الفشل الامريكي يستدعي تصوراً جذرياً للخروج بعراق جديد
د. بشير موسي نافع الفشل الامريكي يستدعي تصوراً جذرياً للخروج بعراق جديد توصل أغلب المراقبين المستقلين منذ زمن إلي قناعة بإخفاق المشروع الامريكي في العراق وعجز الاحتلال عن تحقيق أهدافه الأولية. هذه القناعة لم تعد اليوم مقصورة علي دوائر المراقبين غير الرسميين. فقد كشف النقاب خلال الأسابيع القليلة الماضية عن عدد من التقييمات الاستخباراتية والعسكرية، الامريكية والبريطانية، التي تؤكد هذا الفشل. بعض ما توصلت إليه هذه التقارير: ان جيش الاحتلال فقد السيطرة نهائياً علي محافظة الأنبار التي تشكل ثلث العراق؛ ان رئيس الوزراء العراقي الحالي غير قادر علي، أو غير راغب في، مواجهة الميليشيات المسلحة المتورطة في القتل الطائفي؛ انه بالرغم من استنفاد كل الوسائل المتاحة للقضاء علي المقاومة (أو التمرد، كما تسميها التصريحات الامريكية الرسمية) فإن هذه المقاومة في تصاعد، بحيث باتت القوات الامريكية تتعرض لهجمة مسلحة كل ربع ساعة، وان المتوقع ان تزداد حدة المقاومة في العام القادم؛ أنه بعد أسابيع من تطبيق أكثر الخطط الأمنية إحكاماً، وبمشاركة الآلاف من الجنود الامريكيين، فإن الأسبوع الأخير من أيلول (سبتمبر) شهد أكبر عدد من العمليات الانتحارية؛ ان الولاءات الحزبية والطائفية والإثنية تنخر جسد الجيش العراقي الجديد وقوي الأمن (التي بنيت أصلاً علي أسس طائفية وإثنية)، وان لا ثقة في قدرة أي منهما علي التعامل مع الوضع الأمني ان انسحبت القوات الأجنبية؛ ان لا تناقص في معدل خسائر قوات الاحتلال، وان تكاليف الاحتلال المالية تعدت الأربعمئة مليار دولار؛ ان الفساد الذي تعاني منه أجهزة الحكم العراقي الجديد لا مثيل لها في العالم، وقد تعدي بند الفساد وحده الثمانية عشر ملياراً من الدولارات.هذه صورة لانهيار كامل في العراق، انهيار للدولة التي أشرف المحتلون علي بنائها، انهيار للحمة الوطنية، انهيار لأمن المحتلين والعراقيين علي السواء، وانهيار لأمل الخروج من هذا الكابوس الدموي إن استمرت الظروف السياسية علي ما هي عليه. خلال العامين الأخيرين، شهد العراق جدلاً واسعاً حول بنية الدولة، حول المحاصصة الطائفية والإثنية، حول الدستور، حول الفيدرالية، حول ممارسات الوزراء والحكومات المتعاقبة، وحول شرعية نظام يولد من رحــــم الاحتلال الأجنبي. ولكن أياً من قضايا هذا الجدل لم يعد يعني الكثير بالنسبة لعمق الهوة التي دفع إليهــا العراق. ما يعيشه العراق اليوم يتجاوز كل قضايا الجدل تلك ويتطلب تصوراً جذرياً لإعادة بــــناء الدولة والوطن علي السواء.الشرط الأول لإعادة بناء العراق ان تدرك الإدارة الامريكية، أو ان يجعلها العالم تدرك، ان كل محاولاتها لاستيعاب تحديات ما بعد الغزو قد أخفقت، وان الوجود الأجنبي في العراق لن يأتي إلا بمزيد من الكوارث للسياسة الامريكية وصورة امريكا في المشرق والعالم، للعراق والعراقيين، ولأمن المنطقة العربية ـ الإسلامية واستقرارها. لقد بات علي الاحتلال ان يرحل ويترك العراق وشأنه. علي الإدارة الامريكية ان تتخلص من وهم خطر الانسحاب من العراق، لأن البقاء يحمل مخاطر أكبر، وعليها ان تتخلص من إغراءات بعض السياسيين العراقيين الذين يدعون إلي بقاء القوات الامريكية في هذه الصورة أو تلك، لأن هؤلاء السياسيين لا ينظرون إلا إلي مصالح شخصية أو فئوية ولا يكترثون لحجم الموت والدمار والكراهية الذي انتجه الوضع الحالي. ولكن الخروج الامريكي من العراق يجب ان يتم بعد اتفاق دولي وإقليمي، علي ان تحل محل قوات الاحتلال قوات تابعة للجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، بحيث تعمل هذه القوات علي تضميد الجراح وحفظ الأمن خلال المرحلة الانتقالية.ثانياً، ان الكارثة التي انحدر إليها العراق ليست وليدة الاحتلال وحسب، بل وتتحمل مسؤوليتها أيضاً الطبقة السياسية التي نشأت في ظل الاحتلال. القوي السياسية الشيعية الطائفية مسؤولة كما بريمر عن زرع بذرة الصراع الطائفي في البلاد، والقوي السنية التي سارعت بهشاشة وأنانية فاضحة للمشاركة في نظام حكم غير قابل للبقاء وإضفاء الشرعية عليه مسؤولة كذلك. هذه الطبقة السياسية تحمل علي عاتقها دماء عشرات الآلاف من العراقيين، كما تحمل علي عاتقها جزءا كبيراً من مسؤولية انهيار لحمة العراق الوطنية وانهياره السياسي والاجتماعي. ومن العبث محاولة إخراج العراق من الهاوية بالاستعانة بأمثال الحكيم والمالكي والهاشمي ومن لف لفهما. علي هؤلاء الخروج من ساحة العمل السياسي، أو إخراجهم منها، علي ان تتسلم مقاليد العراق في مرحلة انتقالية كافية كفاءات وطنية غير حزبية، تؤمن بضرورة بقاء العراق والحفاظ عليه كوطن موحد لكل أبنائه، وبضرورة ان يعاد بناء الأسس التي ينبغي ان تنهض عليها الدولة العراقية الجديدة. في هذا البلد الكبير عدد كبير من الصالحين، المجردين من الهوي والأنانيات الفئوية والطائفية، شيوخ عشائر، أكاديميين، ورجال عمل عام. وهؤلاء هم الذين يمكن ان يستدعوا لتحمل عبء المرحلة الانتقالية.ثالثاً، مع خروج الاحتلال وتنحي الطبقة السياسية الحالية يجب ان يتخلص العراق من كل المواثيق والتقاليد التي أرسيت في فضائه السياسي خلال الأعوام الثلاثة الماضية. دولة المنطقة الخضراء، مهما بذل من محاولات تجميلها، غير قابلة للحياة ولا هي تصب في مصلحة أي من الأطراف التي ساهمت في تشكيلها. التصور الحالي للدولة لن يصب في صالح الشيعة، حتي إن تطور الأمر باتجاه التقسيم، فيدرالياً كان أو غير فيدرالي. الصراعات الشيعية ـ الشيعية التي يحملها رحم هذا التصور للدولة العراقية ستكون أكثر بشاعة ودموية من كل ما شهده العراق خلال سنوات الاحتلال الماضية. وبالرغم من ان التاريخ يشهد للسياسيين الأكراد بقصر النظر، فإن قصر نظر الزعماء الأكراد الحاليين وصل إلي مستوي غير مسبوق. علي عقلاء أكراد العراق ان يدركوا ان ميزان القوي الحالي لا يمكن ان يبقي علي ما هو عليه؛ وان من غير مصلحة الأكراد الدفع باتجاه تقسيم العراق لمجرد تسويغ انفصالهم عنه. كما ان عليهم ان يدركوا ان عليهم القبول بوحدة العراق وشعبه، او المضي في طريق الاستقلال بشجاعة ومسؤولية. وعندها، سيكون عليهم التعامل مع الجارتين الكبريين، إيران وتركيا، قبل القلق من رد الفعل العراقي. وعلي سنة العراق التحرر، مرة وإلي الأبد، من عبء النظام السابق، سياسياً وسيكولوجياً. كان النظام السابق كارثة علي العراق وعلي كل شعبه، ولا يكاد يوجد قرار كبير واحد اتخذه يمكن حتي ان يقترب من دائرة الصواب. السنة ليسوا طائفة، ولا كانوا يوماً كذلك؛ السنة هم حاضنة الأمة، بناة تاريخ العراق وحراس وجوده ومستقبله. وعليهم النظر إلي علاقاتهم مع فئات العراق الأخري علي هذا الأساس.رابعاً، والعراق هو أيضاً مسؤولية العرب والمسلمين، ودول جواره علي وجه الخصوص. ما علي رجال الحكم والدولة في إيران وتركيا وسورية والسعودية سوي النظر إلي الخارطة، قبل النظر في التاريخ، لإدراك ما تعنيه عافية العراق أو انهياره للمنطقة ككل. إن سار العراق باتجاه التقسيم الطائفي والإثني، وما سيجره مثل هذا النهج من تطهير إثني وطائفي وحرب أهلية، فمن سيحمي إيران وتركيا وإيران والسعودية ودول الخليج من الانحدار إلي ذات الهاوية. من سيحمي شعوب هذه الدول من انقضاض فئاتها الطائفية والإثنية علي بعضها البعض، ومن غرق المنطقة في الدماء وأوهام يوتوبيا الانقسام والاستقلال، والتدخلات الأجنبية من كل صنف ونوع. هناك، إضافة إلي ذلك، مسؤولية أخلاقية لابد ان تستشعرها دول الجوار وقوي هذا الجوار السياسية تجاه ما يعيشه العراق. إذ كيف يمكن للعرب والمسلمين الاستمرار في التفرج علي شعب شقيق وهو يئن تحت وطأة الاحتلال الأجنبي والصراعات الفئوية الخرقاء والدموية. علي دول الجوار العربية والإسلامية ان تصل إلي تفاهم جاد وعادل حول مستقبل العراق، وحول حدود مصالحها في هذا العراق؛ وأن تتوقف بالتالي عن التدخل المدمر في شأنه وفي بنيته السياسية. عليها ان تبذل جهداً حقيقياً لتوفير الأمن للمرحلة الانتقالية، وان تترك للعراقيين تحديد أسس بناء اجتماعهم الوطني والسياسي. كل ما يصيب وحدة العراق الوطنية ووحدة شعبه بالضرر سيفضي في النهاية إلي ضرر لا يقل وطأة علي الجوار العربي والإسلامي. ليس ثمة كيان واحد في المنطقة لا يشبه العراق، سواء من حيث التعدد الطائفي والإثني، أو من حيث ضعف بنية دولته الحديثة وعمرها القصير. الدفع نحو تجاوز العراق محنته الحالية، وإعادة بناء لحمته الداخلية، هو دليل آخر علي إمكانية نهوض المنطقة ككل وإمكانية حماية استقرارها في ظل تعدديتها الطائفية والعرقية. إن كان بإمكان العراق الخروج من محنته الحالية، ففي ذلك توكيد علي ان قوة مهما حاولت لن تستطيع تقسيم دول هذه المنطقة من العالم او استغلال تعددية شعبها من أجل دفعها في اتجاه التناحر والضعف.خامساً، العراق الحالي ليس وليداً اصطناعياً لوزارة المستعمرات البريطانية عشية الحرب العالمية الأولي، كما يظن الجهلاء بتاريخ العراق والمنطقة. ما ولد من لحظة الانهيار العثماني كان الدولة العراقية الحديثة، وهي اللحظة التي ولدت فيها كل دول المنطقة تقريباً. العراق كوطن، ومفهوم، وشعب، وهوية، هو نتاج قرون طوال من الابداع والحضارة، من الحروب والفتوحات والغزو، من الهجرات والاندماج، من العلاقة المتوترة والمبدعة بين الريف والبادية والمدينة، من المركزية وتحلل المركز، من النزعة الإمبراطورية والإلحاق بامبراطوريات أخري، ومن التسنن والتشيع والتصوف والسلفية. هذا العراق هو بوتقة لا مثيل لها لتحولات التاريخ وحركة الجماعات وتداخلها في قلب الشرق العظيم. وإن كان ثمة من ثابت يستحيل تحقيق نهوض جديد بدونه فهو الإقرار بالانتماء العربي ـ الإسلامي للعراق.الاجتماع العراقي هو اجتماع متنوع بلا شك، إثنياً ودينياً وطائفياً. وفي بلد يعتبر موطناً أصيلاً لكل جماعاته، بلد يستحيل فيه الحديث عن جماعة أو فئة طارئة، لا يعود هناك من معني لأكثرية وأقلية. كل الجماعات العراقية وليدة العراق وتاريخه بالغ الثراء والتنوع. ولكن هذا لا يجب ان يغطي علي حقائق أساسية وأصيلة في هوية العراق، حقائق تجذرت هي الأخري عبر توالي القرون. هذا بلد عربي ـ إسلامي، سيطرت العربية علي ثقافته واجتماعه، سواء عبر استقرار عربي بعيد الزمن، عبر هجرات قبلية عربية لم تنقطع، عبر حركة تعرب واسعة النطاق وطويلة، عبر ميراث ثقافي من اللغة والآداب والفقه والكتابة التاريخية، أو عبر ميراث إسلامي متصل منذ أربعة عشر قرناً. وبينما يجدر بالعراقيين العرب والمسلمين ان يدركوا ان الهوية العربية ـ الإسلامية لم تكن، ولا يجب ان يسمح بأن تتحول إلي، هوية حصرية طاردة، فعلي العراقيين غير العرب أو غير المسلمين ان يدركوا ان ثوابت التاريخ لا يمكن ان تطمس بتوازنات قوي طارئة، سرعان ما تنقلب وتترك من استقووا بها عراة في مواجهة شركائهم في الوطن. بدون الإقرار بانتماء العراق العربي ـ الإسلامي، سيكون من المستحيل بناء إجماع وطني علي قواعد راسخة، وسيصبح من المستحيل إعادة بناء العراق من جديد. كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث9