عبد الرزاق قيراط’خير الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر’، وعند تلفزيون ظالم. وقد اتفقت فضائياتنا التونسيّة على الجهاد ضدّ الجهاد فكرا وممارسة. فظلمت جمهورها بوضعه أمام المثل الشعبيّ القائل :’ ماعندك في الهمّ ما تختار’، بعد أن خصّصت جلّ البرامج الحواريّة، على مدى أسبوع أو أكثر، لمناقشة ما يتداول عن تجنيد ‘آلاف الشباب’ التونسيين الذين يُرحّلون إلى الأراضي السوريّة عبر تركيا بواسطة شبكات تنشط في ‘بلدان الربيع العربيّ’ حسب رواية وحيدة ردّدها المتكلّمون في تلفزاتنا مستغربين ما سمّوه صمت الحكومة وأجهزتها. وفي ظلّ غياب الأرقام الرسميّة التي من شأنها أن تزيح بعض الشكوك، تجد تلك البرامج متّسعا من الفراغ لتحشر فيه ما تشاء من الروايات أو المبالغات دون أن يناقشها عارف بالحقائق وتحاسبها جهة عليمة… وفي سياق تلك الفوضى، حاصرتنا القناة الوطنيّة وقناة التونسيّة ونسمة بتقارير لأمّهات يبكين أبناءهن الذين غادروا إلى سوريا وانقطع الاتصال بهم. وهذا الاتفاق التلفزيوني شكلا ومضمونا لم يعد يفاجئ أحدا من المتابعين عن كثب لبرامج فضائيّاتنا التي تعمل منذ سنتين بتنسيق غريب يوحي بوجود جهاز ماديّ أو معنويّ يعطي التعليمات ويحدّد الضيوف ويرسم المسارات التي تتماشى مع الأهداف المرجوّة..أمّا أطرف ما حدث في خضمّ ذلك الجدل، فالخصومة بين نسمة والتونسيّة بعد استضافتهما لنفس السيّدة التي بكت وأبكت حسرة على ابنها ‘المجاهد’ في أرض الشام. فقد ظهرت أمّ أخرى قالت إنّ الصورة التي عُرضت في نسمة لابنها محمد علي الطرابلسي، وتلك وليمة فرجويّة أعدّها الورتاني مقدّم برنامج لاباس، فثرثر طويلا وسأل ضيفته بطريقة أزعجتها وأزعجتنا، بعد أن وقع في التكرار والاجترار لمادّة أخذت حظّها وأكثر. ويبدو أنّ فرانس 24، اختارت أن تنهي ذلك الجدل بسؤال ضيفها علي العريّض عن موقف الحكومة من خروج التونسيّين للجهاد فبيّن أنّه ليس بإمكانها قانونا منع مواطنيها من السفر، موضّحا أنّهم :’يسافرون إلى ليبيا أو تركيا بداعي العمل أو السياحة، ثمّ ينتقلون إلى سوريا، وليس لنا الحقّ في منعهم من الخروج’.الجهاد بكلّ حريّة:بعيدا عن لوعة الأمّهات الاّتي ظهرن في التونسيّة أو نسمة أو الوطنيّة، حضرني السؤال: ‘من أنا في تونس’، قياسا على عنوان قصيدة نزار قباني’من أنا في أمريكا’:(من أنا في زمن الحاسوب و الروبوت، والقلب الصناعي وموسيقى مادونا؟ من أنا في زمن يصنعون الحبّ فيه في عيادات الأطبّاء؟ فحبّ بالأنابيب، وجنس بالأنابيب، وثورات وضبّاط يجيئون إلى السلطة من جوف الأنابيب.) أسئلة نطرحها على لسان الشاعر، لتدبّر ما شاهدناه في قنواتنا التونسيّة ‘المجاهدة’ من المتناقضات التي ظهرت في مفهوم الجهاد وتطبيقاته الجديدة. وقد تشكّلت أمامنا في مفارقة صارخة بين صور المجاهدين في سوريا، وصورة ‘أمينة’ ضيفة برنامج لاباس،( تعرّت فاستضيفت)، وهي أيضا ‘مناضلة مجاهدة ( بما في الصدور) من أجل الحريّات والحقوق’، كما قالت. وكلّ هؤلاء شبّان تونسيّون مولدًا ونشأةً، فكيف وصلوا إلى تلك النقطة الساخنة؟الأسئلة كثيرة، منها البسيط ومنها المعقّد، ولكنّ البرامج التي تناولت تلك القضيّة اكتفت كعادتها بما هو سطحيّ، فسألت عن موقف ذلك الحزب أو تلك الحركة كما حدث في برنامج ‘بكلّ حريّة’ على الوطنيّة الأولى حيث حوصِر ممثّل حزب التحرير لمعرفة موقفه من الفكرة، وظهر بمفرده حاملا لرؤية تخالف جميع الضيوف بمن في ذلك ممثّل وزارة الشؤون الدينيّة الذي عارض الظاهرة، ورفض الاتهامات الموجّهة إلى الوزير على خلفيّة ما جاء في إحدى خطبه من حثّ على الجهاد، مبرزا أنّ الجهاد أنواع يجب التمييز بينها، كما يجب التمييز بين ما يقوله الخادمي باعتباره خطيبا وما يقوله باعتباره وزيرا.. والتعليل بذلك الشكل لم يرض أحدا من الذين وجّهوا اتهاماتهم للوزير من أجل توريط الحكومة أو الترويكا، وذلك هو مربط الفرس الذي وصل إليه التلفزيون التونسي بشقيّه العامّ والخاصّ..وما عداه من الأسئلة العميقة فلا وجود لمن يطرحها، وليس من الضيوف من نراه مؤهّلا للخوض في تفاصيلها. فعندما يحضر السياسيّون يكثر الزيف الذي يصوّر الأشياء بحسب أهوائهم ومصالحهم. وأفضل مثال لتلك المصالح أنّ هولاند يحارب ‘المجاهدين’ في مالي ويسلّحهم في سوريا .. والصورة من أعجب ما نراه حولنا. ولعلّها تنبّهنا إلى خلل مّا يصعب معرفة المستفيدين منه في الوقت الحاليّ … ولكي نغلق هذه النافذة بشيء من التفكّر، يجوز لنا الاعتقاد أنّ للجهاد مفهوما يتطوّر عبر العصور، وقد جاهد المسلمون بالسيف، ثمّ جاهدوا بعد ذلك بالعلم عندما أسّسوا بيت الحكمة وترجموا آلاف الكتب التي جلبوها من مشارق الأرض ومغاربها، فأصلحوا ما في علوم السابقين من أخطاء، وأكملوا ما فيها من النقص وأضافوا إليها الجديد… وقد صوّرت شبكة البي بي سي وثائقيّا من ثلاث حلقات عن تلك الانجازات الاستثنائيّة التي أثبتت تفوّق المسلمين في الطبّ والفلك والكيمياء… ولئن عرضته الجزيرة الوثائقيّة معرّبا، فإنّ نسخته الفرنسيّة والانجليزيّة كانت دليلا على وعي الغرب بما بلغناه من رقيّ بفضل الإقبال على مختلف العلوم عملا بآيات من القرآن. ويعود الفضل في ذلك البرنامج للأستاذ البريطاني العراقيّ الأصل جيم الخليلي الذي يدرّس الفيزياء في الجامعات البريطانيّة. فقد بذل جهدا غاية في الإتقان، فكان بحق ّ من خيرة المجاهدين في سبيل الله بعمل تلفزيونيّ من شأنه أن يقنع كلّ من يشاهده بعظمة المسلمين في يوم من الأيام، وبعظمة الإسلام على الدوام. مغامرةٌ ‘على الطريق’:لم يحتفل حكّامنا هذا العام بعيد الاستقلال لأسباب عديدة منها (كما قيل) نكران الجميل الذي يُنسب ‘للمجاهد الأكبر’ الحبيب بورقيبة، حسب أنصاره في الداخل والخارج. واللقب الذي أسنده الرجل لنفسه بعد الاستقلال يدلّ على ما ذكرناه آنفا بخصوص المفاهيم التي تشتقّ من الجهاد اجتهادا في تطويع الدين للسياسة واستفادة السياسة من الدين. وبذلك المنطق اعتبر بورقيبة أنّ الجهاد المطلوب بعد الاستعمار هو بناء ‘دولة حديثة’، أهمّ أركانها النهوض بالشعب من خلال تعليم أبنائه وتحرير نسائه…وبسبب غياب المظاهر الاحتفاليّة في تونس، هاجر إلى باريس برنامج (قناة حنبعل)’على الطريق’ لمواكبة احتفال رمزيّ نظّمه العمدة ديلانوي (ذو الجذور التونسيّة). وتمثّل الاحتفال في إحياء ذكرى الاستقلال بتدشين نصب تذكاريّ للزعيم بورقيبة، وإلقاء كلمات تمجّد أيّام حكمه ونضاله… ولكنّ الموكب لم يخل من أهداف حزبيّة تناصر الفئة التي حكمتنا لنصف قرن، بتعاون معتاد مع المستعمر القديم الذي أخرج جيوشه من أرضنا ولكنّه ظلّ يتحكّم بمصائرنا عن طريق ‘الريموت كونترول’، فوجّه أعوانه من حكّامنا إلى وجهة ترضاها فرنسا وتُرضي مصالحها…وعلى هامش الاحتفال، كان ديلانوي يدردش مع المخرج في حديثه عن الملوخيّة باعتبارها أكلته المفضّلة، بينما كنت (في ذلك الوقت الذي يسجّل فيه البرنامج) مع مئات الركّاب نعاني الجوع والعطش في قطار لم يتحرّك إلى وجهته بسبب قطع السكّة من طرف المعتصمين في مدينة الحنشة: عشرة أنفار يطالبون الحكومة برفات البحّارة المفقودين بعد غرقهم في رحلة صيد، عطّلوا سفر مئات المسافرين من تونس وإليها لأكثر من خمس ساعات دون أن يتدخّل المسؤولون بحزم لإنهاء تلك الفوضى .. ومن غرائب الصدف أنّ القطار الذي ركبته، توقّف بنا في قرية تسمّى ‘دخان’، بين صفاقس وتونس، وكأنّ في الأمر تدبيرا وتدبّرا لما كتبته قبل أسبوع في هذه الزاوية بعنوان ‘دخان الديمقراطيّة’… وقد أدركت عندها البون الشاسع بين ما يحدث على الأرض وما يقال في الخطب، إذْ بشّرنا رئيس الحكومة الجديد بالحزم في مواجهة قطّاع الطرق والسكك والأرزاق، ولكنّنا لم نجد في ذلك اليوم حازما ولم نر عازما يفكّر فينا ولو بتخفيف وطأة الجوع والعطش والخوف… وفي القطار نساء وأطفال وشيوخ ومرضى ركبوا من مدينة قابس صباحا ليصلوا إلى العاصمة بعد منتصف الليل. وهكذا يخطئ بعضنا التقدير كما أخطأ برنامج ‘على الطريق’ طريقه، فطار إلى فرنسا عوض السياحة في طرقات هذا الوطن حيث يُعطّل الناس عن مصالحهم ولا يعتذر منهم أحد. وقد آلمني حقّا أن أصل إلى العاصمة بعد تلك الرحلة الشاقّة، فلا أجد مسؤولا ولو صغيرا (من شركة السكك الحديديّة أو من الحكومة)، لاستقبالنا والاعتذار إلينا، وامتصاص غضبنا، كما حدث في فرنسا حين تعطّلت القطارات بسبب العواصف الثلجيّة، فوجد المسافرون كلّ الرعاية، وقدّم لهم الطعام والشراب، ووفّر للعالقين المبيت في الفنادق القريبة…وقد اعتقدنا أنّ ثورة الكرامة ستعلي من شأن التونسيّين كما أردنا وكما سمعنا في الوعود الجميلة، ولكنّها كلمات أو لعلّها مجرّد دخان.كاتب تونسي[email protected]