الفاشية الجديدة في اوروبـا
د. عبد القادر حسين ياسينالفاشية الجديدة في اوروبـا ارتفعت اربعة اعلام تحمل الصليب النازي المعقوف فوق قبة الكاتدرائية الكاثوليكية في فرانكفورت خلال الليل، كما رُسم الصليب المعقوف علي جدران المبني. وتبحث الشرطة (الالمانية) عن شخصين مقنعين كانا قد هربا علي دراجتين، بعد ان استوليا علي مبلغ 280 الف يورو، خلال هجوم علي احد اندية القمار. وقد هدد الرجلان المقامرين بواسطة السلاح، وسلباهم ما معهم من نقود . صحيفة فرانكفورتر الغماينة تسايتونغ ، 25 نيسان (ابريل) 2006.الفاشية، كوباء اجتماعي خطير، لم يزل بزوال الانظمة الفاشية في المانيا وايطاليا، بل بقيت جذورها (التي لم تستاصل اصلاً) تستمد الحياة والاستمرار من تربة الازمات التي تجتاح المجتمعات الاوروبية. وتشير كل الدلائل الي ان خطر انبعاث الفاشية ما زال قائماً حتي الآن. يؤكد هذا بروز احزاب واسعة الانتشار يمارس اعضاؤها نفس اساليب الفاشية التقليدية، ولو بلون جديد. فهم يتحدثون عن الديمقراطية، ولكنهم لا يتورعون عن شن حملات القتل والقمع والارهاب ضد العناصر التقدمية والديمقراطية. وهم، في بعض الدول، يمارسون اللعبة البرلمانية، ومع ذلك يتهمون المؤسسة البرلمانية (وغيرها)، بالعفوية والعجز، ويدعون للقضاء عليها. وهم ينادون بالعدالة الاجتماعية، ولكنهم يقيمون اقـوي التحالفات مع الاحتكارات الضخمة التي تلتهم فكرة المساواة الاجتماعية، ويعادون الاحزاب التي تناضل من اجل مجتمع اكثر عدالة. واخيراً، فهم يقولون باستقلال بلادهم (المانيا الاتحادية)، ولكنهم يتبعون سياسة مُغرقة في العنصرية والتعصب ازاء القوميات والشعوب الاخري، وحتي الشعوب الاوروبية نفسها.وهذا المقال لن يعالج القضايا بتاريخ الفاشية واسباب ظهورها؛ وانما يحاول الاجابة علي سؤالين رئيسيين:الاول: من المعروف ان الفاشية، في المانيا وايطاليا، لم تُحطم بواسطة ثورة داخلية، او انقلاب، او حركة جماهيرية، وانما انهارت بفعل عوامل خارجية. والسؤال المطروح هو: لماذا عمّرت الانظمة الفاشية التقليدية هذه الفترة الطويلة من الزمن؟ وما سُّر ذلك؟الثاني: ما هي اسباب النجاحات التي تحققها الفاشية الجديدة، علي الرغم من المجازر والمآسي التي ارتكبتها الحركة الام (الفاشية) بحق الشعوب والافراد؟في معرض الاجابة علي السؤال الاول، لا بد من التاكيد علي ان فترة ظهور الفاشية قد توافقت، زمنياً، مع مرحلة الازمات الاقتصادية الاجتماعية الحادّة، التي المت بالعالم الغربي في العشرينات. وبفضل ظروف اجتماعية وتاريخية، برزت الفاشية علي المسرح السياسي كقوة وحيدة مؤهلة للخروج من الازمة وانقاذ النظام الاجتماعي القائم، وليس تغييره وهذه نقطة مهمة، لان الانظمة الفاشية لم تقضِ علي الاسس الاقتصادية للنظام القائم. جُلّ ما فعلته هو انها غيّرت شكل الحكم من ديمقراطية غربية الي ديكتاتورية عاتية متسلطة؛ بهدف ضمان هيمنة اكثر الفئات الاحتكارية رجعية. ومع ذلك، فالدكتاتورية الفاشية هي نظام حكم استغلالي من نمط جديد، فهي:اولا: ارهابية؛ لان الفاشيين سعوا، منذ البداية، لتاسيس جهاز حكم قاس يعمل علي مبدأ الطاعة العمياء. وقد مارس النازيون اسلوب التصفية الجسدية الشاملة بهدف القضاء علي معارضيهم السياسيين. ففي المانيا وحدها، ابتلعت مصانع الموت عشرة ملايين شخص، مثل هذا تكرر في ايطاليا، ولو بصورة اقل وقد ادت هذه الممارسات الي ابادة قوي سياسية باكملها، سواء عن طريق القتل او التهجير.ثانياً: جماهيرية؛ فالحركات الفاشية سعت لخلق قاعدة واسعة لها بين الجماهير. وتم هذا عن طريق تملّق الشعور بالسخط لدي الفلاحين، الذين اضطروا للهجرة الي المدينة، ولكنهم بقوا فريسة للجوع والخوف من المستقبل. والاحزاب الفاشية اوهمت صغار التجار والحرفيين ومالكي المصانع الصغيرة بقدرتها علي رفع خطر الاحتكارات الذي يتهدد وجودهم، حتي ان زعيم الفاشية الايطالية، بنيتو موسوليني، كان، حتي بداية الحرب العالمية الاولي، احد القادة الاشتراكيين. الا ان الحزب الاشتراكي فصله بعد فترة. كل هذه المظاهر خلقت انطباعاً بان الفاشية واحدة من الحركات الجماهيرية التي تدافع عن مصالح الفئات المتوسطة وحتي المسحوقة.ثالثاً: ايديولوجية، فقد اهتم الفاشيون، بشكل جدي، بالعمل الايديولوجي. وذلك من اجل زيادة تاثيرهم علي الجماهير وتخريب وعيها، حيث لجأوا الي اسلوب التربية الايديولوجية بروح الفاشية والتفوّق العنصري. ومن اجل تعميم هذه التربية طوّرت النظم الفاشية اساليب واجهزة الدعاية. كما لجأ رجال الدعاية الفاشية الي سرقة الشعارات من مختلف الاحزاب اليمينية واليسارية علي حد سواء. وكان القصد من وراء ذلك ايجاد مجموعات مؤيدة لهم، بين الجماهير وفي صفوف الفئات الحاكمة.نعود، الآن، الي الحديث عن اسباب النجاح الذي حققته الحركات الفاشية الجديدة، وخاصة في الدول الاوروبية. ويمكن ارجاع ذلك الي العوامل التالية:1 – العامل الاقتصادي: الازمات الاقتصادية المتكررة التي حلّت بالدول الغربية؛ وخاصة في الستينات، عمقت التناقضات الاجتماعية بين الجماهير الكادحة واصحاب رؤوس الاموال. هذا الوضع ادي الي بروز ظاهرتين: الاولي، زيادة شعبية الاحزاب الشيوعية والاشتراكية (وخاصة في فرنسا وايطاليا). الثانية؛ تزايد نفوذ الاحزاب الفاشية الجديدة التي تطرح المخرج الرجعي للتخلص من الازمة. وهذا الحل يعني القضاء علي الحكومات العفنة والاحزاب البرجوازية، وخلق دولة قوية قادرة علي التصدي لهذه الازمة. وليس ثمة شك في ان اغلبية الاحزاب المحافظة تحبذ الحل الثاني، اذا ما وجدت نفسها امام حتمية التغيير الثوري. وهذا امر يجعل خطر انبعاث الفاشية قائماً. كما طغت علي السطح مشاكل الشباب: الظلم في نظام التعليم، تمزّق العلاقات الاجتماعية، الفراغ الفكري، ووطأة الهموم اليومية. في البداية، عبّر الشباب عن احتجاجهم علي ذلك، برفض الواقع والهروب منه واتخاذ مواقف سلبية ازاء ما يجري من احداث. ولكن هذه الموجة انحسرت في اواخر الستينات، عندما انفجرت اضطرابات الطلبة في فرنسا (ما يعرف بثورة ايار/مايو) 1968، ومن زعمـائها البارزين كوهين بـنديت، التي هـددت حكم الجنرال شـارل ديغول الذي فكر – كما كشفت مجلة نوفيل اوبزرفاتور الفرنسية في حينه – باللجوء الي القوات الفرنسية المرابطة في المانيا )، وبدأ الشباب، في الدول الاخري، يعبرون عن سخطهم من خلال الانتظام في صفوف الاحزاب السياسية المعارضة للنظام القائم، سواء الشيوعية او الاشتراكية او الاحزاب الفاشية الجديدة.2 – العامل التاريخي: بعد القضاء علي الانظمة الفاشية في المانيا وايطاليا، بقي العديد من انصار هذه الانظمة علي قيد الحياة. ولم تمضِ فترة طويلة حتي عاد هؤلاء الي نشاطهم، وباشروا تأسيس حركات، استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة، ان تتحول الي قوة سياسية متـنـفـذة.3 – العامل السياسي: لا بد من الاشارة الي ان سياسة التهاون، التي اتبعتها الحكومات الغربية في علاقاتها مع القوي الفاشية، لعبت دوراً كبيراً في بروز هذه المنظمات ونموها. ففي العديد من الدول تم الغاء القانون القائل بمنع الاشخاص ذوي الماضي الفاشي من شغل اي منصب، وكانت النتيجة ان الكثيرين من اولئك الذين شغلوا مراكز حساسة ايام هتلر وموسوليني عادوا الي تقـلد مناصب سياسية لا تقل اهمية. وبالاضافة الي ذلك، عقدت بعض الاوساط العسكرية الغربية تحالفات سرية مع المنظمات الفاشية، وذلك بهدف تصفية القوي التقدمية، وممارسة الارهاب ضد الاحزاب الديمقراطية. وهذا عامل رئيس ساهم في تقوية وجود الفاشية الجديدة.4 – العامل المعنوي: ويكمن في حالة التمزق النفسي والروحي التي نتجت عن التطبيق السيئ لمنجزات الثورة العلمية التقنية. يضاف الي هذا، ازمة القيم التي تجلت في بروز مفهوم المجتمع الاستهلاكي . هذا الوضع جعل اناسا كثيرين – وخاصة الشباب – يشعرون بغربة حقيقية عن المجتمع، وحتي بانسلاخ مادي واخلاقي عنه. ولا شك في ان الفرد، الذي وصل مرحلة فقدان الشعور بالانتماء للمجتمع، وضياع الثقة بكل ما يحيطه من قيم، سيكون فريسة سهلة للفاشية الجديدة التي ترفع شعارات برّاقة المظهر عن العدالة الاجتماعية والانتقام من اجهزة السلطة…هذه بعض العوامل الرئيسية التي جعلت الفاشية الجديدة قوة لها وزنها السياسي والجماهيري في المجتمعات الاوروبية.الفاشية الجديدة في المانيا الاتحاديةما كادت الحرب العالمية الثانية تضع اوزارها، حتي ارتفعت اصوات اصحاب رؤوس الاموال والموظفين النازيين تطالب باعادة ممتلكاتهم ووظائفهم. وسرعان ما ظهرت الي الوجود حركات نازية مثل الحزب المحافظ و الحزب الالماني الامبراطوري و الحزب الاشتراكي الراديكالي ، و اتحاد البناء الاقتصادي ، التي تبنت مطالب النازيين القدامي، واستطاعت فرضها علي سلطات الاحتلال .ومنذ ذلك التاريخ، اخذ نفوذ هذه الحركات بالنمو المستمر، وزاد عدد اعضائها بشكل ملحوظ، ولا بد من الاشارة الي ان العمليات التي قامت بها القوات الغربية ضد انصار الفاشية، فيما بعد، كان الهدف منها تمهيد الطريق لاعادة تسليح المانيا الاتحادية. الا ان تزايد خطر النازية الجديدة ، قد وضع انصار التسلح في وضع مربك. فكان لا بد من الحد من انتشار الفاشية الجديدة للمضي قدماً في تنفيذ مخطط الدول الغربية القائم علي تحويل المانيا الاتحادية الي قلعة للنضال ضد دول المعسكر الاشتراكي.ومنذ تلك الفترة بدأت موجة الفاشية بالتلاشي، لكنها عادت الي المسرح السياسي في المانيا الغربية في اواسط الستينات. وكانت هذه المرَّة، اكثر فعاليّة وتصميماً علي انتزاع مواضع لها. وقاد نشاط هذه القوي الحزب الديمقراطي الوطني الذي تأسس في كانون الثاني (يناير) عام 1964. والحزب الفاشي الجديد يرتبط بشكل وثيق مع الاحتـكارات الصناعية في المانيا. ومن المعروف ان هذه الشركات تقوم بتمويل حملات الحزب الانتخابية ومصروفاته التي بلغت عام 2000، ما يزيد علي 20 مليون يورو. كما ان اقطاب الصناعة الالمانية يشغلون مراكز قيادية في هذا الحزب.الفاشية الجديدة في ايطالياعلي الرغم من النفوذ المتزايد الذي تتمتع به القوي التقدمية في ايطاليا، ونجاحاتها الكبيرة في الانتخابات النيابية الاخيرة، الا ان العناصر الفاشية استطاعت ايجاد كيان قوي لها. فشعار فيفا موسوليني (يحيا موسوليني) لا زال يسمع حتي في قلب العاصمة الايطالية. وقبر الدوتشي الموجود في الشمال الشرقي من ايطاليا، يؤمّه الفاشيون الجدد. والحركة الفاشية الجديدة في ايطاليا، ممثلة في احزاب مختلفة اهمها الحركة الاجتماعية الايطالية وتضم هذه الحركة اتجاهات سياسية مختلفة يمكن اجمالها في تيارين:الجناح الكلاسيكي: ويشمل انصار موسوليني والعناصر المحافظة التي تنادي بممارسة الارهاب ضد القوي الديمقراطية. وهذا الجناح يلقي معارضة شديدة من جانب الرأي العام الايطالي الذي عاني من الدكتاتورية الفاشية. ولهذا، ظهر الجناح الآخر، وهو الجناح الليبرالي في الحركة، الذي يرفض العنف، ويدعو لاستخدام العمل السياسي المنظم للوصول الي السلطة. في الانتخابات الاخيرة التي جرت عام 2003، حصلت الحركة الاجتماعية الايطالية علي 9% من مجموع الاصوات، وقد استطاعت الحركات الفاشية الجديدة التسلل حتي الي الدول التي دخلت الحرب ضد المانيا وايطاليا، الا ان نفوذ هذه الحركات ضعيف نسبياً، وذلك لسببين: قوة الحركة التقدمية التي منعت بتحالفها انبعاث الفاشية (كما حدث في فرنسا).توطد النظام البرلماني والتقاليد الديمقراطية التي تمجّ اللجوء الي العنف، والشكل الديكتاتوري للحكم (بريطانيا). ومع هذا، فقد ظهرت في بريطانيا بعيد الحرب 185 منظمة ارهابية فاشية اسست الحركة التحالفية . وتزعم هذه الحركة الدكتور اوزوالد موسلي، الذي كان، قبل الحرب العالمية الثانية، اكبر شخصية فاشية خارج المانيا وايطاليا. وظهرت كذلك الحركة الوطنية الاشتراكية ، التي يتزعمها كولين جوردان. وتجدر الاشارة الي ان الحركة الفاشية انشط نسبياً في فرنسا، حيث لها جذور عريقة. وكانت منظمة الجيش السري (التي بدأت نشاطها عام 1961) من اهم الحركات ذات الطبيعة الفاشية في فرنسا، اضافة لكونها وقفت بقوة ضد استقلال الجزائر. وتشير المراجع الي ان منظمة الجيش السري كانت تضم مائة الف مسلح، وعشرين الف عميل، وثلاثة آلاف من خبراء التخريب. وعلي الرغم من ان هذه المنظمة لم تكن ممثلة رسمياً في الجمعية الوطنية الفرنسية، الا انها استطاعت ايجاد كتلة مؤيدة لها قوامها 90 نائباً. في ذلك الوقت ظهر خطر انقلاب فاشي في البلاد، ولكن هذا لم يحدث لوجود الحركة الديغولية التي تمتعت بمواقع قوية في صفوف اليمين الفرنسي، ولمقاومة اليسار الفرنسي. وبعد انقراض منظمة الجيش السري ، ظهرت حركات فاشية جديدة كـ حركة الانبعاث الوطني و الكتائب الفرنسية . ولكنها جميعها لم تستطع كسب تأييد جماهيري. وعلي الرغم من ان هذه الحركات تنفي اية علاقة لها بالفاشية، الا ان هذا يتم بهدف الوصول الي مواقع قوية، وتجنب الاصطدام بالرأي العام الفرنسي المناهض للفاشية، وخاصة في اوساط المجموعات اليسارية.وبـعــد؛ان الفاشية التي سببت الكثير من المآسي والكوارث، لا تستطيع اليوم ابراز وجهها البشع. ولذا ترتدي اقنعة مختلفة، وتطرح شعارات سياسية لا تؤمن بها احياناً.وعلي الرغم من هذه الاساليب الملتوية التي تلجأ اليها الفاشية الجديدة، الا انها عاجزة عن اخفاء جوهرها العنصري والمعادي لكل القيم الانسانية، وسيظل مكانها – كما كان دائما ً- في مزبلة التاريخ.ہ كاتب من فلسطين8