لندن ـ «القدس العربي»: قامت أندية الدوري الإنكليزي الممتاز باستثمار ما يزيد على ملياري جنيه إسترليني، لشراء لاعبين جدد خلال فترتي انتقالات موسم 2024-2025، ليواصل البريميرليغ تربعه على عرش الدوريات الأكثر إنفاقا وجذبا للجواهر الخام عالميا، لكن الكثير من هذه الصفقات، خصوصا التي تمت بمبالغ طائلة، لم ترتق إلى مستوى التوقعات، أو بالأحرى فشلت فشلا ذريعا، مثل إعارة جادون سانشو من مانشستر يونايتد إلى تشلسي، وتعاقد اليونايتد مع ماتياس دي ليخت من بايرن ميونيخ، وانتقال رحيم ستيرلينغ إلى آرسنال، وغيرها من الصفقات التي وصفت إعلاميا بـ«الكارثية»، بينما في المقابل، كانت هناك بعض الصفقات الذكية التي خطفت الأضواء بتأثيرها وحضورها داخل المستطيل الأخضر، بعيدا عن قيمتها السوقية وأسعارها في سوق اللاعبين، وفي هذا التقرير سنستعرض معا أبرز وأفضل الصفقات التي أبرمتها أندية البريميرليغ هذا الموسم.
الفرعون والأسد
صحيح الدولي المصري عمر مرموش، انضم من آينتراخت فرانكفورت إلى مانشستر سيتي في سوق الانتقالات الشتوية الأخيرة مقابل رسوم لامست الـ60 مليون باوند، إلا أنه ظل الوحيد الذي جاء إلى «سكاي بلوز» في منتصف الموسم وتمكن من الحفاظ على مكانه في التشكيل الأساسي حتى اللقاء الختامي أمام بورنموث، وهذا لا يعكس سوى مرونة الفرعون وسرعته في التكيف على بيئته الجديدة في الجزء السماوي لعاصمة الشمال، وعلى الرغم من سوء حظه في المباراة النهائية لكأس الاتحاد الإنكليزي، التي أهدر خلالها ركلة جزاء كانت كفيلة بعودة فريقه إلى نتيجة المباراة، إلا أن الحالة التي كان عليها في جُل مبارياته، تبشر بأنه سيكون الحصان الرابح المستقبلي في كتيبة بيب غوارديولا، بما أظهره من جوع ورغبة لتحقيق الانتصارات والبطولات مع الفريق، وذلك في الوقت الذي كان يُعاني فيه السيتي من أزمة نادرة، بتراجع جماعي في أداء أغلب لاعبيه المؤثرين في سنوات نجاح غوارديولا في «الاتحاد»، ويُحسب للشاب العشريني أنه لم يتأثر بشكل سلبي، بعد ضياع ركلة الجزاء الفارقة أمام نسور العاصمة الإنكليزي، بعودته القوية في المباراة التالية، التي استهلها بهدف نسخة جائزة «بوشكاش» في شباك بورنموث، بتسديدة يُقال عنها من «الزمن الجميل»، ونفس التأثير أحدثه ابن قارته، الدولي السنغالي إسماعيل سار، بعد إعادته من مارسيليا الصيف الماضي في صفقة بلغت تكاليفها حوالي 13 مليون بعملة المملكة المتحدة، لتنفجر موهبته في البريميرليغ أكثر من أي وقت مضى، راسما لنفسه صورة الجناح الذي لا يتمنى أحد مواجهته، على عكس النسخة التقليدية التي كان عليها مع فريقه الأسبق الإنكليزي واتفورد، وذلك بفضل نجاح المدرب أوليفر غلاسنر في توظيفه في عمق الملعب، ليساهم في تسجيل ما مجموعه 14 هدفا من مشاركته في 37 مباراة على مستوى الدوري، من أصل 19 مساهمة تهديفية في مختلف المسابقات، بما في ذلك معجزة التتويج بأول لقب منذ أكثر من قرن من الزمن، بعد خطف كأس الاتحاد الإنكليزي من المان سيتي.
المقاتل والعداء
بعد اكتفاء سيلتا فيغو باحتلال المركز الثالث عشر في الدوري الإسباني للمرة الثانية على التوالي في موسم 2023-2024، وقع اختيار المسؤولين وأصحاب القرار في ولفرهامبتون على الشاب الذهبي النرويجي يورغن ستراند لارسن، الذي أنهى موسمه الأخير مع فريقه الإسباني وفي رصيده ما مجموعه 13 هدفا، وهو معدل الأهداف الذي نجح في معادلته مع الذئاب قبل جولتين من نهاية موسم البريميرليغ، كواحد من أبرز المساهمين في بقاء ولفرهامبتون بعيدا عن منطقة الهبوط، وذلك ليس فقط لأنه ثاني أفضل هداف في الفريق بعد البرازيلي ماتيوس كونيا، بل للتدرج الملموس في أدائه وقدرته على الحفاظ على الكرة، إلى جانب المجهود الكبير الذي يبذله، والذي يثلج صدر مدربه فيتور بيريرا، الذي قال عنه ذات مرة نقله عن موقع «Goal»العالمي: «يجب أن يكون مهاجمي مقاتلا. يجب أن يكون من يبدأ الدفاع أولا، وبالطبع، لا تقتصر مسؤوليته على تسجيل الأهداف. إنه ستراند لارسن يتمتع بهذه الروح والشخصية، إنه لاعب يعجبني أداؤه»، وهذا يفسر أسباب التقارير الرائجة في وسائل الإعلام البريطانية عن رغبة إدارة النادي الإنكليزي في تفعيل شرط التوقيع معه بعقد دائم مقابل رسوم تُقدر بنحو 23 مليون جنيه إسترليني، وتشمل قائمة الأفضل والأكثر ذكاء هذا الموسم، صمام أمان دفاع كريستال بالاس ماكسينيس لاكروا، الذي احتاج بعض الوقت للتأقلم مع رفاقه الجدد، خاصة بعد تفشي فيروس الإصابة في غرفة خلع الملابس، كما حدث مع مايكل أوليسي ويواكيم أندرسن وجوردان أيو، الأمر الذي عجل بتثبيت المدافع الفرنسي القادم من فولفسبورغ في التشكيلة الأساسية، وسرعان ما أثبت أنه ركيزة لا غنى عنها في ثلاثية غيهي وتريفو تشالوبا، كواحد من أبرز الأسماء التي ساهمت في صحوة النسور بداية من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شاملة هدفه المؤثر في ليلة التعادل مع مانشستر سيتي بنتيجة 2-2 في تلك الفترة، ودوره في التتويج بأعرق وأمجد الكؤوس في إنكلترا، متسلحا بسرعته المذهلة، التي تعزز قدرته الخارقة في استعادة الكرة، بجانب تمتعه بأعلى درجات الذكاء الكروي، لدرجة أنه نادرا ما يخطئ في تمرير الكرة إلى الأمام، وهذا ما جعل الكثير من الصحف والمواقع الرياضية البريطانية، تتسابق في إدراج اسمه ضمن أفضل صفقات الموسم وأكثرها ذكاء، من دون استبعاد سيناريو انتقاله إلى واحد من الأندية الكبرى في البريميرليغ هذا الصيف أو على المدى المتوسط، شريطة أن يحافظ على نسخته المميزة الحالية.
بعد تخرجه من أكاديمية مانشستر سيتي في العام 2020، اكتفى ليام ديلاب بالمشاركة في 6 مباريات فقط تحت قيادة الفيلسوف بيب غوارديولا، ليضطر للبحث عن مكان آخر من أجل الحصول على دقائق لعب أكثر، وحسنا فعل بانتقاله إلى إيبسويتش تاون، مستغلا الفرصة على أكمل وجه، بإظهار قدرته على تسجيل الأهداف من أنصاف الفرص، وبالرغم من ضعف الجودة في مختلف مراكز فريقه، الذي لم يتمكن من البقاء ضمن كبار البريميرليغ بعد عودته في بداية الموسم، إلا أن نجل لاعب وسط ستوك سيتي السابق روري، أثبت أنه مشروع مهاجم من الطراز العالمي، أو كما وصفه لاعب ليفربول السابق داني ميرفي في لقاء تلفزيوني موثق: «الخليفة الأكثر وضوحا لهاري كاين في إنكلترا»، لما لديه من صفات بدنية مهيبة مع الفنيات ولمسة الهداف القاتل التي يبحث عنها أي مدرب في العالم، وبناء عليه سيكون من الصعب عدم رؤيته مع أحد أندية البريميرليغ في الموسم الجديد. وهناك في القائمة أيضا، لاعب آرسنال ميكيل مورينو، الذي كان سببا في تعرض مواطنه ميكيل آرتيتا لعاصفة من الانتقادات، بسبب رغبة جُل المشجعين في توقيع النادي مع مهاجم رقم (9) من الطراز العالمي، قبل أن يتحول نجم ريال سوسييداد السابق، إلى واحد من أهم نجوم آرسنال في النصف الثاني، لا سيما بعد نجاحه في تعويض غياب الثنائي كاي هافيرتز وغابريل جيزوس، ليثبت أن مدربه كان محقا عندما وافق على دفع 32 مليون يورو نظير ضمه من ناديه الباسكي السابق، تاركا من كان ينتقده في البداية، يتغنى بما أضافه من بعد إلى هجوم المدفعجية، مطوعا مهارته الفنية العالية في ألعاب الهواء لخدمة مصلحة الفريق، وربما لولا أهدافه الحاسمة بداية من العام الميلادي الحالي، لواجه آرسنال مشاكل بالجملة لتأمين مكانه بين الخمسة الأوائل، لكن بفضل تنوعه، احتفظ آرسنال بمكانه في المركز الثاني للموسم الثالث على التوالي.
فان دايك الجديد
في تعليقه على الفوز المفاجئ الذي حققه بورنموث خارج قواعده على آرسنال، قال نجم ليفربول وتوتنهام الأسبق جيمي ريدناب لشبكة «سكاي سبورتس»: «دين هويسن لاعب رائع وهادئ الطباع، هو من النوع الذي يجعل المباراة تبدو سهلة وبسيطة، وأن يلعب شاب في العشرين من عمره بهذا المستوى والجودة والدقة، فهذا سيجعله محط أنظار الجميع في أوروبا. حقا إنه لاعب متكامل وفي العشرين من عمره»، وسرعان ما أثبت اللاعب الملقب بـ«فان دايك الجديد»، أن ريدناب كان صائبا في توقعه، تاركا يوفنتوس يعض أصابع الندم على بيعه بثمن بخس، لم يتخط حاجز الـ13 مليون إسترليني في صيف 2024، وذلك بطبيعة الحال، بسبب النسخة المبهرة التي كان عليها مع فريقه الإنكليزي هذا الموسم، كمدافع يجمع بين الشراسة والحدة وبين الأناقة والجودة في توزيع الكرة، بجانب تفوقه الكاسح على خصومه في ألعاب الهواء، بتلك الطريقة التي هز بها شباك آرسنال في قلب ملعب «الإمارات»، في ما كان هدفه الثالث في الدوري مع بورنموث، ما ساعده على حصوله على استدعاء لتمثيل إسبانيا، بعد استقراره على تمثيل لا روخا على حساب وطن الآباء والأجداد الهولندي، واكتملت بانضمامه إلى ريال مدريد منتصف هذا الشهر مقابل حوالي 60 مليون يورو، في صفقة مستقبلية بالنسبة للنادي الملكي، الذي يسعى جاهدا للنزول بمعدل أعمار خط الدفاع، لكن من دون المساس بجودة المنظومة الدفاعية، بعد التأثر بشكل سلبي بغياب ديفيد آلابا وإيدير ميليتاو بداعي الإصابة، بالإضافة إلى تذبذب مستوى الألماني أنطونيو روديغر، أما بالنسبة لبورنموث، فكانت واحدة من أذكى الصفقات التي أبرمها النادي، بعد الفوز بأكثر من أربعة أضعاف قيمة التعاقد معه من اليوفي خلال أقل من عام، في ما كانت أشبه بهدية العمر من فريق السيدة العجوز، الذي رفض الاستماع لطلب مدافعه بالبقاء مع الفريق بعد عودته من ذئاب العاصمة الإيطالية. هذه تقريبا كانت أفضل الصفقات وأكثرها ذكاء في الدوري الإنكليزي الممتاز هذا الموسم.