السودان: ثم ماذا بعد؟

د. أمجد فريد الطيب
حجم الخط
0

في لحظة مضيئة من تاريخ البشرية، استطاع شعب السودان بصموده في ثورته المجيدة، أن يخلع نظام الفساد والاستبداد الذي جثم على صدره لثلاثة عقود. كانت لحظة ثورية مدهشة تحول فيها الفعل الثوري إلى نمط حياة في السودان، فأصبحت الثورة شعرا وغناء وموسيقي ورسوم وتظاهرات وشهداء وجرحى وهتافات تحاول رتق ما انفتق من نسيج الوحدة الوطنية. كانت الثورة لحظة مخاض تاريخي لولادة المستقبل من رحم الماضي المظلم. إلا أن المعركة لم تنته بعد.

بطبيعة اللحظة الأخيرة في التغيير، والتي شارك فيها الجيش مرتين: الأولى بالانقلاب على الرئيس المخلوع عمر البشير والثانية بالإطاحة بالتغيير الشكلي الذي جاء بنائبه بن عوف تحت الضغط المتزايد من الشارع الذي رفض هذا التغيير الشكلي جذريا، بطبيعة هذه اللحظة تشكل مجلس عسكري لإدارة البلاد. وبالرغم من أن هذا المجلس قد انصاع إلى مطالب الشارع تحت ضغط الاعتصام المستمر في أحايين كثيرة، إلا انه لا يزال يعاني من وطأة تأثيرات الدولة العميقة التي لا تزال توجه الكثير من خطاه. خصوصا مع وجود رجل كعمر زين العابدين المعروف بانتماءاته الإسلامية عضوا فيه بل ومسؤولا عن لجنته السياسية. أضف إلى ذلك ان شعب السودان لم يثر لأربعة أشهر متواصلة ليستبدل حكما عسكريا بحكم عسكري آخر. ولهذا اتفقت قوى تجمع المهنيين وقوى تحالف إعلان الحرية والتغيير أن يتم استبدال هذه السلطات السيادية من المجلس العسكري منفردا إلى مجلس مشترك جديد يتم تشكيله بشكل مدني وبتمثيل عسكري مقدر لدور الجيش الذي لعبه في المعركة الحاسمة. هذه النقطة التي لا جدال عليها، تقرأ في إطار التحول نحو دولة مدنية حقيقية في السودان. ولعبت بيانات الاتحاد الأفريقي والأوروبي دورا في الضغط على المجلس العسكري في ذات هذا الاتجاه نحو التحول المدني، ولكن هذه البيانات تشكل ضغطا غير محمود برغم من اتجاهاتها الصحيحة. فكلا المنظومتين الأفريقية والأوروبية استمرت تدعم النظام السابق وبقاء وضعه حتى اللحظة الأخيرة.

وكان من الأولى بها ان تكتفي الآن بدعم ما يتم الاتفاق عليه في هذه العملية السودانية الخالصة التي تجري بين الأطراف السودانية بدلا من القفز إلى ممارسة الضغوط الخارجية ومحاولة اختطاف العملية التي تجري الآن في الخرطوم تحت رقابة الشعب السوداني المعتصم في الشارع ونقلها إلى عواصم خارجية.

يثير المجتمع الدولي أيضا ملاحظات أخرى حول الفترة الانتقالية ويتساءل بعض سفرائه بتبجح حول طول الفترة الانتقالية واستمرارها لأربعة أعوام دون تفويض انتخابي، في محاولة لحث القوى السياسية للقفز نحو انتخابات سريعة، دون حل المشاكل العويصة التي تواجه البلاد وتصفية جذور الدولة العميقة التي لا تزال تسيطر على مفاصل كثيرة من الاقتصاد والسياسة في السودان. ويتناسى هؤلاء ان النزعة الليبرالية الأمريكية التي تربط بشكل قطعي بين الانتخابات والتمثيل ليست بالضرورة صحيحة في وضع دولة مثل السودان في الوقت الحالي. ففي ظل وجود أكثر من 8 ملايين نازح ولاجئ (وهو ما يقارب ربع تعداد شعب السودان) ووجود ملايين أخرى في المناطق المتأثرة بالحرب، مع استلاب اعداد أخرى كبيرة بحالة الظلامية التي استثمر النظام السابق المخلوع في نشرها، ستصبح الانتخابات السريعة الآن مجرد احتفال شكلاني حضري، يقصي أغلبية شعب السودان من المشاركة والتمثيل السياسي الحقيقي. الانتخابات ليست سدرة منتهى الديمقراطية وغايتها، بل هي وسيلة للتمثيل السياسي الذي نطمح إليه في هذه الفترة الحرجة والواقع المعقد.

معضلة أخرى تواجه البلاد وهي ضرورة الإسراع في تنفيذ الواجب المتفق عليه بتشكيل حكومة مدنية. الناس تحتاج إلى ان تشعر بثمار هذه الثورة. وان ترى إصلاحات حقيقية في مجال الخدمات الاجتماعية وإصلاحات جذرية في الاقتصاد والتعليم والصحة وغير ذلك. بالإضافة إلى أن المحاسبات العادلة والإصلاح القانوني يجب أن تقوم به سلطة قضائية مدنية مستقلة وان لا تتحول إلى مجال لتصفية الحسابات والضغائن. دولة قانون لا مزيد هي ما نريد. تقف معضلة المهام السيادية والاختلاف بين إيكالها لمجلس عسكري منفردا أو تشكيل مجلس مشترك مدني بتمثيل عسكري عقبة أمام هذا الواجب، وهذا نقاش سياسي من الطراز الأول يتعين على الجيش وعلى قوى الحرية إدارته بصبر وطول بال دون استجابة للاستفزاز والضغط و(التحريش) سواء من هذا المعسكر أو ذاك. كما يجب أن يرتبط هذا النقاش بنقاش دستوري عميق حول طبيعة الدولة التي نريدها وكيف نريد لطبيعة السلطة في السودان ان تكون، خصوصا في ظل الواقع المعقد الذي فرض التكوين الحالي للمجلس العسكري من قادة الجيش والفصائل العسكرية المختلفة.

تحتل قضية الحرب والسلام موقعها المركزي في حوارات المستقبل السودانية، فالضمان الأساسي والرئيسي للاستقرار والتحول المدني في السودان يرتبط بشكل مركزي مع التمثيل العادل لقوى الأطراف السودانية، وحل مظالمها التاريخية بشكل يضمن إيقاف الحروب الأهلية مرة واحدة وإلى الأبد. وهذا واجب يمكن للمجتمع الدولي والإقليمي ان يلعب دورا مقدرا فيه بالالتزامات في دعم برامج التنمية والتطوير في تلك المناطق وتسهيل عملية صناعة السلام في شقها التقني العسكري، بدلا من اقحام نفسه في تفاصيل النقاش السياسي السوداني.

الخلاصة الآن، أن الشعب السوداني قد استطاع بتراكم نضال ثلاثين سنة إسقاط البشير ونائبه بن عوف، والآن انتهت مرحلة الفعل الثوري في الشارع، وبدأت مرحلة الفعل الثوري السياسي… والتي لا تقل عنها أهمية ان لم تكن تفوقها. انتهينا من صعوبات الجبال وجاءتنا صعوبات السهول… والتي لا نريد فيها بعض الأزهار ولكن نرغب في حديقة بلادنا كلها. وكما كان نضالنا منتصرا في المعركة فسيكون مجيدا في صناعة السلم المستدام في السودان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية