أحمد المديني
ما هي الفرانكفونية؟ ما هو موضوع الفرانكفونية؟ من هو الفرانكفوني؟ لا مناص من مواجهة هذه الأسئلة كلما أثيرت هذه القضية إما في مجال ثقافي ـ أدبي، أو في إطار سجالي، كما بات غالبا في السنوات الأخيرة، بعد أن استقر في بعض الأذهان أن موضوعها أضحي محسوما بوصفها تعد مكونا لغويا وثقافيا جوهريا في البلدان التي كانت دائرة في فلك الإستعمار الفرنسي، وفرنسا، وما تزال علي نحو ما.
ليس من مهمة هذه الورقة الاجابة علي الأسئلة أعلاه وما في ضربها، إذ فضلا عن طابعها الإشكالي المندرج في سيرورة تاريخية مركّبة قلّ أن تسمح بنقاش هادئ حولها ما دامت تخفي توترات نفسية وإرباكات إيديولوجية. نظن أن المعنيين بالموضوع مباشرة، أهل الفرانكفونية، سواء المترعرعين في لغتها وثقافتها، أو ممن يواصلون ترسيخ عُمُدها وتشييد بنائها، هم الذين يواصلون الإلحاح ومعاودة طرح أسئلة هويتها من جوانب مختلفة، وباصطناع المناسبات لهذا الغرض، ولا شك أن السبب يرجع إلي الإحساس بأزمة ما، المكتوون بها أدري بها منا نحن الذين نقع في الطرف الآخر من لفح النار، أوَلاَ يسمينا بعض هؤلاء الذين نشترك معهم في بطاقة التعريف، وجواز السفر، والتراب والشمس والهواء، ألا يسمينا هؤلاء ليزرابيزان ـ Les Arabisans بغير قليل من السخرية والاستخفاف!
آخرالمناسبات معرض الكتاب بباريس المنعقد في دورته السنوية (17 ـ 22آذار ـ مارس الجاري) وهو مناسبة ثقافية شامخة ما في ذلك شك، لكونه أحد أكبرأعياد الكتاب في العالم سنويا. موعد يختار له منظموه عادة ضيف شرف يكون بمثابة انفتاح علي ثقافة أجنبية والتعريف بنتاجها. ضيف العام هو البلدان الفرانكفونية أو الثقافة الفرانكفونية، بإجمال. تشمل هذه البلدان بلجيكا والكبيك وجزءا من كندا وسويسرا، إضافة إلي أراضي ما وراء البحارالتابعة للحكم الفرنسي كجزر المارتنيك وهايتي وكالدونيا الجديدة، وتلتحق بمدارها عدد من الدول التي شكلت جزءا من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، ونشرت فيها لغتها كأحد وسائل الهيمنة (الجزائر، المغرب، السينغال، لبنان، الكمبودج، الفيتنام، علي سبيل المثال).. ولن ننسي بطبيعة الحال فرنسا، أم أن فرنسا صاحبة هذا الاختراع والمحفل، ومصدره اللغوي ـ الثقافي ـ الإبداعي والسياسي كذلك معنية كسيّد فقط، كأب كبير يحدب ويبذل أريحيته علي أبنائه الصغار ورعاياه من حين لآخر درءًا لكل عقوق محتمل، ثم ينصرف إلي مشاغله الجدية بعدئذ؟ في حالتي الجواب بالإيجاب أو السلب فإن الأمر معضل. فلو قلنا إن بلاد نابليون والجنرال ديغول ضيف لأشكل علينا الأمر، إذ كيف تكون ضيفا ومضيفا في آن. وفي الحالة الثانية أجد أن الفرانكفونيين سيصطدمون محرجين ومأزومين بحقائق وأوضاع إشكالية يعيشونها علي المستويات السياسية، والثقافية الشمولية، واللغوية الأدبية في ما يخص الكتاب بالذات.
لا شك أننا في الحالتين كلتيهما ملزمون باستحضارالتعريفات للتسميات أعلاه أو بوضعها وضعا إذا تبين لنا فيها نقصان أو خلل. المعنيّ الأول بالأمر هو الفرانكفوني، الشخص، السياسي، المثقف، الكاتب الذي يعتبر نفسه سليل الفرانكفونية، مدينا لها بكل شيء وإحدي تجلياتها، وسيتوهم إذا اعتبر نفسه أكثر من تابع لفرنسا، إذا تخيل أنه جزء من شجرة أنسابها الكبري لأنها هي ببساطة ـ وأيّ مفارقة هذه ـ ليست فرانكفونية، وتري في هذا المحفل، وفيه، بتعدد أدواره، بعداً لها، تراه آخَرَ بالنسبة لها، كما تعلمنا نحن ليزرابيزان أن نقول، بلغة عبد الله العروي، إن الغرب آخر، بالنسبة إلينا. وهو لا يستطيع أن ينكر أنها خيمة سياسية إيديولوجية وإلا لماذا تصر علي قمتها الدورية لرؤساء الدول في ظل صراعات جيواستراتيجية معلومة، وأنها في الصميم محفل ثقافي اللغة ُواشتراطاتُها (استلاباتها) هي اللحمة المشتركة بين الفئات المختلفة المنتسبة إليه بين الماضي والحاضر، وهي تمنح وتموّل وتنشئ المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية وترصد الجوائز لتوسيع المحفل الذي ينبغي أن يظل امتدادا للمتروبول مستهلكا لجميع مواده، ومنتجا فيه بقدر معين فقط. قبل التدشين الرسمي لمعرض باريس للكتاب انطلقت المنابر الإعلامية الثقافية في سباق تخوض في موضوع ضيف هذا العام وقضيته، خصصت الماغازين ليترير الشهيرة عددها للموضوع، وتتوالي الأعمدة في الصحف اليومية والملاحق، والحوارات الإذاعية والتلفزية، وفي أغلب المعالجات يحاول الجميع إعلاميين ومحاوَرين التناور علي الأسئلة المحرجة أو استبعادها، ولكن كل طرف، لا شك، يحس بالأزمة حين ينفرد بنفسه ويراها في مرآة بلده وتاريخه ولغته الأصلية وعلي ضوء مبادئ الحرية والسيادة، بعيدا عن كل المساحيق الظرفية أو نرجسيات الشهرة العابرة والمقتناة، أيضا، بمقابل: التنازل إن لم يكن التشهير، أحيانا، بالآباء والأجداد أرومة وثقافة. هذا، ورغم أن ليلة الدخلة في عرس الفرانكفونية قد مضي عليها ردح من الزمن، والعرسان أمضوا شهورا، ومنهم أعواما من العسل، إلا أن ثمة أكثر من طعم مرّ علي اللسان، وغير تعبير وردود فعل تشي بالقلق والحيرة، في صف الفرانكفونيين، آباء وأحفاداً، وعلي أفواه الناطقين باسمهم أدبيا خاصة. بين هؤلاء من يعتبر الفرانكفونية تسمية ملتبسة، ُ قل قدحية. إن الكاتب الروائي اللبناني الأصل أمين معلوف يرفض أن يطلق عليه إسم كاتب فرانكفوني مفضلا إسم كاتب باللغة الفرنسية، وقد عبر(لومند الثقافي 10 آذار ـ مارس الجاري) عن استيائه الشديد بل استنكاره لتوصيف يحمل عنده دلالات ذات أصداء استعمارية ومرجعية إقصائية، فهل فلوبير أو سيلين أو أبولينر أدباء فرانكفونيون، ولماذا لا يصنف الذين يكتبون بالفرنسية مع الأنطولوجيات الفرنسية أو لا تُدرس نصوصهم بوصفها فرنسية أجنبية؟ وسوي هذا من الأسئلة المعبرة عن أزمة متواصلة منذ أن بدأ النقاش علنا عن ماهية الأدب المكتوب بالفرنسية في المتروبول وامتداده اللغوي، هذا الأدب الذي ما زال منتجوه والمروجون له يتخبطون في أزمة هويته، وهويتهم معه بالتبعية، باحثين باستمرار عن دواء ناجع لمرض ـ نرجو لهم الشفاء منه ـ لم تنفع معه مراهم من قبيل أن اللغة الفرنسية هي منفانا (مالك حداد ) ولا كونها غنيمة حرب (كاتب ياسين). آخر المطببين شقيق لنا ـ حسبناه كذلك ضلالاً ـ هوالروائي ذائع الصيت الدكتورالطاهر بن جلون الذي وجد براءة اختراع لترياق ضد كل السموم والآلام المبرحة لضمائر ونفوس الكتاب الفرانكفونيين ـ علي الأقل الشخصية ـ فقد قال لا فُضّ فوه (وهو في مجلس أشقائه ببرنامج تلفزي للقناة الثالثة الفرنسية فاتح مارس المنصرم يعده المنشط والكاتب جيسبير) بأن اللغة العربية تعوق، كلغة مقدسة، لغة القرآن، عن قول ما يريده أي كاتب بها، وهو يقصد طبعا حرية التعبير في أمورالجنس ومثلها. ونراه يقوّل الأحياء(أدونيس) ويزوّرعلي الموتي (خير الدين) وبين هذا وذاك فاللغة العربية عنده صنو العجز عن الكشف عن المخبوء والمكبوت وإضمارا ما استطاع بيانُه المعجز أن يفصح عنه بلغة موليير وتهافتت دونه لغة الضاد البائرة، أليس كذلك؟! ولا نريد أي لجاج، كما أننا لسنا بأي حال في معرض الصراع مع هذا المحفل الذي لا يمكن أن ننكر بأي حال أنه جزء من مشهدنا الثقافي التعبيري العام ورافد بارز فيه له معبرون فيه منزهون عن الغرض وتشويه ثقافتهم الوطنية، يقولون ذواتهم بقدر الموهبة والصدق الذي يملكون في سياق مجتمع منفتح علي التعددية، وكم سنحتاج من مقالات وعروض لنسفه الأضاليل، ونريَ لمن يغشاهم العمي إلي أي حد أبدع الأدباء العرب، قديما وحديثا في سائر أنواع التعبير ما يضاهي لغات أخري ويفوقها في الكشف سواء عن مخبوء النفس أو تصوير فحيح الجسد وتجلياته وذلك بأقوي الصور وأشفها وأبهاها، ليس لتهييج الحواس ولا للاستعراء المجاني المدعي، بل لقول الإنسان في كليته الوجودية والحياتية رغم كل المعوقات التي تعترض محيطنا وفضاءاتنا الثقافية، أقول إننا نريد الإبتعاد ما أمكن عن اللجاج حين يتم التعريض بالثقافة العربية ولغتها وموروثها وقدراتها، لا سيما إذا طالتنا السهام من ذات سوار. ثم إنها شنشنة أعرفها من أخزم، وهي عملة رائجة بيد بعض الصرافين المزورين في بورصة الفرانكفونية، ويتداولها الصمّ والعمي والبكم أيضا، ابتغاء مرضاة، لا داعي للقول لمن، فالمرسل إليه واضح وضوح المرسل وخطابه المبين، ومن أحس بالوجع من الجهة التي يحس بها المرسل فعليه بالذهاب عاجلا إلي إحدي الصيدليات المفتوحة ليلا ونهارا توزع أقراص البلاغة الفرنسية بالمجان، ما دامت اللغة العربية وبلاغتها أمست في زمان الهوان هذا سقط متاع، تسام خسفا ومادة سخف في مجلس القيان والغلمان، لسان حالها اليوم ما قاله ذات يوم في غربة لا تقل عن غربتنا الآن، رب من أربابها العظام جدنا أحمد أبو الطيب المتنبي علي شعره أزكي السلام: وسوي الروم خلف ظهرك روم / فعلي أي جانبيك تميل، فبأي آلاء ربكما تكذبان! كاتب من المغرب