الفرعون والكهنة وخداع الآلهة

حجم الخط
0

عناية جابرفي الغرب الرأسمالي تسقط حكومات وتقوم أخرى اذا لم تستطع تحسين أجور عمالها بنسبة لا تتعدى غالبا صفر فاصل نصف نقطة بالمائة(0، 5′). أ و إذا عجزت عن تحسين حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية. تتأسس الحكومات على هذا الأساس وتنفرط على أساسها ايضا. يحتل الوزراء الخبراء أهّم حقائبها. أما عندنا فإن الحكام الذين أتت بهم الثورة التي ثار ناسها من أجل الخبز والحرية والعدالة لا يهتمون إلا بدستور يدرسون كيفية إخراجه بحيث يؤمن لهم الغلبة والاستمرار. لكن السؤال اليوم هو الاستمرار في أي شيء ولماذا ؟ هل يستطيع هذا الحكم الجديد ان يؤمن استقرارًا له من دون إستقرار اقتصادي من دون دوران طبيعي للعجلة الاقتصادية ؟خطورة الامور تقتضي المصارحة .الارقام تتحدث عن تراجع الاحتياطيات المالية للدولة المصرية من 35 مليار دولارا في العام 2010 الى النصف حتى مارس2011. اي بتراجع قدره مليارا دولار بالشهر الواحد. وبين مارس من العام الماضي ويومنا هذا مر عام نصف لم يستطع الاقتصاد المصري ان يستعيد وضعه السابق مما يدفعنا الى الاعتقاد وبدون اي مغامرة علمية بأن الاحتياط المالي المصري قد نفد وبأن الحكومة الحالية قد لجأت أغلب الظن الى الطبع الورقي غير المغطّى وذلك لكي تستطيع إيفاء مستحقاتها من المعاشات الوظيفية وتغطية دعم الكثير من المواد الاولية الضرورية لحياة المصريين وخدمة الديون.النماء الاقتصادي الذي كان يدور بين 5 و 7 بالمائة هبط اليوم الى ما دون الواحد بالمائة. دخل السياحة تراجع بنسبة الثلث من 12 الى 8 مليارات دولار. دخل العمال المصريين العاملين في الخارج تراجع هو أيضا بسبب العودة القسرية لحوالي مليون عامل مصري من ليبيا. الصادرات المصرية تراجعت الى أقل من النصف قليلاً فيما تستمر مصر باستيراد سلع تمثل ضعف ما تصدر. اي بعجز تجاري يتراوح حول 10 مليارات دولار سنويا.التضخم اي زيادة الاسعار وصلت الى ارقام خيالية تدور حول 13 بالمائة حسب المصادر الرسمية الأمر الذي يمتص كل مفاعيل اي زيادة على الاجور في محاولة لإمتصاص النقمة الشعبية. البطالة من ناحيتها تتحمل كل الارقام الممكنة والخيالية. المصادر الرسمية تضعها بحدود 15بالمائة وبعض المصادر الدولية تراها بين 25 و30 بالمائة.الوضع اكثر من كارثي لأن مفاعيل هذه الارقام واضحة لمن يريد ان يرى. ذلك ان التراجع في النمو وفي الاحتياطيات المالية وفي الصادرات وفي العائدات لا يمكن الا أن يعني تراجعًا هائلاً في مستوى حياة البشر ترجمته البسيطة هي الجوع . وهنا علينا ان ننبه الى ان 40 بالمائة من المصريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر ‘في أيام العز والازدهار الاقتصادي ‘ قبل الثورة وقبل هذا التراجع الكارثي في الاقتصاد المصري فما بالك بالوضع اليوم ؟الفراعنة الجدد والكهنة المحيطون بهم منصرفون الى ‘أمرهم’ والناس تعاني الأمرين من حالة لم تعد تطاق وهي مرشحة بالتأكيد الى المزيد من التعفن والقهر وشح القوت.صحيح أن حالة عدم الاستقرار التي تعرفها مصر اليوم وتؤثر على اقتصادياتها سلبًا تصاحب عادة كل الثورات التي تعود فتنجح في التغلب عليها مع بعض التضحيات التي يقبلها الشعب صاغرًا، لكن الصحيح أيضا أن الثورات تأتي ومعها فكرها ورؤيتها وبرامجها وتشخيصها وأشخاصها التي تحمل حلا لمعضلاتها العميقة. المعروف هنا ان مصر ما قبل الثورة تواجه وضعًا اقتصاديًا صعباً يتمثل في تركيب لأصناف المعاش والانشطة الاقتصادية متناقض مع تزايد سكاني هائل يجعل من المستحيل اذا ما استمر على حاله أن يلبي الحاجات المتزايدة يوما بعد يوم. اقتصاد خدمات يحتاج عرفاً الى القليل من اليد العاملة ويد عاملة تقدر سنويا بمليوني آدمي ينزلون الى سوق العمل. بلد يراوح دخله على نفس المستوى تقريبا منذ سنوات وسكانه زادوا ثلاث مرات ونصف في السنوات الخمسين الاخيرة. اما الفراعنة الجدد فلم يروا في المشكلة الا جانبها التوزيعي الفاسد. انهم يظنون بناء على نصائح كهنتهم أن العدل في توزيع الدخل سوف يسمح للناس ان تعيش في البحبوحة متناسين ابسط مبادىء العلوم الاقتصادية التي تقول بضرورة زيادة الموارد لمواجهة الزيادة السكانية. الا أن زيادة الموارد ربما تطلبت من الفراعنة الجدد تغيير موقفهم من الذي دعمهم على الصعيد الدولي لكي يقفزوا الى السلطة. ذلك ان الداعم لا يحب التغيير في بنية اقتصادنا بناء على حاجاتنا بل بناء على حاجات اقتصاده هو وبقاء مصر سوقا لسلعه ومصدرا للمواد الخام الرخيصة.الفراعنة الجدد لم يجدوا في تصدير الشباب المصري الى الخارج معضلة اجتماعية على ‘الثورة’ أن تحلها، بل تعاطوا معها ب’واقعية’ مخذلة اي كدخل مالي مهم يسمح للدولة بالانصراف الى تلبية نفقاتها الداخلية. والحال فإن الشباب مدعو الى متابعة الهجرة لانها مصدر غلة لمن تبقى في الداخل. كيف يمكن لهؤلاء الفراعنة الجدد أن يتفرغوا لدراسة الدستور والاستقرار السياسي في بلاد تعيش على بركان لا ينتظر غير الانفجار؟ طبعا الكهنة يقولون غير ذلك. وهذا ليس جديدا في مصر. تعرفون ، كما يقول رفعت السعيد، ان في التاريخ المصري وفى نهاية ‘الأسرة العاشرة’، كانت الأمور قد أصبحت لا تطاق، وتحكم الكهنة فى أمر فرعون وأقنعوه بأن يمنحهم إقطاعات ضخمة مقابل أن يقدموا القرابين للآلهة نيابة عنه، ثم تحول الإعفاء من الضرائب إلى الحق فى جباية الضرائب (مورييه- النيل والمدنية المصرية) وتصاعد الفساد واكتشف المصريون أن الكهنة لصوص ‘وأنهم يخدعون حتى الآلهة فيذبحون الإوز كقرابين، زاعمين أنها ثيران’ (د. شفيق شحاتة ـ تاريخ القانون المصري).اكتشف المصريون يومها ان الكهنة لصوص يخدعون الآلهة، فهل يكون كهنة اليوم كسابقيهم في التاريخ المصري يخدعون المصريين والآلهة معا فيذبحون المصريين كقرابين بدل الاوز هذه المرة ؟ ‘الدستور’ المصرى الفرعونى عُرف بثلاث كلمات مقدسة ترجمها جون ولسون فى كتابه ‘الحضارة المصرية’ وهى ‘ماعت’ أى العدل والحق والاستقامة، و’حو’ وتعنى السلطة الرشيدة، و’سيا’ وتعنى الإدراك العاقل للأمور، فهل من الكثير أن نحلم لمصر اليوم ب’ماعت حو سيا’ قبل خراب البصرة ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية