أدام رازفي أعقاب الثورات في العالم العربي، فان مفهوم ‘الديمقراطية’ يلقى الى الهواء في كل مكان. ولكن استخدام المفهوم دون مضمون محدد يبين كم هي الديمقراطية اصبحت كليشيه يلوح به للعلاقات العامة. في الغالب، فان من يتحدث عن الديمقراطية يقصد الديمقراطية الوهمية لحرية الدعاية، والانتخابات وأموراً هامشية اخرى توجد فيها أهمية، ولكنها ليست الامر الاساسي. وبالذات من يعتقد ان بوجود ‘دعاية انتخابية’ تعبر الديمقراطية عن قمع حقوق الشعوب الشرقية. عندما يتحدث الكثيرون والمتعلمون عن النتائج المباركة التي سيجلبها للعالم ‘التحول الديمقراطي للعالم العربي’، ينسون ان الديمقراطية، حين تأتي وحدها، لا تعد بشيء: حتى في النظام الديمقراطي يمكن الابقاء على الفقر والجمود. بتعبير آخر، يمكن للديمقراطية أن تشكل وسيلة ضد التحديث للمجتمع. عمليا، تاريخ المئة سنة الاخيرة يثبت بان المجتمعات التي اجتازت أولا عملية التحديث وبعدها تقدمت نحو الديمقراطية مستقرة ومتطورة اكثر من المجتمعات التي ‘فرضت’ عليها الديمقراطية وبقيت في جمود وسوء تنمية. النموذج التركي هو نموذج جيد لمجتمع اجتاز الحداثة قبل أن تبدأ عنده سياقات الديمقراطية. ماذا كان اثر اتاتورك، زعيم الجمهورية التركية التي تأسست في 1923؟ إرثه كان التحديث والعلمانية للشعب التركي، الغاء امتيازات النظام السلطاني واقامة نظام مدني، فقد أخذ مجتمعا دينيا يوجد على مسافة أجيال عن الغرب وجعله بسرعة مجتمعا حديثا.
الشاه الايراني، الذي فرض حكما فرديا حتى الاطاحة به في 1979، هو مثال آخر على الحداثة التي سبقت الديمقراطية. ‘الثورة البيضاء’ بريادته كانت نسخا للتجربة التركية الى ايران. ولكن نموذجا على نهاية هذه السياسة قدمه الخميني الذي بعد يوم من الاستيلاء على الحكم ونزعه من الشاه، الغى انظمة الثورة البيضاء. العراق في السنوات الاخيرة هو مثال على النموذج الثاني الذي تبدأ به الديمقراطية في المجتمع دون حداثة. محاولة فرض الديمقراطية على مجتمع يوجد في وضع في سوء تنمية ثبتت، حاليا، كفشل. دون حراب الجيش الامريكي فان المجتمع العراقي يدخل في فوضى خطيرة. لا يدور الحديث هنا عن ‘نضج’ الشعب العراقي للديمقراطية ( النضج هو اسطورة متعالية بل واحيانا عنصرية)، بل عن سياقات تنمية تسمح بالقضاء على التخلف الاجتماعي في كل مجالات الحياة. التشويش الفكري حول الديمقراطية وتاريخ الظاهرة الاجتماعية من شأنه ان يؤدي الى ظواهر مشابهة ألمّت بالمجتمع الغربي. فتحت ‘الديمقراطية’ في المجتمع الرأسمالي الحديث وجدت البطالة الجماعية والجمود الاقتصادي لسنوات عديدة مما أدى الى تعزز الفاشية. ووقوف زعماء مختلفين ضد عنف القذافي، مثلا، مهم. بالفعل، ففي شعوب الشرق ليست الحاجة الى التعليم ‘منغرسة’ بواسطة السوط والرصاصة. ولكن ليس في البرلمان وفي الدعاية الانتخابية يكمن تحول المجتمع العربي الى جزء لا يتجزأ من مشروع الحداثة. وعلى الاقل ليس هذا هو الأمر الاساسي. معاريف 15/3/2011