الفرق بين الثورات العربية والثورة البريطانية

حجم الخط
0

عدنان الياسين إتفق غالبية الكتّاب والمحللين العرب على إلصاق صفات الجريمة والسلب والنهب على ثورة المهمشين في بريطانيا. ولم يذكر هؤلاء الكتّاب (إلاّ القليل منهم) أن لهذه الثورة أسبابها وجذورها السياسية والإجتماعية والإقتصادية، حالها حال الثورات في اليونان وايطاليا وفرنسا وإسرائيل وغيرها من دول العالم الذين استلهموا ثورات الشعوب العربية ضد أصنام أللّهت نفسها لعشرات السنين. في بريطانيا الحديث لا يدور عن شخص بل عن حزبين متحجرين مارسا الوصاية والولاية على الشعب لقرون وليس لسنين، بطريقة تشبه الى حد كبير نظمنا الديكتاتورية العربية. الفارق الوحيد بين الثورات العربية والثورة البريطانية هو سلمية وحضارية الثورة في البلدان العربية يقابلها عنف وهمجية في الثورة البريطانية بما يعكس الفوارق بين الشعوب، فالشعوب العربية جميعها مرتبطة بحضارات ضاربة جذورها في عمق التاريخ بينما الشعب البريطاني وكافة الشعوب الغربية (عدا روما واليونان) فهي شعوب لا جذور حضارية لها بل هي عالة على الحضارة وتعيش بشكل طفيلي على اقتصادات الشعوب الأخرى، وأما القشرة الحضارية التي نراها تغطي بريطانيا فتخبئ داخلها بل وأساسها كم هائل من جرائم كبرى ليس أولها إبادة شعوب ولا آخرها سرقة ونهب ثروات شعوب أخرى.

فاذا سمحت بريطانيا لنفسها أن تغزوا العراق وتدمره وتعيث فيه فساداً من أجل نهب ثروته النفطية (كواحد من أهم أهدافها) فلماذا نستغرب إذا ثار بريطاني فقير ومحروم على فقره وأخذ يسرق وينهب المحلات ويحرق ويكسر ما لا يحتاجه؟ أليس هذا المواطن هو تلميذ تلك الحكومة القذرة؟

من جهة أخرى، من قال أن الحكومة البرطانية تعاملت بإسلوب أكثر رحمة مع المتظاهرين من تعامل حسني مبارك مع الثوار في مصر؟ الأسلحة التي استخدمت في القاهرة استخدمت في لندن.

في مقاله الموسوم ‘الشرطة البريطانية والمساعدة العربية’ بتاريخ 12/08/2011 ذكر الأستاذ عبدالباري عطوان من ضمن ما ذكر، أن الشرطة البريطانية غير مسلحة على عكس الشرطة العربية، وهنا يحق لي أن أتساءل: إذا كان الأمر كذلك فكيف قتلت الشرطة مواطنا أسوداً، الجريمة التي تحولت الى فتيل أشعل الإنتفاضة؟ وكيف قتلت الشرطة البريطانية لأعوام قليلة خلت مواطناً برازيلياً في إحدى محطات مترو أنفاق لندن وبطلقات مسدس، لا لشئ إلاّ لأن سحنته تشبه العرب فشكّوا بأنه إرهابي؟ أم أن الشرطة البريطانية تكون مسالمة ووديعة وغير مسلحة عندما يتعلق الأمر بمواطن بريطاني أبيض أو أشقر وتكون مسلحة وشرسة بل ومجرمة إذا تعلق الأمر بمواطن أسود أو عربي أو مسلم أو أي مواطن من أمريكا اللاتينية يشبه العرب والمسلمين ما يجعله ليس مشبوهاً وحسب بل ومداناً يستحق القتل في الشارع؟

خلال الثورة البريطانية قتل ثلاثة أشخاص دهساً بالسيارات بما يشبه دهس المتظاهرين المصريين بسيارات الأمن وسيارات السفارة الامريكية. لو أضفنا لهذا الشبه بين الجريمتين استدعاء الحكومة البريطانية لمسؤول وضابط كبير في الشرطة الأمريكية (وليام براتون) وصف بأنه خبير مكافحة جرائم العصابات، ولو تذكرنا أن فرنسا عرضت على بن علي المساعدة في قمع الثورة التونسية، وإذا تذكرنا مشاهد رجال الأمن بملابس مدنية (والذين نسميهم الشبيحة والبلطجية) وهم يضربون المتظاهرين في إيطاليا واليونان ويسومونهم سوء العذاب، ألا يمكن أن نستنتج أن الحكومات الغربية ‘الديمقراطية’ هم الأساتذة في القمع والتنكيل وحكامنا هم التلاميذ؟ ألا يحق لنا إذا أن نشكك برواية الإعلام البريطاني ونشك بأن شبيحة وبلطجية كاميرون هم الذين ارتكبوا جريمة الدهس آنفة الذكر؟ ألم يطلق كاميرون العنان لشرطته باستخدام كل ما يلزم من رصاص مطاطي وخراطيم مياه وقنابل غاز ناهيك عن الرصاص الحي الذي كان مستخدما ً أصلاً حتى قبل الثورة؟ ألم يهدد كاميرون بإنزال دبابات الجيش إذا قدر للثورة أن تستمر؟ فما الفرق إذاً بين كاميرون ومبارك والأسد؟ كلهم وجوه لعملة الديكتاتورية والقمع. ولماذا لايزال الكثير منا يصدق الإعلام البريطاني فيما يخص هذه الثورة وغيرها وهم الذين يعترفون أن لهم مكاتب خاصة بالتضليل والتزوير والتشويه و التسقيط لأهداف سياسية أو كل ما يرونه يدعم مصالحهم حتى الشخصية منها؟ الديمقراطية ليست انتخابات كل أربع سنوات ثم تهمل المواطن الذي منحك صوته وتتصرف بكل ديكتاتورية.

الديمقراطية الحقيقية هي العدالة الإجتماعية قبل كل شيء وهذا ما لا يتوفر على مايبدو في بريطانيا وجميع الدول التي تقدم رأس المال على ما عداه.

أليس هؤلاء ‘الديمقراطيون’ هم الذين دعموا وما زالوا يدعمون كل ديكتاتورياتنا العربية؟

عدنان الياسين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية