الفساد في العالم العربي: هل من دور للاحزاب والجماعات الاسلامية؟
محمود محمد الناكوعالفساد في العالم العربي: هل من دور للاحزاب والجماعات الاسلامية؟ كثر الحديث عن الفساد في العالم العربي حتي اصبح علي كل لسان ومنبر، وجاء الحديث من مصادر سياسية وبرلمانية وبحثية واعلامية، كما تناولته منظمات مدنية وطنية واقليمية وعالمية. وفي الوقت ذاته كثر الكلام عن الشفافية حتي كادت هذه الكلمة ان تفقد معناها بعد ان تلوثت مؤسسات النظم العربية بكل انواع الفساد ومنها: الفساد السياسي، والمالي والاداري والقضائي والامني والعسكري والتعليمي. لقد عم الفساد بسبب غياب الدور الرقابي، وهو دور اعلامي وبرلماني وقضائي بالدرجة الاولي، وعم ايضا بسبب ضعف دور ورسالة المساجد التي تعتبر عادة منابرها صوت وضمير المجتمعات العربية الاسلامية، لكنها تحولت الي منابر تابعة او متماهية مع سياسة الدولة، وتخضع حتي خطب الجمعة في اغلب الاوقات الي اشراف الدولة، بل الي اشراف اجهزة الامن!!في هذه الظروف تبرز اهمية دور الجماعات والتيارات والاحزاب الاسلامية في تقديم نماذج من النظافة والاستقامة والبعد عن اسباب التلوث بأي نوع من انواع الفساد المتفشي في المنطقة علي مستوي النظم السياسية. ان الجماعات الاسلامية تتعهد في خطابها وبياناتها ومبادئها باحياء قيم التدين عقيدة وفكرا وسلوكا، والناس في عمومهم لا يرفضون هذه القيم، بل يبحثون عن الصادقين في تدينهم، وكثير منهم يتمني ان يكبر اولادهم وبناتهم في مناخ من التدين الصحيح بعيدا عن الانحرافات الاخلاقية وبعيدا ايضا عن التشدد والتطرف. هذه الاجواء هي التي تفتح امام الجماعات والاحزاب الاسلامية كل الطرق لتصبح قوة اجتماعية مؤثرة وجاذبة لشعبيتها وانتشارها، والتزام هذه الجماعات والاحزاب بالانحياز الي قيم الكسب الحلال والبعد عن اسباب التلوث بأي نوع من انواع الفساد التي ذكرناها سابقا يبدو لي انها اهم دور من ادوارها في هذه المرحلة من تاريخ الشعوب العربية، مرحلة الفساد المتفشي في مؤسسات الدولة. ولعلي لا اكون مبالغا اذا قلت ان هذا الدور يسبق كل الادوار الاخري بما في ذلك الدور السياسي الذي اصبح الاكثر اغراء وبريقا رغم مصائبه وازماته. لقد تابعت نشاط بعض الجماعات والاحزاب الاسلامية في الوطن العربي، ولاحظت ان شعبية تلك الاحزاب تعتمد اساسا علي الاعمال الخيرية التي تنفذها، وهي جزء من ثقافة بناء الثقة وتأكيد قيم التدين الصحيح، فخدمة الناس والاحساس بحاجة الفقراء والمساكين والمرضي والمظلومين لا يقوم بها الا من تعمقت في داخله قيم المودة والرحمة والايثار. كما تعتمد شعبية تلك الاحزاب علي سمعتها عامة وذمتها المالية خاصة. وكشفت المعلومات الخاصة بنمو واتساع شعبية حزب العـــــدالة والتنمية في المغرب، وجماعات الاخوان في كل من فلسطين، والاردن، ومصر، وحزب الله في لبنان، ان اهتمام هذه الجماعات والاحزاب بهموم الناس الاقتصادية، ووضع برامج خدمية ولو موسمية لصالح المحتاجين هما اقوي سبب في انتشار شعبيتها.وقد اكدت قيادات تلك الجماعات والاحزاب بصورة علنية في مناسبات عدة انها لا تسعي الي الفوز بالاغلبية في المجالس النيابية لان ذلك سيقودها الي تشكيل الحكومة او المشاركة فيها بثقل معتبر وذلك سيحملها مسؤوليات وتبعات لم تتوفر شروط القيام بها في المستوي اللائق، وهذه الرؤية في حد ذاتها تعبر عن احساس بالمسؤولية ازاء المجتمع وازاء المشروع الاسلامي. وهي رؤية قد نضجت بعد تجربة طويلة من العمل والصراع الفكري والسياسي بلغ عمرها نحو قرن من الزمان في التاريخ الحديث للشعوب العربية ونظمها واحزابها السياسية. وهي رؤية تدل علي نظرة اجتماعية سياسية ثاقبة واذا استمر اصحابها في التمسك بها وتطويرها، والمضي في خدمة الجماهير ومساعدتهم في توفير حاجاتهم الاساسية ومنها العيش الكريم، والسكن اللائق، ومكافحة الأمية والامراض، فانها بذلك تكون قد جسدت دورا اجتماعيا انسانيا يؤهلها الي مزيد من النجاح، والنجاح الحقيقي سيعود الي فعالية قيم التدين المستنير الواعي بمتطلبات اللحظة التاريخية، واللحظة التاريخية الآن تتطلب زرع قيم الكرامة والعزة والحرية والتكافل، وهي قيم اجتماعية ضرورية واساسية للنهوض بهذه الشعوب. واذا كانت البطون جائعة، والابدان عارية عليلة، والرؤوس فارغة، والنفوس ذليلة، كيف يمكن لها انها تعرف طريقها نحو العزة والكرامة؟ ان العمل السياسي الذي تخوضه الاحزاب الاسلامية يقع في دائرة معقدة، اما العمل الاجتماعي الذي تمارسة وتخدم به اصحاب الحاجات فانه يقع في دائرة ايسر واشد ضرورة بل من الواجبات العاجلة، ومن يقوم بدور هذا الواجب وبقناعات دينية واخلاقية وانسانية في وطنه لا بد ان يتحول الي اسوة حسنة تتجه نحوها الابصار وتتعلق بقيمها ومثلها جماهير الناس. هنا يكون مجال النجاح الحقيقي، وهو المدخل السليم للانتصار في معركة البناء الاجتماعي والنهوض الحضاري، واذا كانت السياسة تعني اسلاميا رعاية وتدبير شؤون الأمة تمكينا للعدل والمساواة وتوفير الضروريات، فان الاحزاب الاسلامية مدعوة بان تقدم نموذجها الخاص في تحقيق الرعاية لمن حولها من افراد وأسر المجتمع الاكثر قربا رحما ومكانا.هذه الدعوة الي تقديم الاهتمام بالعمل الاجتماعي الانساني لا تعني الغاء او تاجيل العمل السياسي، ولا تعني ان تتحول الاحزاب السياسية الي جمعيات خيرية، وان تترك الساحة السياسية لشياطين السياسة يفسدون في الارض ويعبثون بمصالح الناس، لكنها تعني البحث والتفكر في الاولويات مهتدية بكل التجارب الانسانية سواء كانت تلك التجارب من مصادر تاريخية اسلامية او غير اسلامية، فالعقل الاسلامي عقل عالمي يأخذ ويعطي مع المحافظة علي معايير العدل والنزاهة. ان ما نشاهده من اقتتال حول السلطة، او حول بعض الخلافات السياسية يجعل المسلم في حاجة الي مراجعة المشروعات الاسلامية السياسية، فالدولة والسلطة لا تستحقان ان تعطيا الاهتمام الاكبر بعد ما راينا نتائج بعض التجارب الاسلامية في السودان، وفي العراق الآن، وفي افغانستان وفي ايران. ان المجتمع هو الذي يستحق كل الاهتمام، وكل التضحيات، المجتمع في حاجة الي التعليم والي الطعام، والي الدواء، والي السكن، والي ترسيخ قيم الحب والتعاون والتكافل استجابة لامر القرآن (وتعاونوا علي البر والتقوي) فمن لهذه القيم اذا طغت ثقافة الخطاب السياسي، وربما الكيد السياسي عند الجماعات الاسلامية ونسي الخطاب الاجتماعي والجهد التكافلي والتربوي وترسيخ قيم المودة والتسامح والانتخاء والتعالي عن السفاسف. ثم ما قيمة السلطة، وما قيمة الدولة اذا كان المجتمع يعاني من الامراض الاجتماعية، ويعاني من الفقر والجهل، ويعاني من الاحباط والاحقاد؟ هنا ميدان التحدي، ميدان العمل والابداع والفلاح والوعد من الله بالنتائج الطيبة للذين يعملون الصالات ويتواصون بالصبر والعفة والاستقامة مهما طال الطريق. فالدارس للتاريخ لا يمكن ان يجد دولة قوية بدون مجتمع قوي في علومه وصناعاته وتجارته وقيمه الانسانية الصائنة لتماسكه الاجتماعي. كاتب من ليبيا يقيم في بريطانيا8