الفضائيات أحرجت أهل الحكم في قضية حبس الصحافيين المصريين!

حجم الخط
0

سليم عزوز

علي الفضائيات الإخبارية ان تشكر أهل الحكم في مصر، وان شئنا الدقة فان عليها ان تشكر الظروف!

فإذا كان من المستقر عليه ان شهر رمضان المبارك، هو شهر ميت بالنسبة لهذا الصنف من القنوات التلفزيونية، لان المشاهدين ينصرفون عنها لمشاهدة المسلسلات، في القنوات الأخري، وهي لكثرتها تصيب المرء بالتخمة، فان الحكم بحبس أربعة من رؤساء تحرير الصحف الخاصة، بتهمة إهانة الرموز الوطنية، ومن قبله التحقيق مع أحدهم لانه نشر شائعة غير صحيحة عن مرض الرئيس، هذا الحكم وهذا التحقيق قد أعاد إليها الذين انصرفوا عنها من المشاهدين! قبل أيام دعا مجلس نقابة الصحافيين المصريين رؤساء التحرير الذين صدرت ضدهم أحكام بالحبس لحضور اجتماع خصصه لمناقشة هذه القضية، كما حضره نفر من كبار الكتاب، وحضره مكرم محمد احمد الذي وقع عليه العطاء الحكومي، ليعيد النقابة الي أحضان السلطة الدافئة، ويقوم بعملية تحرير لسلالمها، التي تحولت الي موقع استراتيجي للرافضين للتوريث والتأبيد والاستبداد، ولهذا فانه منذ اليوم الأول لإعلانه الترشيح لمنصب نقيب الصحافيين، وهو يعيد ويزيد في مهمته الوطنية، باعتبارها برنامجه الوحيد. وكما سعدت به السلطة، فقد سعدت بترشيحه جريدة (هآرتس) الإسرائيلية، وأقامت له (زفة) معتبرة، ونظرت لنجاحه في الانتخابات علي انه سيمثل انتصارا لمشروعات التطبيع، لان النقابة تقف ضد التطيبع، وسيادته مطبع!

في هذا اليوم، وقبل موعد الاجتماع بأكثر من ساعة احتشدت كاميرات الفضائيات في بهو النقابة، وحاولت ان أحصيها عددا، لكني فشلت، وقد استقبلت رؤساء التحرير المحكوم عليهم بتزاحم، يوحي كما لو كانوا في طريقهم للسجن، وليسوا في مواجهة حكم صادر من محكمة جنح، الطعن يبطل مفعوله، وهو حكم معيب، تخلق في رحم البطلان، ودفع بالدكتور عبد الحليم قنديل رابع أربعة شملهم، في ندوة قناة (الجزيرة)، لوصفه بأنه قرار اعتقال سياسي، وليس حكما قضائيا!

مكرم انتصب أمام إحدي الكاميرات، وقد سمعته يعلن في شموخ، ان نظام مبارك يُشهد له انه لم يغلق صحيفة، وبعد ان انتهي من مرافعته اشتبك مع الزميل عبده مغربي الذي سأله: ألم يغلق هذا النظام جريدة الشعب؟ وغضب مكرم مرشح الحكومة لمنصب نقيب الصحافيين، لان هناك من لا يزال يتذكر واقعة مر عليها اكثر من خمسة عشر عاما، (مع ان الشعب أغلقت قبل سبع سنين فقط)، واستشهد صاحبنا المغربي بواقعة إغلاق جديدة، لم يمر عليها اكثر من عامين، هي الخاصة بجريدة (آفاق عربية). بيد أن المستنكر للتذكر، مع ان الله رزقنا بنعمة النسيان، يعتمد أسلوب جحا، الذي سئل ذات مرة: ماذا تفعل في ديونك القديمة؟.. قال: لا أسددها. فقيل له: والجديدة؟.. أجاب: اتركها حتي تصبح قديمة!

أناشيد الصباح مكرم محمد احمد معذور، فهناك (اكلشيه) صاغ كلماته الرائد متقاعد صفوت الشريف وزير الاعلام المشلوح، في وصف عهد الرئيس مبارك: بأنه العهد الذي لم يقصف قلما، ولم يسجن صحافيا، ولم يغلق صحيفة. وهي عبارة بليغة، يتم ترديدها في كثير من الأحيان بدون التفكر او التدبر فيها، حتي صارت مثل أناشيد الصباح في المدارس الابتدائية!

قبل ترديد مكرم محمد احمد لهذا (الأكلشيه) بأيام كان زميلنا مجدي الدقاق رئيس تحرير مجلة (الهلال)، وعضو لجنة السياسات بالحزب الحاكم، يطل علينا عبر برنامج (ما وراء الخبر) علي الجزيرة ويقول بثقة بليغة: لم يحدث ان حُبس صحافي في قضية رأي، او نشر، علي الإطلاق، في عهد الرئيس مبارك. معلنا ان الرئيس قال في اكثر من مرة انه ضد حبس الصحافيين.

وما قاله يوحي كما لو كان حبس مجدي احمد حسين، وصلاح بديوي، وجمال فهمي، وعمرو ناصف (مقدم البرامج بقناة المنار الآن)، وغيرهم، تم في عهد حمورابي.

وكما كان من سوء حظ مكرم ان يسمعه مغربي، فان من سوء حظ الدقاق ان حلقة (ما وراء الخبر) استضافت أيضا جمال فهمي عضو مجلس نقابة الصحافيين، والذي قام بتذكير المتحدث بأنه هو نفسه (أي فهمي) تم الحكم عليه بالحبس في قضية نشر، ودخل السجن، في العهد الذي لم يسجن صحافيا. وربما أوجع كلامه القوم لانه سيبطل مفعول (الاكلشيه)، ولهذا فقد انطلق أحد رؤساء تحرير الصحف الحكومية الجدد ـ الذي جاء اختياره في منصبه كأحد تجليات الفكر الجديد للحزب الحاكم ـ قائلا ان فهمي ليس صحافيا، لانه دخل الصحافة من باب كتابة المقال (الحمد لله انه لم يدخلها من باب الخدمة في البيوت). وما قاله هو نفس ما قاله المأسوف علي شبابه سمير رجب رجل النظام القوي سابقا، في وصلة هجوم من وصلاته، كانت ضد قامة بحجم الراحل أحمد بهاء الدين قبل سبعة عشر عاما!

واضح ان أهل الحكم، والذين من حولهم من الأعراب، يحافظون علي (اكلشيه) خالد الذكر صفوت الشريف، من الهواء العليل، وهم علي استعداد لان يفعلوا المستحيل من اجل تمكينهم من تلاوته، فإذا كان جمال فهمي دخل السجن في العهد الذي لم يسجن صحافيا، فلانه ليس صحافيا، وان كان صحافيا بحكم الانتماء والموقع، فلانه دخل الصحافة من باب الخطأ، ولا يعد حبسه سببا في توقف القوم عن ترديد هذا النشيد المدرسي. وهو أمر يذكرنا بواقعة إغلاق جريدة (الشعب)، حيث اعتبرت ما جري وقتها، فرصة مواتية لنطالب القوم بالتوقف عن ترديد هذا النشيد، فانبعث أشقاها وكتب: ان ما تم إغلاقه ليس جريدة ولكنه منشور، ولم يكن الكاتب من رجالات السلطة، ولكنه فقط كان (طالبا للقرب) وكان يقف علي باب القبول، وكما قال أحد المتصوفة: (باب القبول انفتح، قدم طلب يا ابني.. أنت عليك الأساس وأنا علي ابني)، وقد تقبلوا نضاله لصالحهم بقبول حسن!

تكرار الضيوف بعد ثلاثة أيام من حلقة برنامج الجزيرة، والتي استضافت مجدي الدقاق وجمال فهمي كنت امشي في مناكبها متجولا بالريموت كنترول في السماوات المفتوحة، من قناة الي أخري، بحثا عن المسلسلات التي لا يمكن لأي متفرغ ان يقف عليها جميعها في هذا الشهر الكريم، والتي تسير أحداثها ببطء، ذلك بان كل القنوات تتعامل بالمتر، وشراء المسلسلات من المنتجين لا يرجع للجودة، انما يتم بعدد الحلقات، ومعظم هذه المسلسلات لو تم تخفيض حلقاتها الي النصف فلن يشعر المشاهد بذلك، ولهذا فإنني قد لا أشاهد مسلسلا حلقتين، وعندما أعود إليه لا أجد هناك ما فاتني ويمكن ان يؤثر علي تسلسل الأحداث!

لقد وصلت لقناة (العربية) لأجد أمامي جمال فهمي بشحمه ولحمه، ومجدي الدقاق بلحمه وشحمه أيضا، والكلام حول ذات القضية التي كان الحديث يدور حولها في قناة (الجزيرة). مجدي كان يتحدث، ويظهر جمال بجانبه، ولا وجود للمذيعة، فظننت ان حلقة (ما وراء الخبر) يعاد بثها للمرة الثالثة علي (الجزيرة) لأهميتها، وبحلقت في الشاشة لاكتشف انها (العربية) وليست (الجزيرة)، فظننت ان القناتين وقعتا اتفاقية تعاون مشترك في شهر رمضان الكريم، نتيجة للصفاء النفسي الذي يعيش في ظلاله الصائمون، لكن بعد لحظات ظهرت منتهي الرمحي. برنامج الجزيرة كانت تديره جمانة نمور.. اللهم اني صائم!

إذن هي ظاهرة تكرار الضيوف، من باب الاستسهال، ولو سألت منتهي ايا من العاملين المصريين في العربية (التلفزيون او الموقع الإلكتروني)، فسوف يعدد لها قائمة من الأسماء تصلح للاستضافة والحديث في هذه القضية، أولها عندها وآخرها في صحراء نجد. وهذه الظاهرة، حتي لا نظلم (الجميلة) منتهي الرمحي، صارت من المعلوم بالفضائيات بالضرورة، وقد ظللت فترة كلما ذهبت الي فضائية أجد جمال عبد الجواد الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بـ الأهرام، حتي سألت نفسي متي يتناول هذا الرجل طعامه؟!

ولم يعد تكرار الضيف الواحد يتم في اكثر من قناة، ولكن هذا يحدث في القناة الواحدة، لدرجة ان عمرو حمزاوي اصبح يظهر في الجزيرة متحدثا في كثير من القضايا، اكثر من ظهور جميل عازر علي شاشتها. وعمرو يتميز بالاستقامة الفكرية، وهو لا يقول أي كلام، لكن التكرار من شأنه ان يصيبنا معشر المشاهدين بالملل، ولو ظل الواحد منا يشاهد نانسي عجرم (اللهم اني صائم) كما يشاهد عمر حمزاوي وجمال عبد الجواد وغيرهما من الضيوف المكررين، فمؤكد ان تأثير رؤيتها سيكون نفس تأثير رؤية اختنا عائشة الكيلاني!

التكرار لم يقتصر علي ضيوف الفضائيات فقط، ولكنه اصبح ظاهرة في كثير من الأعمال الدرامية في هذا الشهر الكريم، لدرجة ان ممثلة اسمها لقاء الخميسي تظهر في أربعة مسلسلات، كما لو كانت فنانة لا قبلها ولا بعدها!

حيص بيص مكتب الجزيرة بالقاهرة نظم ندوة حول حرية الصحافة في مصر علي خلفية حكم الحبس لأربعة من رؤساء تحرير الصحف الخاصة، تم نقلها علي الهواء مباشرة، تحدث فيها عشرة من الصحافيين، وأدارها باقتدار حسين عبد الغني، وكان أول المتحدثين هو عبد الحليم قنديل أحد المحكوم عليهم بالحبس في القضية، والذي جعل سقف البرنامج السماء، وقال ان الحكم يهدف الي خلق هالة مصطنعة للوريث، واجمع المتحدثون علي ان هناك هجمة علي حرية الصحافة في مصر!

ولا شك ان هذا الاحتشاد الفضائي قد جعل اهل الحكم في مصر في (حيص بيص)، لا سيما وان الحكم بتهمة إهانة الرموز الوطنية، ومن بينها رئيس الحكومة، أقام الدعوي فيه محام بالحزب الحاكم بتوكيل باطل. ومعلوم ان مصطلح الرموز الوطنية يعني اول ما يعني في الوجدان المصري شخصيات تاريخية مثل سعد زغلول، ومكرم عبيد، ومصطفي النحاس، واحمد عرابي، وطلعت حرب، وغيرها من الرموز التي ناضلت ضد الاستعمار، ولم نكن نظن ان الحال (سيتدحدر) بنا علي هذا النحو!

مكرم محمد احمد رمي طوق النجاة ليخرج القوم من ورطتهم، بالعرض الخاص بتشكيل لجنة برئاسته لادارة حوار مع النظام، والتوسل اليه لسحب الدعوي، وبالتالي فانه يريد ان يكافئهم ان تواضعوا وقبلوا العرض، ويصبح واجبا علينا ان نقيم لهم فرح العمدة لانحيازهم لحرية الصحافة، مع ان الحكم باطل بطلانا يندرج به الي مرتبة الانعدام، واعتقد ان المحكمة التي ستنظر الحكم ستلغيه، وإذا كان الخوف من ان يحدث توجيه سياسي في الأمر، فهو أمر مستبعد بعد ان (جرستهم) الفضائيات، وجعلت سيرتهم علي كل لسان، واذا كان ولا بد فان السجن اشرف من الموافقة علي إلقاء طوق النجاة لهم، فلا أظن ان مكرم يتحدث بلسانه، ولكن بلسان من أرسله ورشحه نقيبا للصحافيين تحتفي بترشيحه جريدة (هآرتس) الإسرائيلية!

شكرا للفضائيات التي أحرجت أولي الأمر منا.. ونجاملكم في الأفراح.

ہ كاتب وصحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية