج أي مساعدات، في ما وصفته بـ«جريمة إبادة جماعية صامتة».

عراقيل في وصول المساعدات

أعرب الأمين العام عن استيائه الشديد من الهجمات المتواصلة التي تشنها قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر.
والجمعة، قال المتحدث باسم الأمين العام ستيفان دوجاريك، تخضع مدينة الفاشر لحصار خانق منذ أكثر من 500 يوم، حيث يحاصر مئات الآلاف من المدنيين في المنطقة. وشهدت الأسابيع الأخيرة قصفًا شبه متواصل للمنطقة، وتوغلات قاتلة متكررة في مخيم أبو شوك للنازحين، حيث حُددت حالة المجاعة هناك في كانون الأول/ديسمبر 2024. منذ 11 آب/اغسطس الجاري، وثّقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 125 مدنيًا في منطقة الفاشر، بما في ذلك عمليات إعدام بإجراءات موجزة، ومن المرجح أن يكون عدد القتلى الفعلي أعلى من ذلك.
وأشار إلى قلق الأمين العام للأمم المتحدة إزاء المخاطر الجسيمة المتمثلة في وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، بالإضافة إلى انتهاكات وتجاوزات للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك تلك ذات الدوافع العرقية.
وأكد على تجهيز الإمدادات مسبقًا في مكان قريب، لكن جهود الأمم المتحدة وشركائها لنقلها إلى الفاشر لا تزال تواجه عراقيل. حيث شهدت الأشهر الأخيرة هجمات متكررة على العاملين في المجال الإنساني وممتلكاته في شمال دارفور.
ودعا الأمين العام إلى وقف فوري لإطلاق النار في منطقة الفاشر وما حولها. مبديا إصراره على ضرورة اتخاذ خطوات فورية لحماية المدنيين وتمكين إيصال المساعدات الإنسانية إلى المنطقة بشكل آمن ودون عوائق ومستدام، والسماح لأي مدني يرغب في مغادرة المنطقة طواعيةً بمغادرتها بأمان.
وقال أن المبعوث الشخصي للأمين العام، رمطان لعمامرة، سيستمر في التواصل مع الأطراف المتحاربة. وهو على أهبة الاستعداد لدعم الجهود الحقيقية لوقف العنف وإقامة عملية سياسية شاملة يطالب بها شعب السودان.

جرحى ونقص حاد في الدم

وبينما تتجدد المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، في الفاشر كل يوم، ما يزال عشرات القتلى والجرحى يواجهون الموت في ظل النقض الحاد في المعينات الطبية وقصور بنك الدم.
وأطلقت شبكة أطباء السودان نداءً عاجلًا إلى سكان المدينة للتوجه الفوري إلى بنك الدم في المستشفى الجنوبي، والتبرع بالدم لإنقاذ المصابين الذين يتوافدون إلى المستشفى في «حالات حرجة». وجاء في النداء: «حياة العشرات الآن متوقفة على توفر الدم بشكل عاجل، من بينهم أطفال ونساء حوامل، ولا سبيل لإنقاذهم إلا من خلال التبرع الفوري».
ويعيش سكان الفاشر تحت وطأة القصف المتواصل، والهجمات البرية وسط انقطاع شبه تام للخدمات الطبية، مما دفع منظمات إنسانية إلى التحذير من تداعيات «الكارثة الصحية» في المدينة.

السيول تفاقم الكارثة
في أنحاء البلاد

تزامناً مع المأساة الإنسانية في دارفور، تعرضت ولايات السودان الأخرى لفيضانات وسيول كارثية، أودت بحياة العشرات وشردت الآلاف.
في ولاية نهر النيل، لقيت عائلات مصرعها نتيجة لانهيار منازل بعد أمطار غزيرة. بينما فاض في ولاية كسلا، نهر القاش وأغرق ست قرى بشكل شبه كامل، مشرداً أكثر من 320 أسرة، وسط خطر تفشي الكوليرا والإسهالات المائية.
وفي العاصمة الخرطوم، تسببت الأمطار في ركود مياه مما أدى إلى انتشار كثيف للبعوض، وتزايد حالات الملاريا، حمى الضنك، والكوليرا. غرفة طوارئ محلية حذّرت من «كارثة صحية وشيكة»، داعية إلى تدخل عاجل قبل انهيار كامل للنظام الصحي.
وأطلقت غرفة طوارئ الخرطوم، نداءً عاجلاً إلى المنظمات الإنسانية والجهات الحكومية، محذّرة من كارثة صحية وشيكة تهدد العاصمة السودانية، في ظل التدهور البيئي والصحي الناتج عن تراكم النفايات وتفاقم الوضع عقب موسم الأمطار.
وقالت الغرفة إن المرافق الصحية في الخرطوم تشهد «تكدسًا غير مسبوق» بحالات الإصابة بأمراض وبائية مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا، مشيرة إلى أن الأوضاع تنذر بانهيار النظام الصحي في حال استمرار غياب الاستجابة الرسمية الفعالة.
وأوضحت أن تراكم الأوساخ في الشوارع، إضافة إلى ركود المياه في مناطق واسعة من العاصمة، ساهم بشكل مباشر في تكاثر نواقل الأمراض، وعلى رأسها البعوض والذباب، ما أدى إلى تسارع معدلات الإصابة خاصة في الأحياء الطرفية والمناطق منخفضة الخدمات.
وطالبت المنظمات المحلية والدولية، بالإضافة إلى الجهات الحكومية ذات الصلة، بالتدخل العاجل للسيطرة على الوضع، و«إنقاذ ما يمكن إنقاذه»، محذرة من أن التأخر في التدخل قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على انتشار الأمراض المنقولة بالمياه والبعوض، ووقوع وفيات على نطاق أوسع.
كما ناشدت السودانيين المقيمين في الخارج للمساهمة في دعم جهود مكافحة البعوض من خلال إرسال الناموسيات وأدوية الرش الوقائي، في ظل النقص الحاد في هذه المستلزمات داخل الأسواق المحلية، والتي ارتفعت أسعارها بشكل كبير نتيجة ضعف سلاسل الإمداد.
وفي المقابل، أعلنت وزارة الصحة بولاية الخرطوم أنها نفذت عمليات رش ضبابي في عدد من أحياء العاصمة لمكافحة نواقل الأمراض، ضمن خطة طوارئ صحية محدودة النطاق.
ورغم هذه الإجراءات، ترى غرفة الطوارئ أن الجهود الحكومية «لا تزال دون المستوى المطلوب»، مؤكدة الحاجة إلى خطة شاملة للتدخل البيئي والصحي، تشمل إزالة النفايات، وتجفيف المستنقعات، وتوفير أدوات الوقاية، وتكثيف التوعية المجتمعية.
يأتي ذلك وسط تحذيرات من أن استمرار الوضع بهذه الصورة قد يؤدي إلى تصاعد حالات الوفاة، خاصة في صفوف الأطفال والمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة، الذين لا يستطيعون تحمّل آثار العدوى المتكررة أو الأدوية غير المناسبة.
وشهدت مدينة مروي في الولاية الشمالية انقطاعًا في الطرق الحيوية بسبب السيول، بينما انهار خط السكة الحديد في ولاية البحر الأحمر، ما أعاق حركة النقل الأساسية في الشرق.
ولا يعد ذلك إلا البداية في ظل توقعات بهطول أمطار غزيرة، حيث أطلقت الهيئة العامة للأرصاد الجوي «إنذارًا برتقاليًا» شمل ست ولايات، متوقعة هطول أمطار «عنيفة وغير مسبوقة» خلال الأيام المقبلة. وأوصت برفع درجات الاستعداد القصوى.

التحرك
الدولي محدود

رغم حجم المأساة، لا تزال استجابة المجتمع الدولي «محدودة وضعيفة». الأمين العام للأمم المتحدة دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في الفاشر، وتمكين وصول المساعدات. كما أكد أن تصرفات قوات الدعم السريع قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية»، مشدداً على ضرورة فتح ممرات إنسانية فورية وآمنة.
لكن على الأرض، لا يزال المدنيون يموتون جوعاً ومرضاً وقصفاً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية