يعتبر الفراتي جمعة الناشف، أحد أبرز المبدعين العرب في ميدان النحت والرسم والنقد، قدم إبداعات فنية مميزة، وشارك بمنحوتاته في المعارض والمتاحف العربية والعالمية.
“القدس العربي” التقته في بيروت وأجرت معه هذا الحوار:
*كيف بدأت مسيرتك مع الفن التشكيلي والنحت؟
** سؤال يرجعني إلى طفولتي ومكان ولادتي والنهر وآثار درة الفرات السورية محافظة الرقة وما فيها من حضارات وتاريخ ومجمع ثقافي وبصري كبير. إن تكون ابن الرقة والفرات العظيم وبلد ولدت فيه قامات في الأدب والشعر وكل الفنون، بلد الأديب والقاص الدكتور عبد السلام العجيلي وابراهيم الخليل ومصطفى الحسون وغيرهم من الأدباء والشعراء والفنانين التشكيلين الكبار. بلد حمورابي المشرع الأول والبتاني عالم الفلك المشهور، مدينة الخليفة العباسي هارون الرشيد، باب بغداد والسور الأثري قلعة جعبر وقصر البنات والجامع المنصوري، وقبور الصحابة عمار بن ياسر وأويس القرني رضي الله عنهم. فلابد أن لك موهبة خلقت معك، ومن هنا أقول تربيت وترعرعت في بلد ومكان الذائقة الفنية مكتسبة حتما منذ الطفولة.
منذ طفولتي كنت ألعب بالطين وأحاول تشكيل النحت وأرسم وأخربش ما يطبع في القلب والعقل والروح قبل المعرفة. وبعدها عندما كنت تلميذا بالمدرسة كان أكثر اهتمامي هو الرسم وتشكيل الأشكال بالطين، الى أن وصلت في دراستي إلى معهد الفنون الجميلة بالرقة وهناك كانت بداية مسيرتي الفعلية واكتسابي النحت بفعل الدراسة والاختصاص. وبالرغم من ضيق الحال والمعيشة إلا انني استمريت في الفن نحتا ورسما وتابعت دراستي وكنت ولا أزال اعتبر نفسي في طور الدراسة والاكتساب البصري والحسي والمعرفي.
*كيف اكتشفت موهبة النحت وما الذي أغراك فيه؟
** هذا سؤال يذكرني بأول منحوتة شكلتها وكونتها وأنا في الصف الثالث الابتدائي وكانت من الطين الطمي لنهر الفرات الذي كان يستخدم في صناعة القرميد والأبنية والأواني الفخارية، ويعود هذا إلى أكثر من عشرة آلاف عام قبل الميلاد.
طلبت منا المعلمة في المدرسة أن نعمل منحوتة بالطين وكنت سعيدا لهذا الطلب لأنني أعشق الطين وتشكيل الأشكال فيه، وبعدها وقع اختياري على صورة شاهدتها في كتب أخي الأكبر. وبالفعل كانت منحوتتي الأولى تشكيل لتمثال الثور المجنح برأس إنسان من الحضارة السومرية الذي أغراني بعظمة النحت.
ووقتها أخذت الجائزة الأولى وشهادة تقدير من المعلمة والمعلمين وإدارة المدرسة.
وإلى الآن المجسمات الكبيرة تسحرني وأسعى دائما لتكون لي بصمات خالدة كما منحوتة الثور المجنح.
*من أين تستقي أفكارك لتعبر عنها بالرسم؟
**المبدع الحقيقي يستقي أفكاره من الحياة التي يعيشها بدءا بالطفولة والمكان والزمان.
الوجدانيات كثيرة وما اكتسبته في الدراسة والقراءة والمطالعة.
التاريخ والأساطير والخرافة والفلسفات والوطن والأرض والشجر والحجر والطيور والصباحات ومساء الفرات الذي ترنم به الشاعر ربيعة الرقي وكثيرون.
أما عندما أهم للرسم والنحت في كل تجربة ومعرض هناك مكنونات تتسارع بالخروج عبر يدي إلى القماشة أو الصخر.
دائما هناك مشاعر وأحاسيس مكتسبة عبر مسيرة حياتي.
ودائما هناك شيء خفي ومحسوس وملموس وشعور جديد يفجر كل ما في داخل الفنان من مكنون حسي وبصري. وهكذا تكون في كامل النشاط أمام القماشة والصخر لتبدع وتنتج عملا فنيا وبفرحة كبيرة لكي تكمل المسير.
*كيف يمكن لك تحويل الصخور والأحجار الصلبة إلى تحف وأشكال إبداعية؟
** عندما يقف النحات أمام الصخرة إما أن تكون الفكرة موجودة وحاضرة في ذهنه وخياله أو أنها مع الشكل تخلق في اللحظات الأولى.
كنحات كنت في بداياتي أقف أمام الصخر تنتابني الرهبة من حجمه وضخامته، ولكن بعد مرور سنين من النحت وتعاملي مع الصخر، أصبح الصخر صديقي وأتعامل معه بكل حب وغرام. وهكذا أقف أمام الصخرة وأتأملها حتى أبصر وأشاهد المنحوتة أو الشكل الذي أريد داخل الصخرة وبعدها أبدأ عملية التقشير وكأنني أقشر البيضة. هي حالة عشق بيني وبين الصخر.
*ماهي مواضيع رسوماتك ومنحوتاتك؟ وماهي الأدوات التي تستعملها في النحت؟
**في كل تجاربي النحتية والرسم كانت المواضيع المرأة أولا، ثم الوجدانيات والتاريخ وحضارات بلاد ما بين النهرين ونهر الفرات والأسماك والأسطورة ملحمة جلجامش، والموسيقى وفنجان قهوتي. وأيضا كانت لي تجارب في الفن الكنسي الأيقونة والنحت.
ودائما تجد في رسوماتي، التاريخ والنهر والتراث، والفن الكنسي.
وفي تجاربي الأخيرة منذ عام 2014 إلى يومنا هذا كل طروحاتي يغلب عليها الطابع الوطني والمحبة والسلام، وبالتالي الفنان يمر بمراحل وكل مرحلة يكون هناك ما يجذبه ويشده ويحرك مشاعره ومكنوناته، فتجده يختلف في كل مرحلة بالطرح، ويبقى النفس الواحد والبصمة الواحدة في كل المراحل. أما بالنسبة للأدوات والتقنيات التي أستخدمها، فقبل اختراع الأدوات الكهربائية بالنحت كان النحات يعتمد على المطرقة والإزميل والمبارد والشوكة.
أما الآن فقد توفرت كل الأدوات التي نحتاجها في النحت واختصرت وقتا طويلا وأعطت سرعة هائلة في إنتاج المجسم النحتي وفارقا كبيرا جدا عما سبقها.
ولكن دائما لا غنى عن المطرقة والأزميل في بعض مراحل النحت.
*هل كان للقضايا الوطنية وقضايا الشعوب أي مكان في رسوماتك ومنحوتاتك؟
**عندما أتطرق إلى الحضارات السورية وبلاد ما بين النهرين القسم الأعلى وأوغاريت ورأس شمرا وملحمة جلجامش وآلهة الموسيقية السورية أرونينا وعشتار وآلهة الينبوع السورية وحمورابي المشرع الأول، فأنني على تماس مباشر بالقضايا الوطنية وقضايا الشعوب، أليست هذه المثاقفة لمخاطبة الآخر والشعوب الأخرى.
نعم نحن أهل الحضارات الأولى في التاريخ لذلك دفاعي عن قضايا وطني وقضايا الشعوب ينطلق من خلال رسوماتي ومنحوتاتي. وفي أحد أهم المعارض التي أقمتها في عام 2014 معرض “وجه أمي” في قصر الأونيسكو في بيروت، كان يحاكي كل الشعوب ويحاكي أهل بلدي، وما تعرضت له سوريا من هجمة.
وقلت بمعرضي من خلال الرسومات والمنحوتات، سوريا أم الحضارات والتاريخ والأديان، سوريا الفنون والكتابة المسمارية، والعلم والآثار، سوريا طريق الحرير وورقة الزيتون.
وأيضا كان لي مشاركات في عام 2014 في معرض كرنفال المحبة والسلام بيروت قصر الأونيسكو ومعرض مهرجان “من أجلك يا عراق” و “النازحون في قلوبنا” في بغداد، ومهرجان لفناني الرقة دعم للشعب اللبناني عام 2005.
*أين فلسطين في ابداعاتك؟
**ما من فنان عربي أصيل إلا والقضية الفلسطينية وفلسطين لها حيز كبير في فنه وقلبه ووجدانه وأعماله، حقيقة في كل معارضي هناك أعمال تكرس التراث الفلسطيني من زخارف والدبكة ووالد الشهيد.
اعتبر القضية الفلسطينية قبلة كل مظلوم وحر ومقاوم وشريف يدافع عن حقه في هذا العالم.