الفردية، هذا النفي المبدع

حجم الخط
0

آلان لورونتعلن الفردية في نظرية ماكس سترنر أو جورج بلانت أن لا شيء يوجد خارج الأنا. فهي تنفي وجود المجتمع لفرض أسبقية الأنا وبهذا تكون الفردية عدمية إيجابية. من أجل تحديد مواصفات الفردية أو بصيغة أكثر ودية تبرير العداء اتجاه هذا المنحى المثير للناس بخصوص جدية فكرة الاستقلالية الفردية، يكون من الشائع أن يُجعَلَ منها تجسيدا لفكرة العدمية أو حتى الصورة المحببة والحديثة لها. ونحن نعني بهذا أنه بالرجوع إلى التعريف ننفي كل قيمة لبعض الأشياء التي تمر بسلاسة من أجل تجسيد الشروط الضرورية لاستمرار الحياة الإنسانية وإعطائها معنى لوجودها، كالمجتمع والوطن والدولة، وحتى المجتمعات الطبيعية البينية كالعائلة، وكذلك العلاقات التكاملية الاجتماعية مع باقي الأفراد. فالفرداني يكون أكثر عدمية بحيث أنه لا يكتفي بعدم سعادته لرغبته الشخصية في التحلل من القيود السلطوية القريبة من القداسة للمجتمع بل إنه سيعظ الجميع برفضها وسيشكل بالتالي طريقة تقسيمها. بدأت محاكمة العدمية الاجتماعية مذ ظهر التيار المضاد للفردية للمعارضين للثوار وبعض التقليديين في بداية القرن 19. فبالنسبة لهؤلاء الأعداء الذين برزوا مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يجعل هذا الأخير من الفرد مجرد ملكية لأنه يحرم من كل الانتماءات التي تربطه بما هو اجتماعي وتجعل له خصوصية وتعطيه تماسكا جسديا، كالانتماء الديني أو العائلي أو الأخلاقي أو التشاركي…. بالنسبة لبونالد ودوميستر توضح صورة الفرد في طريق تأكيد الفردية صورة الأعزب العقيم والمشرد والملحد والفاقد للذاكرة، بمعنى أنه صورة للنفي الحي للإنسانية والعلاقة الاجتماعية، أي اللاشيء. ولكنه لا شيء يتصرف باعتباره مذيبا ناشطا قادرا على إفساد كل ما قدمته المسيحية والمجتمع. ما سيلخصه أوغيست كومت بصفته منظرا جيدا للإيجابية بطريقة قوية بحكمه الذي يقول فيه انه مع بداية الحقبة الحديثة الثانية فرض المذهب الإيجابي مباشرة مبدأه الفوضوي مناديا بالفردية المطلقة. سيعيد كل من ورثة اليمين كموراس وورثة اليسار كدوركايم ومونيي استعمال هذا الاتهام للعدمية التي تشتت المجتمع الإنساني. وكذا بيتان لن يكون آخر الرافضين لهذه الصفة الهدامة للفردية، التي تهدم روح التفاني والامتثال للهرمية العضوية.

لا إله ولا سيد بطريقة هي في ظاهرها متناقضة، يتوافق الفردانيون الأكثر تشددا كليا مع هذا التشخيص للعدمية. ولكنهم يقيمونها بتعارض تام بطبيعة الحال ويمرون بذلك من اتهامها إلى تشريعها، حيث يقولون أن الفرد المتيم بالحرية لا يمكن إلا أن يخرب كل ما يمكن أن يمارس عليه الإكراه أو القسر أو الطغيان، في الوقت الذي يواجه فيه بالضرورة الفرد الأكثر سلمية، بطريقه كإنسان طيب، سلطات عنيفة تمنعه من التلذذ بحقه الطبيعي بالتصرف بسيادة المالك لذاته وتملكها، وبذلك تروم الفردية بحالة من الدفاع الشرعي عن النفس أن تنزع عنها كل شرعية. وأأمن السبل للوصول لذلك هو بدون شك إتلاف فكرة تواجد قوى اجتماعية من أجلها يجب أن يضحي الفرد أو أن يتقبل أن يتصرف اتجاهها بصفته عبدا. ما يتضح بدون شك في فكرة ماكس ستيرنر(سأبني فكرتي على نفسي، وكما هو الرب فأنا نفي كل الباقي….. أنا اللاشيء الخالق، اللاشيء الذي آخذ الكل منه….. لاشيء بالنسبة لي فوق أنا) هو أن تكون الفردية هي هذه العدمية غير الاجتماعية التي تنفي حقيقة الأشخاص الجماعيين. كما سيبين في كتابه ‘الوحيد وخصائصه’. من أجل العمل بعد ذلك على التنقيص من كل المثل كالدولة والشعب والإنسانية وجعلها ما هي عليه بالضبط مجرد أفكار جوفاء وكلمات مجردة، لا شيء. (كوطن السياسيين ‘المجتمع’ ما هو إلا روح وشبح وجسده ليس إلا ظاهرا.)، (المجتمع هو شبح)، (هذا ما يقع عندما نجعل من شبح المجتمع فردا عاقلا). كما نرى، تكون هكذا بالضبط الفكرة المهيمنة هي فكرة ستيرنر بحيث أن المجتمع ليس إلا خرافة باقية من أجل تدجين الأفراد في حياة القطيع، وبذلك فالمجتمع لا وجود له. ويرفض ستيرنر في هذه المجموعة المكونة للآخرين كل العناوين التي تفرض قانونها على أنا الفرد المتفردة وبذلك تكون هذه الأخيرة العدو الذي لا يمكن التوفيق بينه وبين كل ما يمكن أن يشبع رغبتها تحت رغبة الجميع وبين كل الروابط أي كل سلسلة ترابطية. من وجهة النظر هذه لا تكون الفردية عدمية بصفتها الإسمية فقط ولكن أيضا بصفة أنها فوضى بحيث أنها تبث الحرب بين رجال الدولة أو الكنيسة من أجل دحض ركائز رغباتهم في استعباد الأنا ‘ت’ الفردية. إذ من الأجدى أن يقال هذا بصفة الجمع (نقبل جمع أنا هو أنا’ت’) لأن هذه العدمية هي ضد على كل المظاهر والافتراءات ليست فقط نظرية تؤمن بالأنا فقط (الأنانة). فإذا كانت خصوصية ستيرنر أن ينفي كل ما يمكن أن يعرقل تلذذ أناه بنفسه فإن ذلك لا ينفي الآخرين أو على الأقل أولئك الذين نرتبط معهم بعلاقة ممكنة رغم أنها علاقة أنانية وذات مصلحة متبادلة وبدون تضحية. بالنسبة للفردية الخالصة والقحة لا يكون الجحيم هو الآخر ولكن أولئك الآخرين الذين يحتاجون للعبيد……. وللأسياد. لقد قضى جورج بالونت بصفته فردانيا بارزا، كل حياته وهو ينادي بأن الكائنات الإجتماعية ليست سوى مهرجانات للأوهام الاجتماعية الخالصة أو خيال بكل بساطة. واصفا بالدوغماتية الاجتماعية موقف أولئك الذين يقدسون المجتمع كعلماء الاجتماع أمثال دوركايم أو بوغلي، بجعله كائنا له جوهر داخلي أو أعلى من الأفراد وله- قيمة أخلاقية موضوعية ومطلقة، بل إنه يثبت على العكس من ذلك أن الفردية تفرض ما يسميه العدمية الاجتماعية حيث لا يصبح حق و وجود المجتمع ذا قيمة عليا على حق وجود الأفراد. بل بالعكس يكون هذا الوجود وحق المجتمع يصبح هنا مشكوكا في أمره ومنفيا بصفة أكثر إيجابية. من هنا يشع هذا الاستنتاج المجرد بأن المجتمع لا وجود له وأن الوجود للأفراد فقط. رسالة تحرير يمكن أن يتضح لنا إذا ما لاحظنا جيدا أن عدمية المجتمع هي في كثير من النواحي ذات طبيعة جد خاصة إذ أنها ليست عدمية….. سلبية. فمن جهة هي تعتمد على العمل على اصطياد بالونات حيوية المجتمع من أجل فرقعتها وإفراغها من الهواء، وبذلك تقوم بعمل صحي ومفيد من إزالة الغموض مما يستوجب منع الاعتراض بعد ذلك. فهي هنا ضد على ما تدعيه الاتهامات المعارضة للفردية تنفي فقط ما ليس موجودا ولا تهدم أي حقيقة ولكن فقط الأفكار الغامضة والأوهام غير السوية. لا توجد مؤسسة المجتمع الكبرى ولا توجد أيضا كلية اجتماعية قاهرة أو كل يفوق ويتجاوز مجموع أجزائه ولا يوجد أيضا جسد اجتماعي، هذه كلها رسائل إشراق وتحرير.

بالإضافة إلى ذلك أيضا لا تنفي الفردية كل شيء ولكن لا يوجد شيء آخر باستثناء الأفراد وحريتهم. فهي لا تنفي الآخرين ولكن تنفي أن يكون لهم اجتماعيا حقوق على الفرد الوحيد الذي يريد العيش لذاته وبذاته. في هذا الإطار يمكن أن نجمع على التقدير المتفرد لكامو في كتابه الإنسان الثائر بخصوص ستيرنر، إذ يقول ان الفردية تصل هنا إلى القمة، حيث تصبح نفيا لكل ما يستبعد الفرد وتمجيدا لما يمكن أن يمجده ويبجله. نفيا لنفي مما يسمح بالإيجاب كما يعلم الجميع، فالفردية هي عدمية غير سلبية. فلاءاته تنقلب لقبول وإيجاب ورفضه للامتثال هوعملية إيجابية قبلية، فالفرد بصفته حقيقة واحدة وحريته بصفتها قيمة أولى. وبذلك تشترط إتباثا ثانيا متسقا ألا وهو أن المجتمع يجب أن يصبح ما هو عليه كنتيجة عفوية لحرية التعاون بين الأفراد. نحن هنا نبتعد عن العدمية الأخرى، ضد الأفراد، التي فوق كل ما هو خارجي وبَنَُاءٍ وأخلاقي لا تعبر سوى عن الرفض الإرادي والمريض للفردية باعتبارها الوحيدة التي توجد وتحيىا وتعمل.

في البداية تكون الفردية هادمة للمعتقدات والمثل لتصبح في آخر المطاف عدمية منشطة ومبدعة حيث تبعد العراقيل عن الطريق الذي يوصل إلى الحصول على الطبيعة المتقطعة لما هو حقيقي.

كتبها: آلان لورون ALAIN LAURENTعن المجلة الأدبية عدد خاص رقم 10 le magasine li’raire hors s’rie n10ترجمها للعربية: أنس شاكر العمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية