الفقر والجفاف في بلاد ما بين النهرين.. جدلية السياسة والبيئة في تردي الواقع العراقي

حجم الخط
0

احسان الجيزاني ووثائق فنية في رسائل دكتوراة امريكيةمحمد حمدي ـ كولن (المانيا) : للبيئة في العراق معاناتها التي توازي معاناة الشعب في هذا البلد على مر العصور وربما فاقت هذه المعاناة في الزمن الحالي. اي وصف وحديث من تدمير وخراب بفعل مقصود حروبا وتجفيفا وحرقا وتلويثا دون ان تتعرض ملفاتها الى الفتح والتحقيق سوى من بعض المحاولات الجادة التي وصلت الى العالمية او تلك التي بقيت رهينة الكلمات والمحاولات هنا وهناك وربما اختلف الوضع بعض الشيء مع محور اللقاء اليوم ونقصد الفنان العراقي المغترب احسان الجيزاني الذي اثر ان تكون البيئة قضيته ليست الوحيدة وربما الاهم لترابطها المطبق مع الانسان ووجوده، انه اصرار على التغلغل في قضايا الوطن عن بعد وان كان قد اختار الغربة مرغما بسبب المطاردة من قبل الاجهزة القمعية للنظام السابق في فترة خلت، تغلغل في قضايا مهمة تخص هويته الوطنية وصدق الانتماء للوطن مستفيدا من هامش الشهرة والانفتاح الاعلامي حيث يقيم هناك في احدى المدن الالمانية الشهيرة بأنواع الفنون وضروبها المختلفة هي مدينة شتوتغارت، الامر الذي اكسبه خبرة اكاديمية من دراسة الفن الفوتوغرافي وفلسفة اللوحات والصورة ليكون عدسة ابداع شقت طريقها الى مستقبل الفن والشهرة بعشرات المعارض الفنية والمسابقات التي نال منها الشهرة اولا والوصول بقضاياه المطلوبة المدونة بالعدسة الى عمق من يريد التأثير بهم بحرفية واستحقاق، عبر معارض فنية متنوعة حملت اسماء (اثارنا في المهجر)، (اطفال العراق)، (ارواح النخيل)، (موت في العراق )، (فينيسيا واهوار العراق)، (مقابر النخيل الجماعية) ووو، واخرها (الفقر والجفاف في بلاد مابين النهرين) مع عشرات الافلام التسجيلية التي لم تبتعد عن’هموم الوطن بقضايا الاغتراب وهجرة العقول وغيرها من الموضوعات التي تمس حياتنا وهويتنا الوطنية، كل هذه القضايا ستكون محور اللقاء مع الفنان الفوتوغرافي المغترب احسان الجيزانيالبداية*الفنان احسان الجيزاني، ولعك بالتصوير والتحضير للعمل بدقة متناهية ينم عن خبرة كبيرة واحتراف فمتى بدات العمل او لنقل التاثر بالفن الفوتوغرافي فعليا ؟*لا انسى انني تعلمت ايضا بعض اصول التصوير من ابن خالتي في مدينة العمارة حيث تتلمذت على يديه رحمه الله فن صناعة الصورة واختيارها، هذه الاسباب دفعتني بقوة الى الرسم والتصوير بكاميرا بسيطة حصلت عليها بشق الانفس في ذلك الحين وتمكنت من تعلم اوليات التصوير بالقراءة والمتابعة التي اوصلتني الى المقارنة وربما المعارضة في وضع لا يعترف بهذه المسميات باعتبارها ضربا من الجنون والتحدي.غربة*اخترت الغربة مرغما وتركت مقاعد الدراسة فما هي اسرار العودة الى العدسة ؟*العدسة احساس ووجود بالنسبة لي والغربة كما قلت اخترتها عنوة بعد ان سدت بوجهي منافذ الحياة في الوطن وسئمت من قهر المعتقلات التي ارتني الوان العذاب مطلع تسعينيات القرن المنصرم فكانت وجهتي المانيا مثل الاف الشباب الذين غادروا الوطن بالاكراه، ولكنني اخترت العدسة ايضا كوسيلة للعمل والكسب وتمكنت من عمل افلام تسجيلية كثيرة عن الاغتراب العراقي وقضايا المهجر وتمكنت ايضا من عمل’معارض فنية فوتوغرافية عن معاناة وطن بأسلوب المقارنة الذي وجدت انه الانجح في كسب الاهتمام ولفت انظار العالم الى ما كان يحصل في العراق فترة الحصار الاقتصادي والحروب العبثية والمعتقلات الكئيبة، انها مرحلة لا توصف سوى بالعدسة، فالغربة اضحت لنا الخيار الوحيد لمن استطاع اليها سبيلا، الخلاص نعم الخلاص من موت محدق.*ومتى تحديدا وجدت الاهتمام والنجاح في المعارض التي اقمتها هناك ؟*اعتقد ان معرض ‘اطفال العراق’ الذي صورته بعد احداث عام 2003 ومعرض ‘اثارنا في المهجر’ كان صرخة مدوية في اوربا ونقلته ايضا الى بغداد واختيرت بعض لوحاته من منظمات انسانية فاعلة في الامم المتحدة. وحصد المعرضان اهتماما كبيرا ،فقد جسد الاول مقارنة لحالة الطفولة في العراق مع بقية بلدان العالم في مجالات التعليم والصحة وعمل الطفولة، فيما تناول المعرض الاخر واحدا من الملفات الخطرة حول ضياع ارثنا وتاريخنا الحضاري بين عواصم العالم وقد بذلت جهودا كبيرة لاجل جمع الاثار العراقية في فرنسا والمانيا وبريطانيا واعادة تجميعها في معرض يضمها في قاعات العرض وليس في متاحفهم، وبفضل الله وتعاون الخيرين داخل الوطن وخارجه صار المعرض وثيقة دامغة تطالب دوما باعادة اثارنا المنهوبة التي تعرضت للنهب، ومازالت اثارنا المنهوبة موزعة على المتاحف ومزادات البيع الاثري والسماسرة وهذه القضية تدمي الفؤاد وتلقي بالمسؤولية على عاتق كل عراقي نبيل غيور ان لا يدخر جهدا في سبيل عودة اثار النمرود واور وبابل واشور والحضر والحيرة الى مكانها الاصلي، وقمت باهداء ستين لوحة الى المتحف الوطني لكي اشارك في عملية اعادة الهوية العراقية (الاثار) بعد ان نهبت من قبل الاحتلال، والغي ما يقال بمثقفي الخارج والداخل .بيئة*كان حفل زفاف الفنان الجيزاني في المنامة عاصمة البحرين عبارة عن معرض كبير ضم العشرات من اعماله الفنية ونقلته شبكات التلفزة على انه حدث فريد لفنان عراقي مغترب كما اطلقت اسم اهوار على ابنتك الاولى اسم له دلالة وربما اشتقاق من معرض فوتوغرافي جاب مدن العالم طولا وعرضا فهل كان الهور قضية لعدسة الجيزاني ؟*الحقيقة انني اعتبرالبيئة والاهوار كلها قضية وطن وحضارة لا تختلف عن الاثار المنهوبة ايضا، فتجفيف الاهوار طمس لتاريخ وحضارة ووطن وقتل متعمد لبيئة رائعة الجمال لا تقل جمالا وسحرا عن فينيسيا ايطاليا، ولذلك اخترت اسم فينيسيا واهوار العراق عنوانا للمعرض الذي يقع في60لوحة صورت بين اهوار الجنوب ومدينة فينيسيا الايطالية بمشاركة فنانين ايطاليين، حاولت جاهدا ان استوعب كل مكامن وزوايا الاهوار واحتضار البيئة هناك في هذه المساحة الشاسعة من بلادي وقد بدا العرض الاول في جزيرة قريبة من مدينة برشلونة الاسبانية صالو- ونال الاهتمام من قبل السياسيين الاسبان وبالاخص المثقفين، لاستمرار المعرض متنقلا عبر مدن اوربية كثيرة .*ارى ان المعرض هو تكملة لمشاريع عن البيئة فما الذي تحقق من اصلاح خاصة وان عدستك توثق كل شيء عن البيئة في العراق :التصحر، رحيل الاهوار و النخيل وغيرها؟*لقد اعقب معرض الاهوار بفترة زمنية قياسية معرض اخر حمل قضية اخرى لا تقل اهمية عن الهور وتجفيفه وقضية زحف الصحراء على الارض الخضراء واقصد هوية اخرى ـ عمتنا النخلة ـ اجمل وانبل وصف من رسول الانسانية محمد ابن عبد الله وهو يدعونا لاكرامها والحفاظ على البيئة من خلالها وقد دونت عملي هذا بموسيقى استغاثة، نعم استغاثة مدونة في 35لوحة هي عدستي يضاف اليها الفيلم التسجيلي ‘ارواح النخيل’ ، اذكر بها كل من يعنيهم امر العراق بصدق ان نخيلنا هو العراق وعودة الحياة مفعمة بالقوة والجمال الى النخيل في موطنه الاصلي هو اكبر مشروع مما نطلق عليه اعادة الاعمار وهذا ليس بالعمل العسير علينا مع كل ما نحمل من تجارب صقلتنا على العمل الجاد والمثابر،هذه الرسالة موجهة الى الجميع بدون تحديد هو تحد للحرب التي دمرت بساتين النخيل في وقت قصير وعلينا ان لا نخسر اياما جديدة نراقب بها هذه المقابر لجذوع النخل، فثمة اجيال جديدة ترنو ببصرها نحونا وتنتظر ان نشق لها الارض ونزرع بذرة الحياة فيها، وهذه الاشارة من الامل بدت جلية في المياه القريبة من سواقي النخيل التي تنتظر الزرع الجديد، واود ان اشير اخيرا الى انني لست انا الوحيد في هذا الكون الذي يدرك ان البيئة العراقية تحتضر، كيف لا؟ وقد تحملت الاف الاطنان من الحديد المتفجر المشبع باليورانيوم والسموم والغبار مع ملايين اخرى من الالغام القاتلة المزروعة بنتاج الموت المحدق ودخان الحرائق ونزيف ابار النفط الى الفراتين، الكتلة بكاملها الماء والارض والهواء مع مادتها الانسان .*وهل كان معرض الفقر والجفاف في بلاد ما بين النهرين اضافة جديدة ببعد سياسي لقضية البيئة ؟*نعم المعرض الجديد اخذ بعدا مهما في قضايا البيئة، فالفقر والجفاف حالتان متلازمتان، في العراق اليوم فقر البيئة وفقر الانسان وتكاسل الحكومات المتلاحقة في رفع الحيف عنهما والتركيز على امور بعيدة كل البعد عن الاصلاح، فلا البيئة تعنيهم ولا الانسان ايضا والنتيجة هو هذا الخراب الهائل الذي’نراه، لقد قدمت شهادتي بهذا المعرض في خمسين لوحة مع فيلم الجذورالمصاحب لها، وهي المرة الاولى التي يستدل رسميا على لوحات وفيلم بشهادات رسمية حيث اخذ البروفسور الامريكي أ. ريشكامر وهو رئيس جامعة الامم المتحدة في كولن الالمانية اللوحات والفيلم ليستدل فيه على تدهور المناخ العالمي وربطه بالعراق بسبب تجفيف مناطق الاهوار وكذللك دجلة والفرات ولم يكتف البروفسور المتخصص في شؤون البيئة بذلك وانما اخذ الفيلم الى اميركا لطرح وتوثيق تدمير البيئة والمناخ من خلال مشاهد الفيلم .واضيف ايضا ان فيلم ‘ارواح النخيل’ قد عرض في المهرجان الذي نظمه ديوان الشرقي الغربي لسنة كاملة في جامعة كولن الالمانية وله دوره في الاشارة الى التدهور البيئي في العراق حيث اعتمد عشرة باحثين امريكيين يدرسون في هذه الجامعة الى مادة الفيلم كوثيقة لتعزيز بحوثهم البيئية، وهي المرة الاولى التي يعتمد’فيها فيلم لفنان عراقي في رسائل دكتوراة تخص البيئة. ولابد لي ان اسجل اعتزازي وفخري باني قدمت شيئا جديدا لبلدي، فهذه الدراسات ليست مجرد بحوث تركن على الرفوف بل هي اداة فعالة ابدا وبداية لن تنتهي نحو نصرة البيئة وفتح افاق التجديد للمزيد من الباحثين بل واكثر من ذلك بتقديم هؤلاء الباحثين لشكاوى رسمية الى الامم المتحدة لادانة تركيا وتقديمها الى المحكمة الدولية باعتبارها احد اهم اسباب الجفاف ونتائجه في العراق لان السدود التركية ستكون السبب الاول لجفاف نهري دجلة والفرات مستقبلا .*اذا هو دليل على التلوث واحتضار البيئة و الصراخ وبكاء عبرالعدسة؟*الصراخ عبر العدسة فلسفة في الحياة فأنا وعلى قدر مسؤوليتي اريد ان اوصل الصدى الى العالم ليعلم الجميع ما الذي حل بالبيئة في بلدي، واعتقد ان فصاحة العدسة وقوة حجتها بالادلة القاطعة قد وصلت الى حدود بعيدة من النجاح ونقل المعاناة الى العالم.*استشف بعدا سياسيا بين ثنايا لوحاتك وحديثك ايضا ؟*اتمنى ان تتحقق هذه الرؤية مع الجميع، فاصلاح واقع البيئة التي تجمعنا ونعشقها كعراقيين يعني بالضرورة اصلاح حالنا الذي لا يختلف عن واقع الاثار والنخيل والهور والارض في شيء منذ الحقبة الديكتاتورية وحتى اليوم، وهذا الربط هواساس عملي الفني في معرضي هذا والمعارض السابقة بلاد ما بين الخرابين اثارنا في المهجر الطفولة والاغتراب الاهوار وقد لازمتني هذه الافكار في جميع التجمعات التي شهدت لوحاتي في اوربا حيث اقيم.كلمة اخيرةكلمتي الاخيرة اراهن بها آملا التجديد في الواقع العراقي وآملا بسلطة الحل والعقد ان يستوعبوا الدروس تامة ولا يكونون نسخة مصورة لحكومات بائدة،فنحن الى الان لم نلمس شيئا من هذا التجديد الذي نريده على اقل تقدير ان ينسينا الماضي اولا ومن ثم نعيش الوقع الجديد الذي نحلم ان يكون العراق عراقا لنا.ملاحظة : المعرض اقيم في مدينة كولن الالمانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية