مثل عربي: الغني يشتري الغنى، أما الفقير فلا يكاد يشتري قبلة الأبرص.
تذكر الكاتبة آن فاديمان في مقال لها أن إحدى النساء الثريات مولعة بحمالة النهدين ماركة «ميراكل برا» المرصعة بما قيمته مليون دولار من الماس، لأن زوجها يشعر بإثارة خاصة عندما ترتدي هذه الحمالة.
المال هو الشيء الجميل والبشع في دنيا الواقع في الوقت نفسه، فكل الشوائب يغذيها المال، وتتعمق هذه مع السنين وتصير سعارا لدى المرء، فتراه يخطط في الليالي والنهارات لغرض جمع المال. لقد صار أسيرا له أبد الدهر. ينطبق هذا الكلام على أغلبية البشر، رجالا ونساء، فقراء ومعدمين وأثرياء، ولا يبرأ من هذه اللوثة إلا من كان ذا حظوة قوية لدى آلهة القدر.
هنالك مجسات للمال في جسد الإنسان تجعل مشاعره تتدرب باستمرار في هذا الاتجاه، وفي الساعات التي يتملكه اليأس من الحصول عليه فإنه يرى المال، وبنوع من العناد الداخلي، شيئا صغيرا منبوذا، تافها، تأنفه حتى الكلاب، والمشكلة تكمن في أن هذا الشيء الصغير المنبوذ يعود بسرعة عجيبة يتغلب على المحاولات العديدة لنسيانه.
لا توجد في دنيا المال سيرورة مستمرة، مهما أوتينا من حكمة وحظ وخبرة في التعامل. القول الفيصل في الأخير لأحكام غامضة يقودها قدر سري لا يستطيع فك ألغازه أحد. يُحكى عن تاجر عماري – نسبة إلى مدينة العمارة – أنه كان يتمشى على كورنيش المدينة، وتحداه أحد الأشقياء أن يرمي مئة فلْس في النهر، وأخرج هذا قرصا فضي اللون يشبه الدرة من جيبه ورماه في النهر. قال له التاجر: «العاقل يستخرج النقود من النهر، والمجنون يرميها إليه» وذهبت قطعة المال بلمعتها إلى جوف النهر، ولم يحصل صاحبها على شيء غير سخرية الحاضرين. بعد عقود، كان أحفاد هذا التاجر الحكيم يفترشون أرض الكورنيش نفسه، يتسولون، بينما تملك أحفاد المفلس الذي رمى بالمال إلى النهر جميع البساتين الواقعة على الضفتين.
من المفكرين من يعدون تاريخ الإنسان صراعا من أجل الحرية، وهنالك من يولي هذا الصراع عرض كتفيه، ويؤمن بأنه النزاع الذي لا ينتهي بين الذين لا يملكون المال والذين يملكونه، أي صراع الفقراء مع الأغنياء.
«قال سكوت فيتزجرالد غاضبا:
– ما هذه الحال؟ ما الفرق بيننا والأغنياء؟ فأجاب همنغواي:
– الفرق هو أن الأغنياء لديهم نقود».
في دنيا المال هنالك المفاجأة دائما، إذ لا يوجد قانون يستنسخ النجاح في السوق، وإنما توجد قوالب (كليشيهات) مجربة. ثمة لا يقين أكيد في حظ البشر، كما أن النجاح والفشل في العمل لا يعرض أي ميل يتناسب مع القدرات الفطرية، ويميل الحُكم في الأخير إلى عنصر لا يمكن التنبؤ به. أكثر من خبر تقلبات المال وأهواء ربة الحظ هو الكاتب الروسي فيودور ديستويفسكي، وقال قولته الشهيرة: المال نوع من أنواع الشعر» بمعنى أنه لا قانون أرضي يضبطه، السماء وحدها هي الحكم، مثلما جاء في الذكر: «ويرزق من يشاء بغير حساب». كما أن الزمن وحده يتيح لنا إمكانية التعلم، والتخلي عن الأفكار المسبقة مهما بلغت صدقيتها. وفي هذا الصدد يسفه عالم الاجتماع علي الوردي الشعار الشهير «القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود» ويعترف أن الحياة تسير وفق قانون يجانب المنطق هو «اصرفْ ما في الجيب يأتيك ما في الغيب».
ليس هناك أصعب من الحاجة إلى المال، يشعر المرء عندها كما لو أن السماء تكاد تنطبق على الأرض، وهو يتنفس بينهما من ثقب إبرة، وأكثر الناس إلحافا في طلب النقود هو الفقير، الذي ينعت فقره بالأسود، وهذا لا يريد أحدنا أن يلتقي به، أو يصادفه، ولو مرة في العمر. مثلما هناك رغبة ومثابرة في طلب الثراء، نجد عند البعض ميلا شديدا إلى طلب الفقر، الأسود منه على الخصوص، وهناك من يثبت بسالته في طلبه، أو أن قدره يفعل المعجزات من أجل بلوغه. مثل: الفقير فوق الجمل وعضه الكلب. الإرادة الحديدية في طلب الفقر هي التي تبلغ بصاحبها هذا الهدف.
النوع الثاني من الفقر يُنعت بالأبيض، وهو أرستقراطي في طبعه، يشرق الوجه معه، ويترك لصاحبه الفسحة في أن يعيش بتوازن مادي، كما أن فيه نوعا من النقاء الخاص، يجعله يقاوم التأثيرات القوية التي تهز أوصال المجتمع. ثمة عوز، وثمة مظهر يدل على التقشف يقلقلان كيان الفقير، لكنْ، هناك حبل صلب من الثراء يشد كيانه، فيحسبه الرائي ممتلئا. الفقير الأبيض – ولا علاقة للَون السحنة بالتعبير- هو إنسان تشكل بالفعل ولا يمكن تحطيمه، امرؤ يستطيع أن يكون سعيدا جدا بأسلوب رقيق ومتضائل. إنه يملأ كرتنا الأرضية الجميلة مثل النباتات العشبية التي تعيش في جميع الظروف، كائن مصنوع من الحس السليم والحشمة، لا هو ذليل ولا هو في حاجة إلى خدم، كما أن الرصانة التي يتعامل بها في كيفية التصرف بالمال تجعل الموسرين والأثرياء يدون أمامه مثل شخصيات في مسرحية هزلية لا تستحق أن تُؤخذ بجدية. لقد أوصلته القناعة التي يؤمن بها إلى حالة من الرضا العبقري تعطي صاحبها مظهر النبالة، الذي عز وجوده في هذا الزمان. إن واحدهم صب في جسد وروح حازتا الجمال الرائع لأنه تجرد من أي أطماع، فالحياة المتواضعة ليست دوما بائسة، كما أن انتماءنا إلى طبقة المُعدمين لا يمنعنا من الأمل بأن أحد الأبناء أو الأحفاد ربما حاز في أحد الأيام، أهمية عرضية قصوى، وهذا الأمر يجعل الفريقين، أصحاب الفقر الأبيض والثراء الأبيض، قريبين من بعضهما بعضا، رغم بعد الشقة بين الاثنين. لا أحد في الخليقة البهيمية يحتاج إلى ما يزيد على الطعام والملجَأ.
إن المرء لا يستطيع أن يمنع نفسه من الابتسام لهذا المشهد، حوذي ينظر باحتقار إلى زبونه، وهذا يبدو رغم ثرائه مخذولا، يرى خادمه كأنه سيده. السيادة والعبودية ما هي إلا شعور يسكن فينا، ولا علاقة للعالم الخارجي بكل ما فيه بالأمر.
قيل لأعرابي متهدم الهيئة خلِق الثياب بسبب العوز ما سبب نحافتك؟ فأجاب: قرقمني العز. الفقر الأبيض لا يجعل المرء ينحدر إلى دركات مدقعة من العَوَز، فالكفاف الذي خاطه تدبيره في أمور المعيشة زانه مثل بدلة لا يرتديها لا الأغنياء ولا أولئك الذين ابتلاهم الفقر الأسود بالشح في كل شيء، وأوله الأخلاق، وهذه تقل هي الأخرى أو تُعدم في حال الغنى الأسود، عندما يصحو الإنسان ويجد المال يتكدس عليه، وكان هذا الحال مذموما لدى الأقدمين، ويدعونه بالمال الطارف، أو الطريف، أو القشيب، وهو الفاسد والمخلوط بالسم، من قشب الشيء إذا فسد. قال علي بن أبي طالب:
يعز غني النفسِ إن قل مالُه// ويغنى غَني المال وهو ذليلُ
أو المال الذي مصدره دوران دولاب الحظ الذي لا يعني شيئا. نوع آخر من الثراء الأسود يحل عندما يكون المال ربا لأهله، وهؤلاء ينطبق عليهم المثل الأمريكي: «إذا وضعت المال فوق رأسك أخفَضك، وإذا وضعته تحت قدميك رفعك». يغير المال الأسود النفس لا الذات، وهي المعدن الذي صاغنا منه الخالق، ولا يتغير بتبدل الظروف المحيطة. سُئل بوذا عن امرأة تاجر وكان الناس يعدونها زوجة وأما مثالية. أجابهم: عليكم أن لا تحكموا على المرء وهو في الحال الحسن، وصادف أن خسر الزوج جميع ماله، وساءت أخلاق الزوجة شيئا فشيئا، إلى أن تدهورت أخيرا إلى الأسفل. أكثر الناس فشلا في الحياة هم الذين يقتاتون على الماضي، ترك لهم الآباء ثروة، وهم يقضون أيامهم بتبذيرها في كل اتجاه، وعندما يأتون على الفلس الأخير ينقلبون إلى حياة الزهد والتصوف، ويدينون عندها الانشغال الزائد بالنجاح باعتباره رذيلة، أما أسوأ الناس طرا فهم الذين يتكالبون في سبيل جمع المال من أجل تكديسه، ومن ثم توريثه للأبناء العاطلين، وهؤلاء سوف يعتاشون على الماضي، ويقضون أيامهم بلا شيء غير العجز والكسل وتبذير المال حتى آخر فلس، ويكون مأواهم عندها دور العجزة أو المشافي الخاصة بالمجانين ومدمني الكحول والمخدرات، أو أنهم يرتكبون بسبب شذوذهم الذي قادهم إليه آباؤهم الجرائم الخطيرة ويساقون عندها صاغرين إلى حبل المشنقة.
جميع أموال العالم تجعلك فقيرا مذموما إذا نطقت فيك آفةُ الطمع، كما أن نزعة الجشع تؤول بالبشر إلى الضياع حتما. هنالك لوحات جحيمية تمثل الرجس البشري بأحط صوره يسلكه الإنسان في سبيل الحصول على المزيد من المال، وليس مثل هذا ذلك النوع من الثراء الذي يضع ملامحه الروائي الإيطالي لامبيدوزا في رواية «الفهد» وهو يتحدث عن كونتات بولنديين أرغمهم تبدل أحوال الزمان إلى أن يعملوا حوذيين، لكنهم كانوا «ينظرون إلى زبائنهم البورجوازيين نظرات تجعل أولئك المساكين يصعدون إلى العربة أذلاء كالكلاب في داخل الكنيسة، دون أن يعرفوا سبب ذلك». إن المرء لا يستطيع أن يمنع نفسه من الابتسام لهذا المشهد، حوذي ينظر باحتقار إلى زبونه، وهذا يبدو رغم ثرائه مخذولا، يرى خادمه كأنه سيده. السيادة والعبودية ما هي إلا شعور يسكن فينا، ولا علاقة للعالم الخارجي بكل ما فيه بالأمر. ويقرر لامبيدوزا في الأخير أن «ليس الأملاك الواسعة والحقوق الإقطاعية هي التي تخلق النبلاء الأشراف، لكنْ اختلافهم عن الآخرين».
أوسكار وايلد: «ثمة طبقة في المجتمع تفكر في المال أكثر من الأثرياء، وهي طبقة الفقراء. لا يمكن للفقير أن يفكر في شيء آخر، وهذه مأساة كونك فقيرا».
أكثرنا سوء حظ هو من يعمل الفقر الأسود في جسده مثل سير من جلد يغوص في الأعماق، والثراء الأسود يشبهه، إذ تتخذ أقدار الثري من هذا الصنف طريقا غير معقول وغير متوقع. لقد أخذ يحس أكثر فأكثر بحاجته إلى العظمة الحقيقية، بينما ينتفخ اسمه كل يوم كلافتة مقززة، أما شكله فقد غدا مثل صورة في مجلة رديئة، والنفس البشرية في الأخير ما هي إلا مجموعة من الشهوات والنزوات التي لا شكل لها. الفقر فاصل كبير، والثراء مانع كبير، ويتبادل الثري والفقير أدوارا يكونون فيها جيدين ورديئين، دون تفسير منطقي لما يحصل. ما الذي يمكن إضافته إلى ما سبق؟ إنها الآية الكريمة «رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير».
كاتب عراقي