ماكس ريختر وغلاف الألبوم
أصدر الموسيقار الألماني ماكس ريختر، أحدث ألبوماته «الفصول الأربعة» الذي يحتوي على نسخته الخاصة من القطعة الأشهر، للموسيقار الإيطالي أنطونيو فيفالدي. وتعود مقطوعة الفصول الأربعة إلى عصر الباروك، حيث تم تأليفها عام 1720. ولا تزال حتى اليوم بأقسامها الأربعة، الربيع والصيف والخريف والشتاء، من أجمل الألحان المألوفة وأكثرها عزفاً واستماعاً، كما أنها قريبة إلى الأذواق المختلفة، بميلوديتها المحببة، وتعبيرها الدقيق عن كل فصل من فصول السنة وجمالياته، وكذلك بفكرتها الجاذبة المتجددة على الدوام. وربما لا يوجد مثيل في الموسيقى العربية لتجربة تلحين فصول السنة، سوى ما فعله فريد الأطرش في لحن الربيع.
كان ماكس ريختر معجباً منذ صغره بالفصول الأربعة لفيفالدي، ولا يزال ولعه بها قائماً كما يبدو. فهو لم يكتف بتقديم إعادة صياغة لألحانها، في ألبوم أصدره عام 2012، وعاد إليها بعد عشر سنوات ليتعامل معها من جديد. وليتأملها جيداً بعد أن اكتسب المزيد من النضج والخبرة الفنية، وهذا يدل على أن هذه القطعة الموسيقية تثيره حقاً، وتحرك في داخله الرغبة الإبداعية في الاشتباك معها، وإعادة تشكيلها بطريقة أو بأخرى. وهذا لا يعني أنه يرى فيها نقصاً أو عيباً ما يحاول إصلاحه، فهو مغرم بها إلى درجة أنه يحرص على أن يقترن اسمه باسمها، وأن تُسجل تجربته في تاريخ تلك القطعة الخالدة. وهو كذلك يريد أن يقول شيئاً من خلالها، بالإضافة إلى ما يقوم به من عملية تحديث فني يجيده هذا الفنان إلى حد كبير.
فمن أهم سماته كموسيقار هي حداثته وكلاسيكيته في آن، ويتميز أيضاً بأفكاره المبتكرة، واختياراته لمواضيع ألبوماته. كألبوم أصوات الذي أصدره عام 2020، وخصصه لموسيقى ألفها من وحي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وضم نصوص مواد الإعلان إلى موسيقاه، بلغات متعددة كان من بينها اللغة العربية. كما يؤلف ريختر موسيقى تصويرية لبعض الأفلام السينمائية، وتلائم موسيقاه كثيراً فن الباليه، وتعد موسيقى باليه «فرجينيا وولف» من أجمل أعماله، التي ساهمت في نجاح ذلك العرض الرائع الذي قدمته فرقة الباليه الملكي البريطانية عام 2015، ولم تعبر موسيقى ريختر عن حياة فرجينيا وولف ورواياتها وحسب، وإنما عن طريقة عمل ذهنها المعقدة، وكان هذا هو الجزء الأصعب في الموسيقى.
ألف الموسيقار الإيطالي أنطونيو فيفالدي، عمله المشهور «الفصول الأربعة» على هيئة مقطوعة مكونة من أربعة أقسام. كل قسم منها عبارة عن كونشرتو للكمان، يتكون من ثلاث حركات، تبدأ سريعة وتتجه نحو البطء، ثم تعود إلى السرعة مرة أخرى. وبما أن المقطوعة تنتمي إلى عصر الباروك، فمن الطبيعي أن يكون العود الباروكي حاضراً، بأنغامه العذبة الشجية ذات الأصول العربية، فهذه الآلة الموسيقية، من أبرز سمات عصر الباروك، وقد أخذتها أوروبا عن العرب في إسبانيا، وبالإضافة إلى العود الباروكي، يوجد الكمان بالطبع، بالإضافة إلى الوتريات الأخرى من فيولا وتشيللو وكونترباص، كما يوجد الهاربسيكورد أيضاً بطابعه الصوتي المميز. اعتمد ماكس ريختر على مجموعة الوتريات، وتخلى عن بعض الآلات واستبدلها بآلات أخرى، كما تخلى هو عن عزفه على البيانو، وظهر واقفاً في القطع المصورة أمام آلة سينثيزر إلكتروني. وهذه التغييرات التي قام بها ماكس ريختر في الآلات الموسيقية، ساهمت بالطبع في خلق تأثير فني جديد.
قام ماكس ريختر بتصوير بعض ألحان الفصول الأربعة، كالحركة الأولى من كونشرتو الربيع، والحركة الثالثة من كونشرتو الصيف، والحركة الثالثة أيضاً من كونشرتو الخريف.
تبدأ مقطوعة الفصول الأربعة بكونشرتو الربيع، الذي عبر فيه فيفالدي عن المرح والانطلاق في الحركة الأولى، والهدوء الرقيق كالنسيم في الحركة الثانية، والفرح والسعادة العميقة في الحركة الثالثة. وكونشرتو الربيع هو أول ما يصغي إليه المستمع في ألبوم ماكس ريختر أيضاً، ومن خلاله يتكون لديه الانطباع الأول عن هذه التجربة الفنية. ويلاحظ على الفور مع بداية الاستماع، تلك الامتدادات الصوتية، كالموجات المتلاحقة التي لا تنقطع، وهي سمة غالبة على موسيقى ريختر. فيشعر بحضور ريختر بقدر حضور فيفالدي في الموسيقى، كأن الموسيقار الألماني يقول: هذا فيفالدي وأنا ماكس ريختر، وها أنا أقف إلى جواره. كما يلاحظ المستمع أيضاً أن الموسيقى حديثة وعصرية، وفي الوقت نفسه لم يُمسخ طابعها الكلاسيكي. جعل ماكس ريختر الحركة الأولى من كونشرتو الربيع أسرع قليلاً، وفيها بعض التوقفات المفاجئة، بينما حملت الحركة الثانية الكثير من العمق والتأمل، وكانت الحركة الثالثة سريعة مع بعض اللمسات الإلكترونية.
في القسم الثاني من الفصول الأربعة «كونشرتو الصيف» تزيد الانطلاقات السريعة للكمان المنفرد في الحركة الأولى، والتبادل بين السرعة والبطء في الحركة الواحدة. وهذا الكونشرتو يحتوي على ثيمة من أجمل ثيمات المقطوعة بشكل عام. وتبدأ الحركة الثانية من الكونشرتو بطيئة يتصدرها الكمان المنفرد، ثم تدخل الآلات كلها دفعة واحدة، والحركة الأخيرة هي الأسرع، وتتطلب عازفاً ماهراً على الكمان. أما كونشرتو الصيف في ألبوم ماكس ريختر، وفي الحركة الأولى منه تحديداً، يجد المستمع أن روح ماكس ريختر امتزجت مع روح فيفالدي بشكل عجيب، أما الحركة الثانية فقد جعلها ريختر جاذبة للسمع، تثير الذهن وتحثه على التأمل بقوة. وزاد من سرعة الحركة الثالثة ومن تداخل الآلات فيها.
يبدأ كونشرتو الخريف سريعاً في حركته الأولى وفيه بعض الحيوية، ثم يحل الهدوء والسكون في الحركة الثانية، وكأن الخريف يشتد أو أن الليل قد هبط. ثم تأتي الحركة الثالثة سريعة بعض الشيء وفيها قدر من النشاط. ولدى ماكس ريختر، بدا تأثير فيفالدي هو الغالب على الحركة الأولى من كونشرتو الخريف، وعلى العكس جاءت الحركة الثانية مطبوعة بطابع ماكس ريختر الفني، وكذلك الحركة الثالثة.
يتميز كونشرتو الشتاء بإيقاعه المنتظم، وانفراد الكمان السريع في الحركة الأولى. وتعد الحركة الثانية من أهدأ الألحان، كأنها تعبر عن الرغبة في السكون، والاحتماء بالبيت والتماس الدفء. وتأتي الحركة الثالثة أسرع قليلاً لكنها تنطلق بتقطعات حذرة. وقد اعتمد ماكس ريختر على تكرار الثيمة الرئيسية في الحركة الأولى، بسرعة أكبر وبشكل متلاحق. ومنح الحركة الثانية المزيد من السكون، حيث يشعر المستمع بأنه يصغي إلى صوت الصمت المحيط بالموسيقى، وجعل الحركة الثالثة متصلة بشكل أكبر وقلل من انقطاعاتها.
قام ماكس ريختر بتصوير بعض ألحان الفصول الأربعة، كالحركة الأولى من كونشرتو الربيع، والحركة الثالثة من كونشرتو الصيف، والحركة الثالثة أيضاً من كونشرتو الخريف. وفي هذه القطع المصورة، يظهر ريختر واقفاً أمام آلة السينثيزر، ومن حوله العازفون والعازفات. وبشكل عام يعد ما فعله ريختر في ألبومه الجديد، عملاً ذهنياً لافتاً بقدر ما هو عمل موسيقي رائع، ودراسة عميقة أيضاً لموسيقى فيفالدي، وإعادة اكتشاف لها، ولإمكانياته هو كفنان، وللحياة اللانهائية الموجودة في الموسيقى الكلاسيكية، التي تُمكنها من العيش عبر القرون والأزمان.
كاتبة مصرية