الفساد في بلد يصعب وصفه!
المصطفي صوليحالفساد في بلد يصعب وصفه! من بين العجائب التي تثيرني الي حد التقزز أن فعاليات بلدنا، المغرب العزيز، لا تعطي كبير اهتمام للفساد، وذلك رغم الطبيعة الأخطبوطية والتوسعية لهذه الآفة المدمرة والتي أصبح من المؤكد لدي الجميع بأنه لا ديمقراطية مع وجودها ولا تنمية بشرية في ظل حضورها. وأنا هنا بطبيعة الحال لا أسترخص الدور الجيد الذي تلعبه كل من ترانسبرانسي المغربية وشراكتها مع وزارة التربية الوطنية، واللجنة المحلية بمدينة تطوان لمحاربة الفساد، والخطة الوطنية لتخليق الحياة العامة … من أجل المساهمة في الحد من تأثيرها. لكني مع ذلك أخاف من التأويلات التي تربط بين الفساد والرشوة الي حد التطابق خاصة وأن المشكلة ليست في وجود أو غياب الفساد، وانما هي في درجة تغلغله في المجتمع والمؤسسات وفي مدي حضور آليات الرقابة والمحاسبة عليه. فما معني الفساد؟ وما أصنافه؟ وما أشكال تمظهره؟ من حيث المفهوم، يصعب العثور علي تعريف جامع لكلمة الفساد، فهو في اللغة العربية نقيض الصلاح، والمفسدة هي خلاف المصلحة، والاستفساد خلاف الاستصلاح، ومن المرادفات التي تضعها عديد من القواميس للفساد هناك: خراب الدولة، الغش، التجسس، الاعانة علي الباطل، التدليس، والرشوة في التصرفات والالتزامات والمعاملات، وغياب المساءلة العادلة، ويترجم الأصدقاء في الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة كلمة corruption بالرشوة التي يعرفها ابن الأثير بقوله انها هي الوصلة الي الحاجة بالمصانعة فيعتبرونه الممارسة غير المقبولة الناتجة عن تعسف في استعمال سلطة سياسية أو ادارية أو قضائية أو اقتصادية الخ، وتحريفها لخدمة مصالح خاصة . وفي نفس السياق يعرفه كليتكارد Klitgard بأنه وضع الشخص بشكل غير مشروع لمصالحه الخاصة قبل مصلحة البشر والمبادئ التي أعلن عن التزامه بها . كما يعرفه ديفيد م لونا، في اطار ورقته التي تدخل بها في المؤتمر الذي عقده المعهد الدولي للأخلاقيات العامة في مدينة بريسبن الاسترالية يوم 4 تشرين الاول/ أكتوبر 2002 باشتراك مع الجمعية الاسترالية للأخلاقيات المهنية والتطبيقية وجامعة جريفيت والحكومة الاسترالية، بأنه هو عملية سرقة لثروات الأمة. انه (أي الفساد) يسرق من المواطنين قدراتهم الكامنة كما يسرق منهم طموحاتهم وتطلعاتهم نحو مستقبل أفضل وتعليم أحسن ورعاية صحية أشمل وقدرة علي الحصول علي المساكن والطعام والمياه وغيرها من ضروريات الحياة . أما البنك الدولي فيعرفه بأنه اساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص .و الواقع أن كلا من المضامين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقضائية والادارية والقيمية التي تشحن بها هذه التعريفات مفهوم الفساد هي ميزات لحالتنا المغربية، فحيثما وجهت ثمة راش ومرتش ورائش. وحيثما وجهت من جديد ثمة سارق، عمومي أو خصوصي كبير، وفوائد، وعمولات، وعقارات، تضخ في حسابات وسجلات موظفين عموميين أكبر. وحيثما وجهت مرة أخري هناك تجار مخدرات وحماة لاتصالاتهم وشبكاتهم ومعابر مرورهم. وحيثما وجهت كذلك تجد لاعبين بسلاح التطرف والارهاب ونارهما … كما تجد مالكين لزمام تعطيل القانون وقتل القرارات التنظيمية في مهدها.كل أصناف الفساد منتشرة بيننا، من فساد الابتزاز وفساد الاحتواء الي فساد المحاباة، وكل أشكاله ساكنة فينا: المقنع، والآخر العيني، وذلك سواء في شكل وضع اليد علي المال العام أو الحصول علي مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي وفي قطاع الأعمال العام أو الخاص ، وهو ما سبق للملك المرحوم أن سماه بالفساد الصغير الذي لا بأس منه. لكن أفدح ما للفساد من تكلفة هو اشاعته روح اليأس بين أبناء وطننا، ومن أدلة ذلك، مع غض الطرف عن الحضور الطليعي لشبابنا والمؤسف حقا في قوائم الارهاب الدولي، تصاعد عدد جثث مواطنينا من مختلف الأعمار التي يتم تجميعها يوميا من شواطئ ضفتي البوغاز.ويزيد من فداحة الفساد كونه يشكل حالة ذهنية سائدة في مجتمعنا تبرره وتجد له من الذرائع ما يسمح باستمراره واتساع نطاق مفعوله في الحياة اليومية كما في كل الفضاءات الرسمية وغير الحكومية وبينها. وفي هذا الاطار كان علي أن أختم بحكاية أحد الأصدقاء الذي رغم معارضته ككل الشباب المتعلم، خلال السبعينيات، لنظام الملك الراحل الحسن الثاني، ما أن بثت الاذاعة الوطنية خبر استيلاء الجيش علي السلطة في المحاولة الانقلابية الثانية حتي عبر عن سخطه قائلا: معني هذا أن مسعي خالي لتوظيفي سيبوء بالفشل، وذلك لأن هؤلاء الانقلابيين لربما سيطهرون البلاد من الرشوة … ، غير أني فضلت أن أنهي بتقييم يقول فيه ريمون آرون أنه مهما كانت طبيعة النظام، فان النظام الدستوري التعددي مهدد بالفساد علي الصعيد السياسي الصرف (ولو أن الظواهر الاقتصادية والاجتماعية تجعل هذا الفساد أكثر احتمالا)، ويكفي لادراك مباعث الفساد فهم جوهر النظام، فهو منظم للمنافسة بين جماعات أو أحزاب من أجل ممارسة السلطة، فغايته اخراج الرغبة المشتركة لصدام الآراء، قرار بصيغة الأمر للجميع حول المنافسة في المصالح والمسؤولية، وفي المعتاد، في خليط من الافراط والنقص لأن أحدهما يولد الآخر . سؤال: اذا كان الأمـــر هكذا في البلدان ذات الأنظمة الدستورية التعددية (بمعني التعدد السياسي والفكري وليس مجرد تعدد التنظيمات الحزبية، وبمعني التنافس من أجل ممارسة السلطة وليس فقط من أجل تسيير دواليب حكومية) فماذا عساه يكون المخرج في بلد يصعب جدا وصفه كذلك؟ ہ كاتب، باحث، ومؤطر، في مجال التربية علي حقوق الانسان والمواطنة ـ من أطر اللجنة العربية لحقوق الانسان (باريس)8