تغيرت النظرة إلى الجملة العربية بعد أحداث الربيع العربي، وأصبح إعراب الفاعل والمفعول به مختلفا عما كان عليه قبل ذلك. أصبح الفاعل يتكلم بمنطق الشرعية كما أصبح المفعول به يطالب بالشرعية ويبحث عن علاقة مختلفة مع الفاعل في في سياق إعرابي جديد على نحو يؤسس لمفهوم جديد لهذه العلاقة. الفاعل في الجملة العربية ما بعد الربيع، أصبح يركز على شرعية تصدره الجملة، ليكرر دائما القول بأنه ليس فاعلا مسقطا إسقاطا على الجملة العربية بل مكون أساسي فيها استحق فاعليته من خلال نضالاته السابقة عندما كان يوما من الأيام مفعولا به مؤخرا وغير مصنف ولا قيمة إعرابية له. الفاعل يرى قيادته في الجملة العربية الجديدة تطورا طبيعيا للأحداث ونتيجة بديهية لسياق لغوي أجمعت الألسنية على أنه ظلم في نصوص سابقة ولا بد للحق أن يعود لأصحابه، وقد عاد بالفعل. الفاعل اليوم أصبح يميل أكثر للجمل الإسمية ويرى نفسه أكثر قدرة على النجاح فيها، فالجملة الإسمية تجعله يتصدر الموقف ولا يتحمل أي مسؤولية، وتدخله في سياق الجمل الإنشائية الرائعة لغة والضائعة اصطلاحا. الجملة الإسمية تسمح للفاعل كذلك بحرية الحركة والمناورة وتساعده على التفاعل مع محيطه اللغوي تأثيرا وتأثرا. الفاعل لا يحبذ الجمل الفعلية فهي تؤخره إلى ما وراء الفعل وتفقده بريق الصدارة كما أنها تحمله مسؤوليات أكثر من طاقته ولم يتعود عليها في سياقه الإعرابي بالجملة العربية ما قبل الربيع. الجملة الفعلية توصد على الفاعل كل الأبواب وتلزمه بالسياق العام للجملة فقط وتحرمه من قدرة التفاعل مع محيطه اللغوي. ما يؤخذ على الفاعل في الجملة العربية ما بعد الربيع خضوعه للتأثيرات الخارجية بما يؤثر على سياق الجملة ذاتها، فهو من جهة منفتح جدا مع إن وأخواتها ولا يرى أي حرج في الانبساط معها دون مراعاة لموقف المفعول به في الجملة ولا لتأثره بهذا التدخل الخارجي الذي لم يستشر فيه. ومن جهة أخرى، لا يرى الفاعل أي حرج في أن ينضم إلى كان وأخواتها بل ويرى في ذلك قدرات خارقة في أن يلعب على الحبلين ويتحرك في سياقهما الإعرابي بما تمليه عليه المصلحة العامة للجملة. الفاعل لم يعد يهتم بعلاقته بالمفعول به، منذ أن حصل منه على شرعية القفز إلى موقع الفاعل في الجملة العربية ما بعد الربيع. الفاعل، وبعد أن اتخذ الجملة الإسمية سياقا لغويا لا ينوي مغادرته إلى غيره، أصبح ينظر إلى خارج الجملة بل ويتعسف في تكييفها بحسب المؤثرات الخارجية التي تدخل عليه. أما المفعول به، والذي أصبح مجرد خبر يمر مرور الكرام ولا يستوقف أحدا، فأصبح يعيش حيرة إعرابية لا حدود لها. فهو لم يعد يفهم طبيعة علاقته بهذا الفاعل الجديد الذي دخل على الجملة العربية ما بعد الربيع، لكن الحقيقة تقال هو من أدخله ولم يدخل وحده. المفعول به في الجملة العربية ما بعد الربيع فقد وحدته وأصبح مركبا. أصبح المفعول به تركيب إضافة لم يتفق المضاف والمضاف إليه على حركة أو موقف أبدا. أصبح الصراع بينهما داميا ولم يعد يقبل أحدهما جوار الآخر أبدا، بل وأصبحا يتبادلان الاتهام بالخيانة اللغوية والابتعاد عن السياق الإعرابي السليم لتركيب الإضافة. لا ندري حتى اللحظة من نجح في دق إسفين الخلاف بين جناحي طائر الإضافة بحيث أصبحا لا يتحركان بتناغم وانسجام، لكن الموقف لا يستطيع أن ينفي وجود أصابع من بعيد أو قريب للفاعل، والله أعلم. المفعول به أصبح في الجملة العربية ما بعد الربيع مشتتا ومبعثرا ولم يعد يؤدي أي دور في هذه الجملة وأصبح قابلا للتأثر بأي عوامل خارجية. مشكلة هذا المفعول به أنه أصبح غير قادر على الحركة، فإذا ما تقدم في الجملة وحاول أن يأخذ موقعا جديدا اتهمه الفاعل بمحاولة المساس بهيبته والسعي لبث الفوضى والمس بالاستقرار الإعرابي للجملة، أما إذا اختار الانزواء في آخر الجملة اتهمه آخرون بالسلبية وبأنه من أنصار ‘حزب الكنبة’. يعيش المفعول به في سياق الجملة العربية ما بعد الربيع حيرة وجودية بين دور ينشده هو ودور يريده له الفاعل. لكن يبدو أن المفعول به يجب عليه أن يحدد لنفسه أولا في أي جملة يريد أن يكون، في جملة فعلية نشيطة ومتحركة أو جملة إسمية جامدة ساكنة يتحول فيها إلى مجرد خبر لمبتدأ مُصادر بسبب التأثيرات الخارجية التي تحاول التأثير على السياق اللغوي الذي هو بصدد التشكل بعد الربيع. أما الفاعل فعليه أن يراجع موقفه من الجملة العربية بعد الربيع كما أن عليه أن يعيد النظر في علاقته بالمفعول به وبماضيهما المشترك حتى لا يبنى إلى المجهول كما بني من قبله. سراج منير الصوابني قطر