لا يوجد مخلوق كهذا في الواقع الإسرائيلي، حزب وسط ـ هذا اختراع مروجي العلاقات العامة. حزب الوسط يمكنه أن يؤدي وظيفة في دولة يكون فيه الخلاف الأيديولوجي الأساس الذي بين اليسار واليمين يتعلق مثلاً بمدى تدخل الحكومة في الاقتصاد ـ في مثل هذه الحالة، يعرض حزب الوسط حلاً وسطاً بين مؤيدي اقتصاد السوق الحر ومؤيدي التوجيه الحكومي، مع السبيل الذهبي الاجتماعي ـ الليبرالي. ولكن ماذا ستكون رسالة حزب وسط إسرائيلي في موضوع الفساد السلطوي؟ أن يكون رئيس الوزراء الذي يتلقى صناديق السيجار غير فاسد، في حين يكون رئيس الوزراء الذي يتلقى مغلفاً مليئاً بالدولارات فاسداً؟ وربما العكس؟ ما الذي سيعرضه حزب وسط في الدفاع عن الديمقراطية ـ أن يساوم على نصف ديمقراطية؟ وماذا سيبشر في مسألة النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، أن يساوم على نصف دولة فلسطينية ونصف ضم إسرائيلي؟
لقد كان مباي التاريخي وحزب العمل بعده وسطاً. الحزب الليبرالي كان وسطاً. الليكود بيغن كان يميناً ـ وسطاً. لكن هذا لم يعد. في العقود الأخيرة احتدت الخلافات، والأحزاب التي كانت تسمي نفسها «وسطاً» لم تعد هكذا حقاً، أو أنها فشلت في تجنيد الجماهير وفي إقامة حكومة برئاستها ـ باستثناء حالة الحكومة قصيرة الأيام لأولمرت.
هذه الظاهرة ليست مميزة لإسرائيل: ففي دول عديدة يظهر بوضوح أفول أحزاب الوسط، التي فرغت من المضمون الفكري ـ السياسي أو استسلمت للشعبوية. في الولايات المتحدة كان الجمهوريون ذات مرة وسط ـ يمين، والديمقراطيون كانوا وسط ـ يسار، ولكن كليهما تطرفا. اختفى الوسط على نحو شبه تام من المشاهد السياسية لشرق أوروبا، حكومة إيطاليا اختطفها حلف فاشي جديد مع فوضوي جديد. وفي السويد ـ السويد! ـ مرت أشهر طويلة إلى أن نجح حزبا الوسط من التغلب على المتطرفين الذين في صفوفهما وأقاما حكومة ضعيفة تستند إلى أغلبية طفيفة. وفي بريطانيا ـ حسناً، جيد، هناك فكرة «الوسط» ماتت بعد دقيقة من الإعلان عن الاستفتاء الشعبي على ترك الاتحاد الأوروبي. وهكذا دواليك، وهلمجرا.
إن فراغ أحزاب الوسط في إسرائيل يجد تعبيره في الانتخابات القريبة القادمة بقدر أقل بالشعبوية وبقدر أكبر بالشخصنة: حزب لبيد، وحزب غانتس، وحزب غباي، وحزب كحلون، وحزب ليفي أبقسيس، وما شابه. ليس بينهم أي فرق فكري، الفرق فقط في الدعاية الانتخابية. حزب كحلون يشدد على محبته للرجل الصغير، الذي لا يبادله الحب لخيبة أمله؛ وحزب غباي يركز دعايته على التنكر لقدرات نتنياهو الإدارية؛ ودعاية حزب غانتس تتميز بأسلوبها الكفاحي الذي لم يكن مقبولاً في البلاد-رؤساء الأركان الذين دخلوا في الماضي في السياسة كانوا حذرين من استغلال خدمتهم العسكرية ـ الأمنية كرافعة دعائية علنية. رابين، الذي قاد الجيش الإسرائيلي في حرب الأيام الستة، لم يعرض في حملته الانتخابية جثث الجنود المصريين، وشارون لم يتوجه إلى الناخبين بمعونة صور ضحايا التصفيات المركزة. أما مروجو العلاقات العامة لغانتس، بالمقابل، فيشددون على ماضيه العسكري، وهذه دعاية تقشعر لها الأبدان وتمجد الدمار وجزر الخرائب في غزة المقصوفة والفقيرة غير الجديرة باهتمام الناجين من الكارثة. فمن يعرف كيف يدمر لا يعتبر كمن يعرف كيف يبني.
أحزاب شخصية أخرى تستخدم أدوات أخرى للتغطية على الفراغ الأيديولوجي، وأحياناً تكون هذه هي الاستقامة الشخصية لرئيس الحزب، وأحياناً الجمال الشخصي. معظمها-إن لم تكن كلها-تبنت بحماسة نهج «كله إلا نتنياهو»، أو للدقة: «نتنياهو لا، الليكود نعم». وهي تصرح عن استعدادها الانضمام إلى حكومة الليكود التالية، شريطة ألا تكون هذه حكومة نتنياهو. وماذا إذا كان اورن حزان هو الذي سيصبح مرشح الليكود لرئاسة الحكومة ـ فهل ستنضم إليها؟
سيفر بلوتسكر
يديعوت 27/1/2019