في التاريخ العربي الاسلامي يؤرخ للفتنة الكبرى بحادثة السقيفة واختلاف المسلمين الاوائل في موقف جلل لم يشهدوا مثله، ولم يكونوا قد فكروا به.. فانتقال الرسول الى الرفيق الاعلى وضعهم في مشهد اختبار وامتحان عسير ازاء معتقدهم الديني، وازاء فكرتهم عما بعد الرسول، وازاء الجماعة الاسلامية والدولة بوجه خاص.. فحزنهم العميق على النبي نسخه ابوبكر بمقولته، ‘من كان يعبد محمد فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فهو حي لا يموت’. هنا استقام المعتقد في النفوس ثم ازاء الاختلاف والفراق كان لابي بكر قولته في ان ‘العرب لا تدين الا لهذا الحي من قريش’ هنا برز عمر ليبايع ابا بكر، فاستقام امر الخليفة بأول مساراته وبقي الامر الثالث وهو بناء الدولة (الخلافة السياسية)، هنا التف الصحابة مع ابي بكر في حروب الردة وتم تأسيس جيوش واستنهاض الهمم. واليوم نحن معشر العــــرب نواجه نفس الفكرة والازمة ودلالاتها، فرغبة شعوبنا بالتغيير السياسي وتصحيح اوضاع الدولة والمجتمع والخروج من نفق الازمات والفساد لم يكن ليتأتى الا من خلال انتفاضة شعبية كبيرة سميناها ثورة، فكــــان ان اصطف المجتمع بغالبيته في مشهد ثوري غير مسبوق في تونس ومصر وكان لهم ما ارادوا من طرد اثنين من الحكام وجماعاتهم القريبة، ثم جاء دور اليمن ليـــتأخر التغيير عاما كاملا، وكان تغييرا صوريا وشكلانيا، سبقه تغيير في ليبيا من خلال انتفاضة داخلية وتدخل خارجــــي، ولايزال مأزق التغيــــير في سوريا قائما بكل مظاهره الكارثية .. ومع ذلك فجميع هذه البلــــدان تسود فيها كل مظاهر الفوضى الامنية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الفساد وانهيار الخدمات العامة، بل وانهيار أو اهتزاز لمنظومة الاخلاق والقيم الدينية. وهذا الامر ظهر بكل صوره المقيتة، لان’البديل السياسي والاداري والمؤسسي، بل وحتى البديل كمشروع فكري حول الدولة والتغيير والتنمية والعدالة غير مكتمل وناجز في وعي النخبة الجديدة، او التي كنا نسميها بالمعارضة، او في عقل واجندة الحكومات الجديدة، وهنا تتعدد مظاهر الصراع والاخنلاف ويترافق معها ممارسات للعنف المتعدد المظاهر. فالصراع السياسي على السلطة بين الاحزاب والجماعات والمكونات الجديدة من الشباب والاحزاب والقوى التقليدية امر مقبول’في اطار كونه صراعا سياسيا بكل ادوات السياسة المشروع قانونا. لكن هذا الصراع ظهر معه نمط من العنف المشرعن دينيا، ونمط من نشر الكراهية والفرقة على اساس ديني ومذهبي وطائفي وقبلي.. وهنا تجلت الفتنة بكل معانيها ودلالاتها.. وهنا تم استدعاء الشواهد التاريخية لتكون في صفوف المتخاصمين والمتصارعين، وكل يفسرها بطريقته ولصالح مشروعه. وهنا لم تحافظ بلدان الربيع على مكتسباتها السابقة، لان التغيير السياسي عبر الثورة كان يستهدف تغيير النظام والحكومات لا هدم الدولة والمجتمع. واليوم تشهد مجتمعاتنا تراجيديا بصورتها اليونانية والكربلائية في آن واحد. واهم مظهر لهذا لمشهد ان الثورات لم تكمل مساراتها وفق منطقها ودينامياتها، حيث تمت السيطرة على مساراتها في منتصف الطريق عبر الاقتناع برحيل رأس النظام ونفر قليل من معاونية (تونس ومصر وليبيا) (ورحيل رأس النظام فقط في اليمن) وهنا ظهرت دلالات الفتنة الجديدة، من خلال قوى انتهازية سرقت الثورة وانحرفت بمسارها، وبدلا من ان تصل الى مقاليد الحكم نخبة ثورية تم اعتماد مصالحات بين بعض رموز المعارضة وجزء كبير من النخبة السابقة ليشكلوا معا نظاما سياسيا جديدا من خلال الحكومات والمستشارين (هجين سياسي بين الاكثر انتهازية). وللعلم احزاب المعارضة التي تأسست على عجل هي احزاب بائسة تفتقر لكل مظاهر العمل الحزبي، بل وتفتقر حتى للخيال السياسي ولهذا فهي لا تجيد الا فن المساومات وعقد الصفقات الشخصية والحزبية بعيدا عن مصالح الوطن. وهنا ظهر الصراع الحقيقي بين مختلف القوى ليس على استكمال التغيير ووضع البديل السياسي، بل على الحصص والمغانم واسبقية من يحصل على قسط منها، وهو نفس المسلك الذي تجلى في سقيفة بني ساعدة عندما قال الانصار نحن من آوينا النبي وقال المهاجرون نحن أول من اسلم معه، وقال القرشيون نحن الاحق دون العرب لاننا اهله وعشيرته. وفي مشهد الربيع قال بعضهم نحن الثوار، وقال اخرون نحن من حمينا الثورة، وقال البعض الثالث نحو الاكثر عددا وعدة ونحن من ساندنا الثورة وضحينا وهكذا تولدت الفتنة في صورتها ضمن مرجعيات جهوية تنتمي الى مرحلة ما قبل الدولة. ولان العرب غير مستقلين بقرارهم السياسي وبحاجة ماسة للعون الاقتصادي، كان الطريق مشرعا للتدخل الاقليمي والدولي، وكانت الاحزاب والقوى المختلفة جاهزة لتقبل هذا التدخل طالما انه سيسندها في الولوج الى مراكز السلطة، وهنا كانت المعونات مشروطة باجندات سياسية جميعها لا تحقق اهداف الثورات بالتغيير السياسي نحو دولة مدنية ديمقراطية، ولا تستهدف تحسين المعيشة اقتصاديا، بل زادت معاناة الفقراء وهم الغالبية من السكان. وبدلا من الاتجاه للتغيير ودعم الوحدة الوطنية اظهرت الصراعات السياسية المشروعه نمطا اخر من الصراعات الجهوية والمذهبية، وتم انتقال حيثياته وعملياته الى المجتمع، فكان الصدام المباشر بين الافراد في المدن والقرى والاحياء. ومن مظاهره هجوم بعض السلفيين والاخوان على مجموعات شيعية في مصر، وبرز اقتتال مسلح بين الحوثيين والسلفيين في اليمن، وظهر صراع اخواني مع القوى المدنية، وكان للعسكر مسارهم الخاص في الصراع ضد كل القوى التي تريد استبعادهم من المشهد السياسي. وهكذا تتسع مجالات الفتنة بالانقسام الجهوي والمذهبي والديني كتعبيرات’وتجليات للصراع السياسي. ومثلما كان الصراع الاول اجتماعيا بتعبيرات دينية ضمن ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة، وهو اليوم كذلك حول ذات المثلت وبنفس الادوات الصراعية. زد على ذلك كان الاستنجاد بالخارج الاقليمي والدولي لصالح كل طرف، هنا غابت الرؤى الوطنية والمدنية وغابت احزابها ومكوناتها التنظيمية، بل وانساقت بعضها للمضاربة على الحصص والغنائم. واختلفت الحصص حيث في الزمان السابق ابى سفيان كانت له حصة اكبر من بلال ومن سلمان مع اسبقية الاسلام للاخيرين، واليوم جميع من هم في السلطة والحكومات بجميع بلدان الربيع لا فضل لهم بالثورة لا تخطيطا ولا تنفيذا، بل هم متسلقون والثوار الحقيقيون من الشباب والمستقلين والغلابة وعامة الشعب بعيدون عن هذه الحصص، بل وتنكرت الحكومات لدورهم ونضالهم وتضحياتهم. وكان للميديا بكل تنوع ادواتها ـ الفضائيات/المواقع الالكترونية خصوصا ـ دور لا يستهان به في تأجيج الصراع وتعميقه وترسيخه عبر التأسيس الديني والجهوي له وتعميم محفزاته الى عقول الافراد وقلوبهم. وكان للنفط العربي دور في تعميق الانقسام والصراع، وهو نفس الدور في منتصف القرن الماضي عقب ثورات التحرر.. كما كان للخارج الامريكي والاوروبي دوره وفقا لمصالحه الاستراتيجية ووفق تحالفاته مع مختلف المجموعات الفاعلة في المشهد السياسي العربي. وهنا لا نجد في هذه المجتمعات من سيقول اننا’قمنا بالثورات بهدف التغيير والبناء وتحسين معيشة افراد المجتمع ولا مجال للفتنة والردة (الثورة المضادة) لاننا سنحارب كل من يرتد عن ثورتنا وعن اهدافنا بالتغيير نحو العيش والحرية والكرامة والعدالة.. ولا نجد من صفوف الاحزاب والمكونات السياسية من هو مؤهل ليكون الخليفة والمؤسس للجمهوريات بعصرها الثاني (جميع بلدان الربيع هذا التغيير يدخلها في عصر الجمهورية الثانية). ولا نجد من هو الاكثر نزاهة في تاريخه ونظافة يده ممن هم في صدارة المشهد عبر قفزات مدعومة بمنصات خارجية وحركات بهلوانية تعكس تمرسهم عليها. وهنا تكون اشكالية اخرى لان التغيير لا يكون عبر الملوثين والمعروف فسادهم للعامة والخاصة، ولان القوى الاكثر تنظيما والاكثر مالا، وهي التي لاعلاقة لها بالثورة لا فكرا ولا اعتقادا، كانت الاكثر جاهزية للامساك بدوائر الحكم او ببعضها، وهنا ازمة اخرى لان هذه القوى مناهضة لمدنية’الدولة وهو العنوان والهدف الابرز للثورات الربيعية، ولا يجوز لمن يحكم ان يعتمد عنوانا وشعارا مناهضا لعنوان وشعارات الثورة. وعليه لا بد من الخروج من هذه الازمة/الفتنة بكل تداعياتها وتعقيداتها عبر بناء كتلة تاريخية من رموز العمـــل الوطني، والولوج بمجتمعاتنا نحو البناء المؤسسي للدولة وضوابطــــها الدستورية والقـــانونية، وفق توجه سياسي وايديولوجي يجعــــل من المدنية عنوانا له ومن الديمقراطية نهجا للحكم ومن التنمية اسلوبا لتحسين المعيشة ومن العدالة اداة للانصاف ومعاقبة الفاسدين والمجرمين، وهذا رهن بارادة سياسية وطنية لا مجال معها للارتباطات الجهـــوية او المذهبية، بل الوطن والمواطن هما مرتكز البناء السياسي وهما مرتـــكز للدولة والحكومة. فالثورات الربيعية استهدفت اعادة الاعتبار للدولة الوطنية وتجديد سياساتها لتكون موجهة نحو الشعب وملتزمة بقضاياه واحتياجاته ومعبرة عن طموحاته ونزعته الوطنية والقومية بافق اممي يجعل منها دولة حاضرة في السياق الاقليمي والدولي، كما هي حاضرة في السياق المحلي والوطني.