كبير هو الفارق على صعيد المدى والعمر الزمني بين مرحلة الربيع العربي وبين حقبة الإستبداد الظالم التي سبقتها، فالقهر والعذاب والقمع وغياب أبسط أنواع الحرية طال وامتد لعقود زمنية عديدة، فقبل هذا الربيع كان الإلتصاق والتمسك بالكراسي الرئاسية حتى تأتي لحظة الموت هو السمة السائدة والطاغية في أغلب الدول العربية، جمهورية كانت أو ملكية، بل وحتى يتواصل ويتنامى الإستبداد فلقد كان الوجه الآخر لهذه العملة المفروضة على رقاب العباد، يتمثل في الكثير من البلدان بظاهرة التوريث التي عشنا ترجمات عديدة لها على أرض الواقع. بالمجمل العام، وبالرغم من هذا الفارق في العمر الزمني بين المرحلتين فقد يكون الذي قيل وكتب عن الربيع العربي الذي ثار بركانه في الشقيقة تونس، أكثر بكثير من ذلك الذي قيل وكتب عن مرحلة الإستبداد الظالم وأنظمتها، فالدراسات والمقالات لا تزال تأتي وكزخ المطر ومن كل الفرق، المتفائلة، والمتشائمة، وحتى المتشائلة منها، ولم تسلط أضواء العالم كله في يوم من الأيام على منطقتنا العربية كما هي مسلطة وموجهة إليه في وقتنا الراهن. الإهتمام الدولي من أعداء، وأصدقاء العالم العربي يكاد يصل إلى أعلى القمة وإلى أبعد المديات السياسية والإقتصادية والعسكرية والأمنية، وإن كنا نشعر ومن باب المنطق والموضوعية، وبالرغم من النيران التي إكتوينا بها كشعوب صابرة بأنه لا يجوز أن نضع جميع البيض في سلة واحدة، لأننا لو فعلنا ذلك وبغض النظر عن كل الغضب الكامن في التفاصيل فقد لا نلام، وهذا بطبيعة الحال من منظور المواقف والسياسات التي اتخذها ولا يزال هذا العالم من أسخن القضايا التي لا تزال تشتعل نيرانها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وما تعيشه من مأساة، حيث يواصل هذا العالم وعلى الأخص دوله القوية إدارة الظهر لها. إنتصر الربيع العربي في بعض البلدان العربية، وتحققت لها ولشعوبها بعض الإنجازات وإن كانت لا تزال في البدايات وتحاول ان تقطع الخطى نحو المستقبل الواعد والأفضل، في ذات الوقت، لا يزال البعض الآخر وخصوصا في دول النفط والغاز يحاول الإمساك والتشبث بكل ما هو قديم وبالي من عوالم الظلم وقهر الشعوب وحرمانها بالتالي من أبسط حقوقها، بل انهم لا يتوقفون عن التدخل السلبي في الدول التي تحقق فيها التغير والإصلاح بهدف حرفها عن المسار، وإعادتها إلى أحضان الإستعباد وحكم وسطوة أجهزة الأمن وسجونها وزنازينها وأقبيتها، وهذه بالنهاية معركة، ستتواصل ولا بد أن تنتصر في الختام راية الحرية على الحرمان ومهما طالت أو بعدت. الخوف الكامن في القلوب والعقول وبين الضلوع، يتمحور وينصب ويتمركز ونحن نشاهد ونتابع مجريات الحدث وتفاصيله عند حقيقة أن فقراء هذا الوطن العربي هم الذين رزعوا وسقوا زرعهم بالدم، ولكن الإنتهازيون وبقاياهم هنا وهناك هم الذين يقطفون ويستحوذون على كل ما ينضج من الثمار وللأسف الشديد، هذه هي محصلة الناتج الفعلي والأولي عندما نتوقف أمام ما جرى في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن، والبحرين، وحتى سورية بالرغم من كل الخصوصيات التي تعتري كل مجريات عملية التغيير التي لا تزال تنزف دما على أرض الواقع. وزيرة الصحة في ليبيا وعبر مقابلة مع إحدى الفضائيات تؤكد بأن أربعة مليارات دولار فقط استولت عليها عصابات ومافيات الفساد الليبي من وراء عملية معالجة الجرحى والمصابين والتي دارت عجلتها بشكل مريب بعيدا عن التنظيم والمراقبة والمحاسبة، وقد يكون ذلك مجرد مثال بسيط للمليارات التي لا حصر لها والتي طارت وتبخرت أيضا على أيدي تجار الحروب الجشعين والفاسدين وفي عمليات نفطية مشبوهة أو تحت ذرائع إعادة الإعمار.أين ذهبت كل هذه المليارات؟ ولماذا علينا العودة إلى الإستجداء من دول النفط والغاز والبنك الدولي؟ صحيفة ‘الغارديان’ وفي عددها الصادر في الثالث من سبتمبر نشرت تحقيق يشير إلى أن قادة ست دول عربية نهبوا نحو (300) بليون دولار من ثروات بلادهم على مدى الأربعين سنة الماضية، وخبراء البنك الدولي قدروا حجم المال المنهوب من مصر وحدها فقط خلال الثلاثة عقود الماضية بنحو (134) بليون دولار، الزوجات، والأبناء، ومختلف الأقارب، وباقي الحاشية المقربة كلهم سرقوا ونهبوا وتطاولت أيديهم على قوت شعوبهم وعلى المال العام. د. امديرس القادري