ليلة لا تنسى لشعر محمود درويش بموسيقى الاخوة جبرانحسام الدين محمد لندن ـ ‘القدس العربي’ تألقت فرقة الاخوة جبران الفلسطينية ليلة السبت الماضي في حفلة جمعت بخلطة رائعة بين شعر محمود درويش والموسيقى التي تشاركت عليها اعواد الاخوة الثلاثة، اضافة الى دور كبير لضارب الايقاع الرائع يوسف حبيش.
ابتدأ الحفل بتقديم الصحافية المعروفة سميرة قعوار للاعلامي ورئيس تحرير صحيفة ‘القدس العربي’ عبد الباري عطوان، الذي سرد خلال عشر دقائق بعضا من حكاياته الحميمة والخاصة جدا عن محمود درويش.
تحدث عطوان عن الحالة المادية المتواضعة التي كان يعيش فيها الشاعر الكبير سواء في باريس، في شقة صغيرة جدا، او في عمّان، بالأردن، حيث كشف ان الشاعر اشترى شقته بالأقساط، كما تحدث عن موعد الساعة الثانية عشرة ظهرا، الذي كان موعد مكالمتهما اليومية، وعن حبّ الشاعر الشديد للنساء، حيث كشف علاقة حميمة جمعته بمطربة مصرية شهيرة، كما تحدث عن شكه من ان احدى السلطات الدكتاتورية العربية (التي اشار عطوان الى انها تشهد انتفاضة الآن) تجسست على غرفته في الفندق وصورته مع احدى النساء.
بعد جو البوح الحميم هذا قدّم عطوان فرقة جبران واشاد بقربها من درويش وتمثلها الابداعي له.
بعد ذلك بدأت الفرقة حفلها بحديث الأخ الأكبر سمير عن كيفية تأليف هذا الكونسيرت، الذي ابتدأ بمحاولة في اربعينية اقيمت لدرويش في رام الله، وكيف تطورت لتصبح عملا كبيرا متكاملا، عرض في عشرات العواصم وبعدد من اللغات، بينها الفرنسية والالمانية واليونانية والانكليزية.
بدأت الموسيقى بجدل هادئ بين العازفين الثلاثة وضارب الايقاع، ناقلا لحظات شجن حميمة تجمع بين الحزن الشفيف والايقاع البطيء المتصاعد ليعبّر عن القلق الوجودي الهائل الذي قدّمه درويش في واحدة من قصائده الاخيرة ‘لاعب النرد’، ومع صوت درويش العميق وكلماته المحيّرة والمقلقة والمليئة بالتواضع والشغف بالحياة والغازها وهو يقول:’مَن أَنا لأقول لكمْ/ ما أَقول لكم؟/ وأَنا لم أكُن حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ/ فأصبح وجهاً/ ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ/ فأصبح ناياً… أَنا لاعب النَرْدِ / أَربح حيناً وأَخسر حيناً/ أَنا مثلكم /أَو أَقلُّ قليلاً…’ تصاعد ايقاع الأعواد والطبول الى ان وصل الى قمّة لهاثه وانفعاله وهو يقول:’أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ / أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أُسرعُ / أُبطئ / أهوي / أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أري / لا أري / أتعثَّرُ / أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ / أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى / أرى / لا أرى / أتذكَّرُ / أَسمعُ / أُبصرُ / أهذي / أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أُجنّ / أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أُدْمَي / ويغمي عليّ’ فانخرط العازفون في ما يشبه نوبة من الانجذاب الصوفي، بحيث تنافست الاوتار واسطوانات الايقاع النحاسية والطبول نحو ذروة عاطفية عالية.
تنتهي قصيدة درويش، التي يسائل فيها الغاز العمر ومصادفاته وامكانيات انتهاء الحكاية بشكل مفاجئ، كما حصل معه اكثر من مرة بنشيد احتفال كبير بالحياة بكل ما فيها:’للحياة أقول: على مهلك، انتظرينيالى ان تجف الثمالة في قدحي…’وتتناغم الحان المجموعة بشكل جد معبر ومقنع ومطرب، بحيث تتواقع الكلمات والالحان وتتداخل في بوتقة واحدة مع الجمهور المتفاعل.
خاتمة القصيدة الرائعة التي يقول الشاعر فيها:’في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْلنشيد الوداع. على مَهْلِكِ اختصرينيلئلاَّ يطول النشيد، فينقطع النبرُ بين المطالع، وَهيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ:
تحيا الحياة!’بدت هذه الخاتمة المؤثرة مخلوقة لهذا الحفل الموسيقي ولهذا الجمهور الذي وقف على قدميه محييا الشاعر والعازفين الذين ‘يشدون اوتار آلاتهم لنشيد الوداع’، بحيث رأينا روح الشاعر تجول بيننا وتقول مجددا ‘تحيا الحياة’. اضافة الى ‘لاعب النرد’ عزفت الفرقة على قصيدتين لدرويش يتمثل في الاولى صوت الرسالة المحمدية، وفي الثانية عودة اخرى الى الاحتفال بالحياة وجمالياتها ‘على الارض ما يستحق الحياة’. كما قدمت الفرقة تحية اخرى لروح درويش بعد ان روى سمير جبران حكايتها التي قال فيها، انه كانت احدى امنياته ان يرى درويش بعد استيقاظه وان يشرب معه قهوته الشهيرة ويشاهده بالبيجاما، وكان له ذلك في احدى الحفلات، حيث استفاق الشاعر باكرا وهو يدندن بلحن لمحمد عبد الوهاب، وكانت التحية هي غناء هذه الاغنية الوهابية الجميلة، التي طرب لها الجمهور وشارك الفرقة غناءها.’في ظل الكلام’ الدرويشي، كانت حفلة تاريخية للجالية العربية في بريطانيا استمتع فيها الجمهور اشد المتعة.
ويجب ان نقول اخيرا، ان فرقة جبران استطاعت كسر الحاجز المألوف بين الجمهور العربي والموسيقى العزفية غير المغناة، والتي غالبا ما كان يغلفها الافتعال والتعالي على الجمهور. انجاز الجبرانيين وحبيش كانت في احياء هذه الفكرة العظيمة وتقديمها بأكثر اثوابها اقناعا وتأثيرا وفاعلية، بحيث قامت بتوحيد عناصر يصعب ائتلافها: الشعر الحديث، الموسيقى والجمهور.