إن الحديث عن مشروع تنمية حقيقي في بلدان الربيع العربي اليوم يتطلب أولا نظريات سياسية وإقتصادية وإجتماعية متكاملة مبنية على دراسات للواقع وعلى المحيط الإقليمي وخاصة على الإحصائيات الدقيقة وهذا ما لا نمتلكه في عالمنا العربي مع الأسف لان المشكلة الاولى التي تعترضنا في أي تحليل أو وصف للواقع هي تسييس المعلومة، في تونس مثلا إستبشرنا خيرا بالثورة وضننا أن زمن الغموض والتسييس للمعلومة قد إنتهى فما راعنا إلا مع تشكيل حكومة الترويكا بوضع أحد مواليها على رأس المعهد الأعلى للإحصاء في مرحلة أولى ثم وضع تجمعي سابق حليف للترويكا على رأس البنك المركزي، وطبعا عدنا إلى سياسة التصحر المعلوماتي والغموض والتسييس للمعلومة.. في الشارع، صار المجتمع ضحية للتجاذبات السياسية وخاصة التقسيمات بقيادة أحزاب الدين السياسي من إخوان وسلفيين، وما الدعوات الكثيرة التي رأيناها للقتل والتي طالت رموز المعارضة ماهي إلا دليل على سياسة هذه الاحزاب. فالحقيقة أن تيارات الدين السياسي وبمجرد وصولها للسلطة نجحت إلى حد ما في تحويل مطالب الثورة من تشغيل وجرية وكرامة وعدالة إجتماعية إلى نقاب ولحية وجلباب، ولفهم سياساتهم يكفي فقط أن ترى الربط مثلا المتعمد الذي يقومون به بين العلمانية والكفر وترويجهم أن العلمانية هي الإلحاد! ويتعمدون النسيان أن العلمانية ليست دين، بل هي آلية تقوم على الإيمان بفصل الدين عن الدولة والفصل بين السلط، فهي الضمان الوحيد أن لا تجتمع السلط في يد تيار واحد وهي الضمان الوحيد أن يكون الصراع السياسي صراعا بين تيارات فكرية على أسس برامج تنموية حقيقية لا صراعا إيديولوجي تزهق فيه الأرواح تحت الشعارات الرنانة، أن يكون جوهر القانون مبنيا على الدين فهذا لا يتعارض مع العلمانية التي هي في حقيقة الأمر ليست سوى آلية وهذا مع الأسف ما تحاول جماعات الدين السياسي تغطيته لأغراضها السياسية. إن الإختلاف الأساسي ليس على جوهر القانون (الشريعة) بل على آلية التطبيق من جهة وقيمة النص القانوني في حد ذاته، فالنص القانوني يتطلب تطبيقه جملة من الشروط يجب ان تجتمع جميعها قبل تطبيقه ويكفي أن يغيب شرط واحد كي يسقط نص القانون نفسه، ثم ماهي الآلية التي تضمن تطبيق القانون على الجميع، كل التجارب الإسلامية بحاضرها وماضيها لم تخلق آلية واحدة تضمن المساواة بين الجميع في مسالة التطبيق مما جعل الشريعة لعبة بيد الأقوياء يطبقونها على ضعاف القوم بمباركة رجال الدين، ثم يقولون أن مشروعهم كان قائما وقضى عليه الإستعمار وآن الأوان لعودته، فعن أي مشروع يتكلمون؟ فالمشروع الذي كان قائما لم يكن مشروعا إسلاميا بل مشاريع سقطت بسقوط الدول التي تبنتها من الأمويين وصولا إلى العثمانيين ولم تورث الأمة إلا تقاسمات ونزاعات مازالت نارها مشتعلة إلى اليوم،مشاريع وسياسات إقتصادية بنيت على الغزو والحرب والقرصنة والضرائب المرتفعة التي يدفعها المواطن البسيط ويستثنى منها أصحاب النفوذ والذين هم الممتلكون الحقيقيون للثروة، وشريعة لم تطبق يوما على امير أو سلطان أو حتى والي …إن الحديث عن مشروع متكامل يجرنا إلى الحديث عن فكر إقتصادي وإجتماعي وسياسي، وهذه كلها علوم مستقلة، فكيف يمكن مثلا الحديث عن ذلك في تيارات فكرية لا تعترف أساسا بأن الإقتصاد علم والسياسة علم والتصرف علم .. علينا ان نفهم ان العقل الإنساني يتطور ومعه تتطور المفاهيم والعلوم،ومع الأسف فإن العقل العربي مازال يعيش على التاريخ والماضي ولا ينظر فعلا إلى المستقبل، نحن عاجزون عن تقبل بعضنا، عندما أنظر مثلا إلى الحياة في أوروبا، حياة تظم كل الأعراق من هنود وبوذيين وسنة وبهائيين وشيعة ويهود وبروتستانت وكاثوليك وغيرهم،كلهم يعيشون في مجتمع واحد يتساوون فيه في الحقوق والواجبات،يختلطون فيه دون أي مشكلة عرقية أو صراع ديني، وعندما أرى شارعنا العربي أصاب بالإحباط فالتكفير والتشويه والسب يأتي من المتدينين قبل غيرهم، ولا تذهب بعيدا بنظرة بسيطة على إعلام هذه التيارات ترى العجب.. إن أكبر مصائبنا هي أن شعوبنا وقياديينا يعيشون فقط بنظرية المؤامرة والمؤامرة وحدها، ويطبقونها داخل المجتمع نفسه ويترجمونها كراهية وحقد بين أبناء الوطن الواحد من جهة وبين الشعوب في مرحلة أخرى، فماذا تنتظر من مجتمعات تحكمها الكراهية، يختار الناس فيها سياسييها بمبدئ الولاء للحزب أو على أساس العقيدة والدين لا على مبدئ الكفاءة، فالكفاءة والكفاءة وحدها يجب أن تكون المعيار لا الدين ولا الجنس ولا القبيلة.. إن بداية التحرر يجب أن تكون تحررا فكريا، وذلك اولا بقيول الآخر رغم إختلافه، بداية الإصلاح تكون بالذات، فإذا ما نجحنا أن نبني مجتمعا متحضرا منفتحا على مكوناته المختلفة فسنكون قادرين على مواصلة المسيرة.عبد القادر معيوف – فرنسا[email protected]