الفقر والعجز والإحباط عوامل تدفع اللبنانيين للانتحار

عبد معروف
حجم الخط
0

بيروت-“القدس العربي”:عادت ظاهر الانتحار لتشغل بال اللبنانيين، بعد إقدام أربعة مواطنين خلال ساعات قليلة على الانتحار، بالتزامن مع انهيار العملة الوطنية وارتفاع نسبة البطالة وأسعار السلع الغذائية والأدوية بشكل وصف بـ”الجنوني”.

وأثارت موجة الانتحار الأخيرة، حالة غضب وقلق لدى الرأي العام والدوائر المعنية في لبنان، بعد أن أكدت تقارير الأجهزة الأمنية ومنظمات المجتمع المدني، أن الانتحار جاء بسبب الفقر والعجز والإحباط وعدم القدرة على تأمين لقمة العيش والدواء لأسرهم، في ظل الأزمة الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تتعرض لها البلاد.

وكان لبنان شهد تزايدا ملحوظا في معدلات الانتحار خلال الأعوام الماضية، حيث بلغ عدد حالات الانتحار سنوياً من 2004 إلى2007 أكثر من 60 حالة، في حين ارتفع العدد الى 103 حالات في 2008 وتابع الارتفاع فوصل إلى 111 حالة في 2013.

أما  في 2016 فقد بلغت حالات الانتحار 128 حالة، زادت إلى 143 في 2017 و200 حالة في 2018 وعام 2019 بلغ 105 حالات، ولا تزال القائمة مستمرة.

تصاعدت الأزمة الاقتصادية اللبنانية بشكل خطير خلال العام الحالي، بالتزامن مع انتشار فيروس كورونا، وفقدت العملة المحلية قيمتها أمام العملات الأجنبية، وأقفلت مئات الشركات والمصانع أبوابها، وتراجعت حركة الأسواق، وارتفعت نسبة البطالة إلى أكثر من 60 في المئة بعد أن كانت منتصف العام الماضي حوالي 35 في المئة، وتشير إحصاءات إلى أن أكثر من 130 ألف شخص فقدوا وظائفهم منذ بداية العام الحالي نتيجة الأزمة الاقتصادية.

وتؤكد إحصاءات البنك الدولي، أن 50 في المئة من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر، و30 في المئة منهم تحت خط الفقر المدقع، وحذرت بعض منظمات الإغاثة الدولية في لبنان من تفشي الجوع في البلاد، وأثار ارتفاع الأسعار وفقدان الوظائف حالة من اليأس بين اللبنانيين، ما أدى إلى تفشي ظاهرة الانتحار على امتداد الأراضي اللبنانية.

عن الأسباب الكامنة وراء زيادة نسبة الانتحار في لبنان، أشارت د.ميا عطوي المعالجة النفسية إلى أن الانتحار ناتج عن مرض نفسي تسببه عوامل مختلفة تتعلق بالظروف المحيطة بالأشخاص، كالضغوط الاقتصادية والمادية والاجتماعية والنفسية. وأكدت عطوي على أن ضغوط الأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها لبنان حاليا، وعجز المواطن اللبناني عن تأمين لقمة عيش أسرته أثرت على الكثيرين، وتأثيرها أكبر على الأشخاص الذين يعانون من عوامل نفسية معينة.

وشددت على أهمية الانتباه إلى العوامل التي قد تؤدي بأشخاص إلى الانتحار، ومنها الشعور بالعجز والاكتئاب والرغبة بالانعزال وفقدان الأمل واليأس والتوقف عن الكلام.

ورأت المحللة النفسية ليلى أبو جودة أن الانتحار في لبنان، من المواضيع التي تشغل بال اللبنانيين وتشكل ظاهرة ملفتة، وبدأت تتحول إلى أحد المواضيع الساخنة في الأعوام القليلة الماضية، وبلغ الاهتمام به ذروته هذا العام بحيث بات ظاهرة شغلت الرأي العام وصار من المواضيع التي تشغل الإعلام اللبناني والعربي.

وتعتقد أبو جودة أن التفكك الأخلاقي المجتمعي والعجز المادي والاحباط، تؤدي إلى تيارات من الكآبة واليأس والخيبة، ما يعرض الفرد الهش للانتحار.

ويبقى حسب أبو جودة أن التردي الهائل حصل عام 2017 ومطلع العام الجاري فوصل البلد إلى الانهيار الشامل على جميع الصعد، من فشل الدولة والمؤسسات إلى الإفلاس وإغلاق المصانع، إضافة إلى الوضع السياسي والأمني المضطرب وغير المستقر والوضع الاقتصادي الخانق والبطالة والفقر، مما يقلق المواطن ويزيد ارتفاع حالات الاكتئاب المتفشي وسمة اليأس التي تتردد على كل لسان.

فالانتحار في رأيها، هو نتيجة تراخي روابط المجتمع، وينجم عن حالة مفرطة من التفرد، عكس المجتمعات التي تتمتع بضمير جمعي قوي ما يمنع حدوث وانتشار الانتحار فيها.

ويحتل لبنان المرتبة 160 من 183 دولة في ترتيب الدول بالنسبة لمعدل الانتحار، حيث جاءت ليتوانيا في المرتبة الأولى تليها روسيا، ويقول الاختصاصيون أن هذا المعدل يعد عاليًا نسبيًا رغم أنه أقل من معدلات الدول الغربية، غير أن الأزمة تتمحور حول زيادة معدلات تلك الجرائم في السنوات الأخيرة.

وأعربت أبو جودة عن قلقها من أن عددا من اللبنانيين باتوا يجدون في الانتحار أقصر الطرق للتخلص من أزماتهم خاصة المالية، لا سيما أن الآلاف من أرباب الأسر تحت خط الفقر ويعيشون البطالة الكاملة، مترافقة مع تحذيرات من مجاعة قادمة، والدعوات عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى الناس لتخزين المؤن والمواد الغذائية في بيوتهم استعدادا للأسوأ.

وبشأن موقف الدين من سلوك الانتحار، قال رئيس دائرة الفتوى في دار الإفتاء اللبنانية، الشيخ وسيم مزوق، إن “الله حرم قتل النفس في المطلق، إذ قال تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) و(لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)”.

وأكد مزوق أن “النفس هي ملك لله، ولا يجوز إيذاؤها، ومن يقدم على سلوك الانتحار فإنه يرتكب كبيرة من الكبائر تطيل مكوثه في جهنم كأنما هو خالد فيها”. وأردف: “رغم تحريم الانتحار في الدين الإسلامي، فإن رجال الدين يأبون إلا أن يغسلوا المنتحر ويكفنوه ويصلّوا عليه ويدعون له بالمغفرة، إلا في حالات نادرة جدا”.

وأوضح أن الواجب لا يقتضي أن يعاقب رجال الدين الشخص المنتحر، فالله هو صاحب العقاب، وهو أعلم بحال كل إنسان. وشدد على ضرورة معالجة أسباب هذه الجريمة المحرمة، فلا يصح ترك الإنسان للوصول إلى مثل هذا الحد من اليأس.

ودعا علماء الدين إلى القيام بحملات توعية في أوساط الناس، لتقريبهم من الله من خلال الدعاء والعبادة والصلاة، فالإيمان يقوي الإنسان ويجنبه سلوك الانتحار والوقوع في الحرام.

الاضطرابات الاقتصادية والسياسية والأمنية أثّرت في المجتمع اللبناني وخلقت حالة من الإحباط ومن الاضطرابات الاجتماعية التي خلقت مزاجا سيئا تسوده مشاعر اليأس وعدم الثقة والتشاؤم من المستقبل، وهي عناصر تلقي بظلالها على الحياة اليومية للبنانيين من الجنسين ومن مختلف الفئات، وتكوّن مزاجا سيئا ومتاعب نفسية تؤدي عند البعض إلى الميل نحو الانتحار، لذلك فإحصائيات عدة رجحت أن يتزايد عدد حالات الانتحار في لبنان خلال الفترة المقبلة، وهو ما دفع العديد من منظمات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية المعنية بالصحة النفسية التحذير من خطورة تصاعد هذا المنحنى وضرورة العمل على تحجيمه بشتى السبل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية