الفراغ
عبداللطيف الزكريالفراغكنت أتكئ علي الأريكة، ولم يكن في بالي شيء، أي شيء، كنت فارغا من داخلي لا أشعر باحساس. وأنا علي ذلك الحال راودتني فكرة غريبة: أن أخرج من الدار وأسيح في الأرض، بحثا عن شيء ما، أي شيء، ألتهي به، ولا أبقي فارغا. وخرجت من الدار علي أمل لقيا مفترضة، وضربت برجلي في الأرض، وأنا أشرئب الي أي شيء. ظهر في الأفق شيء ما، كان صغيرا ومعتما، في شكل كرة أو دائرة علي هيئة حديدية. كان هذا الشيء جامدا، وما حركني. ما أملت خيرا في شيء جامد. كنت أبحث عن شيء تدب فيه الحركة، شيء يغوي ويثير. وحين وصلت الي تخم الأفق حيث يوجد ذاك الشيء الحديدي الجامد لم أجد شيئا. وتعجبت، وحرت، وصرت أفكر في حقيقة ما رأيت، فقد رأيت ما رأيت، ولا يمكنني أن أتخيل شيئا بجسم ولم أره، وكان هذا منتهي الخبل.عدت الي الدار، خالي الوفاض، بخفي حنين، ولم يكن في الدار ما يمكن أن ينشغل به المرء غير جريدة قديمة وراديو صغير، لا يلقي سوي بأثير الاذاعات المحلية، وتوجهت اليهما. أخذت الجريدة بين يدي وصرت أتصفحها كأنها جديدة: أقرأ العناوين وأتدبر فيها وكأنها شيء هام جدا. وما كانت بي حاجة لأمثل هذا الدور المخبول سوي أني فاقد التوازن. الفراغ يخلق الحمق، والحمق شيء صعب، والأصعب من ذلك أن تعاني الحمق وأنت بكامل قواك العقلية. وانه لحمق أن يكون الفراغ ضاربا بسياجه علي كل شيء. بعد أن فرغت من الجريدة، وقد اسغرقتني مدة هامة، توجهت الي الراديو، صرت أضبط مؤشر الاذاعات علي مواقع بعينها، تنبعث منها أقوال المذيعين، استمتعت لحظة بضبط الاذاعات، ثم أحسست بالاختناق. كان احساسا فظيعا، كأن أحدا ينهي حياتك بقبضة من حديد، شيء فظيع لكنه حقيقي ومقرف. وفكرت أن ثمة دائما ما يمكن عمله، ولا يمكن للفراغ أن يكون تاما وكاملا، فلا فراغ في الكون، وما يبدو كذلك هو وهم تحول الي حقيقة بفعل ما يشعر به البشر من أحاسيس اللامبالاة تجاه حيوية الكون! أملت للحظة أن أجد ما أفعله، فلا بد أن ثمة ما ينبغي أن نفعله، ما ينبغي أن نؤسس به وجودنا في كل لحظة، وعولت علي المطبخ، فأنا اعزب وللأعزب نصيب في المطبخ، لم أجد أي شيء في المطبخ، كان فارغا كمقبرة، موحشا كغابة، مقرفا كمزبلة… فهذا آخر الشهر ومال مرتبي قد فرغ من جيوبي، وأنا أدور في الفراغ، لا ألوي علي شيء، لكني مع ذلك أبحث عما أفعله. في اليوم الموالي فكرت أن أخرج من جديد، فهذا يوم آخر، غير يوم البارحة، واذا كنت لم أوفق البارحة في ايجاد شيء، فلعل ذلك بسبب ارتخائي. أما اليوم، فأنا مفعم بالحيوية، علي الرغم من الجوع الذي يرغمني علي البكاء. خرجت، فلاقاني متسول، أعطيته بضع كلمات حلوة، وتابعت المسير. اذّاك بدا لي في الأفق شيء كروي متوسط الحجم يدور دورات بطيئة، كأنما هو آلة لتحريك الكون. صرت أحدق في ذاك الشيء، وأنا كلي أمل في أن أجد فيه بغيتي. ووصلت اليه وأخذته بين يدي، كان أسود كالليل، رخوا كعجينة، جعلته بين يدي، كورته فتكور، كان شبيها بالفراغ من حولي، دائريا كأزمتي المالية. ألقيت به في الوجود، لعنته وسببته. لماذا خدعني كالبارحة؟ ألا يوجد فاصل بين اليوم والبارحة، بين الحاضر والماضي؟ بلي يوجد، فلماذا هو هذا الشيء فارغ دائما. وعدت الي الدار وكلي أمل في أن أجد ما ألهي به نفسي، حتي يستبد بي النوم. شعرت، في الدار، بشدة الجوع، ذهبت الي المطبخ، فوجدت حفنة من الفاصولياء صالحة للطبخ، لكن قنينة الغاز فارغة، فكيف أطبخها؟بعد ذلك غشيني النوم، فارتحت وارتخيت. في الصباح، نهضت من النوم، ودوار يلفني، بيد أني كنت قد قررت بأن أذبح الفراغ كخروف، فلا بد من فعل شيء، أي شيء. كاتب من المغرب0