الفقر يتربص بالفلسطينيين والضفة الغربية على حافة انفجار

حجم الخط
1

هاجر شيزاف

اكتشفت الأم أن ابنها أصيب في رأسه، أخذته إلى الطبيب وأخبرها بأن عليها دفع 150 شيكلاً لقاء معالجته وتضميد جرحه. لا تملك الأم هذا المبلغ لتدفعه في تلك اللحظة. ولخشية الطبيب من عدم وصول هذا المبلغ إلى جيبه، اقترح اقتراحاً استثنائياً، أن يبقى الفتى كرهينة إلى أن تتدبر أمه أمرها بالمبلغ المطلوب. قصة غريبة حدثت هذا الشهر في يطا في جبل الخليل. عائلة أبو زهرة، وهي ضحية الأزمة الاقتصادية في الضفة، لم تتمكن من تجنيد حتى بضع عشرات من الشواكل، ووقفت عاجزة. في النهاية، تم الإفراج عن الابن وأرسل إلى البيت إلى روتين حياته، التي فيها أبناء العائلة عاطلون عن العمل، ولا يقدم الطعام على الطاولة إلا بصعوبة، وإذا توفر لا يُسمن ولا يغني من جوع. المهم ألا يحتاج العلاج مرة أخرى.

 عمل رجال العائلة، الأب والأولاد الأربعة والصهران، في فرع البناء داخل إسرائيل لسنوات طويلة. ولكن منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، قررت إسرائيل منع العمال الذين لديهم تصاريح عمل من الدخول إليها (باستثناء حالات شاذة)، هم يجلسون في البيوت في عجز وبدون مصدر رزق. سرعان ما أدى بهم الوضع إلى انهيار اقتصادي؛ في 20 تشرين الأول الماضي، بعد أسبوعين على بداية الحرب، توقفوا عن إرسال الأولاد إلى رياض الأطفال، لأنه لم تعد لديهم إمكانية لدفع 400 شيكل عن الطفل. “الأطفال في البيت طوال اليوم”، قال زهير أبو زهرة (27 سنة) وأب لثلاثة. “لا عمل أو دخل على الإطلاق. أنت في البيت مع الأولاد، والزوجة وتتساءل كيف ستوفر لهم احتياجاتهم”.

 حسب التقديرات، كان يعمل في إسرائيل وفي المستوطنات عشية الحرب نحو 160 ألف عامل فلسطيني، 19 في المئة من قوة العمل في “المناطق” [الضفة الغربية]. في كانون الثاني، دخل حوالي 14 ألف عامل فلسطيني بشكل رسمي للعمل في المناطق الصناعية في المستوطنات وفي بعض الفروع التي اعتبرت حيوية في إسرائيل. المأساة التي يضيفها هؤلاء العاطلون أظهرتها وثيقة للمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني أصدرها في الشهر الماضي، حيث بلغت نسبة البطالة في الضفة 29 في المئة من قوة العمل، مقابل 13 في المئة عشية اندلاع الحرب.

 تأثير هذه الاعداد على الحياة نفسها أصعب مما تظهره تقارير جافة في وسائل الإعلام الإسرائيلية عن وضع العمال في الضفة الغربية. فداء، أم في عائلة أبو زهرة، قالت إنها لا تملك ما تضعه على الطاولة أحياناً. وعندما يتوفر تطبخ شوربة العدس لأنها سلعة رخيصة. وتعطي أولادها الخبز والشاي في الصباح.

 فداء زوجة محمد (45 سنة) الذي لديه تصريح للعمل في إسرائيل. “في البداية، كان لدي القليل من الراتب الأخير”، قال بلغة عبرية طليقة. “قسمته إلى أجزاء واستخدمناه بالقطارة حتى يكفينا لبضعة أيام قادمة. عندما انتهى بدأت أقلق. لي صديق في “نتسيونا”، هو لي مثل الملاك. وقد حول لي عن طريق البنك مبلغ 2000 شيكل، وقمت بالشراء، وهذا المبلغ نفد أيضاً. بعد ذلك، اضطررت للاستدانة بضع مئات من الشواكل من أبناء عمي. وعندما لم يكن هذا كافياً، بدأت في بيع الممتلكات. في البداية، السقالات وبعد ذلك السقالات للأماكن المرتفعة. والآن لا نملك شيئاً. أرى أننا “سنكون في ضائقة اقتصادية خطيرة”، قال بيأس. في البيت، يقولون إنه أصبح يصعب شراء الدواء الذي تحتاجه فداء.

 على الورق إمكانية للعمل في “المناطق”، ولكن هناك سبباً لبقاء هذه الإمكانية على الورق، قال زهير. وحسب قوله، فإن سوق العمل المحلية مكتظة جداً منذ بداية الحرب، ومتوسط الأجر ضئيل جداً. “اتصلت مع شخص لأمر يتعلق بعمل في البناء في الخليل، وقال لي إن الأجرة اليومية ستكون 20 شيكلاً. هذه الأجرة ربما تغطي تكلفة السيارة من يطا إلى الخليل ذهاباً وإياباً. هذا أجر ضئيل حتى مقارنة مع الأجور التي حصل عليها الفلسطينيون قبل الحرب. وحسب المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن متوسط الأجر في الربع الثالث في 2023 للعمال كان 115 شيكلاً في اليوم (مقابل 300 شيكل في إسرائيل).

 هذه العائلة لا تعتبر حالة استثنائية. ففي يطا 7400 شخص يملكون تصاريح للعمل في إسرائيل، و700 شخص للعمل في المستوطنات، هذا إضافة إلى كثير من العمال الذين يعملون بدون تصاريح، وهكذا يصبح العدد أكبر بكثير. هذا أمر يظهر في الشوارع حرفياً؛ فالمحلات توقفت عن البيع بالدين في الأشهر الأخيرة، وترفض البيع بكميات كبيرة. وأي عملية سطو في أحد شوارع المدينة لن يعتبر أمراً مفاجئاً. وقال أبو زهرة: إذا لم يكن هذا كافياً، جاء إلى بيته في بداية الأسبوع أشخاص ملثمون وبحثوا عنه. يعتقد أنهم جاؤوا لتهديده، لأنه معني بتسويق التعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولأنه أجرى مقابلة مع وسيلة إعلام إسرائيلية في بيته.

 قبل شهر في مقابلة مع راديو “شهاب نابلس”، قال رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية، إن الحرب تمثل “فرصة كبيرة أمام الفلسطينيين للعودة إلى أراضيهم. العمال الذين كانوا يعملون في إسرائيل سيعودون إلى أراضيهم ويقومون بفلاحتها”. ووجه تصريح رئيس الحكومة هذا باحتقار ممزوج بالسخرية أو العكس. “ضحك الجميع من هذه المقابلة. أين سيزرعون وعن أي أرض يتحدث؟”، سأل ماجد (اسم مستعار) باستنكار.

 بشكل عام، يقول إن إحباطه الأكبر يتمثل بأن لا أحد يهتم بالعمال. “الوضع بائس جداً. هناك عمال لا يملكون شيكلاً. لا تنظر السلطة الفلسطينية إلى العمال، ولا أحد يسأل عنهم. وما ذنبه هو فيما حدث”. للوهلة الأولى، كان يجب إيجاد حل لذلك: أرسلت السلطة الفلسطينية للعمال رسائل أن بإمكانهم التقدم للبنوك والحصول على قرض صغير. حاول ذلك ماجد (49)، وهو من طولكرم وأب لولدين؛ فقد ذهب إلى البنك وطلب الحصول على قرض ولكن طلبه رفض لأنه لا يملك راتباً.

 إحدى شكاوى الفلسطينيين الذين يملكون تصاريح للعمل في إسرائيل ولكنهم باتوا عاطلين عن العمل الآن، أن لا شبكة دعم لهم. في الوقت الذي تمر فيه السلطة الفلسطينية نفسها بأزمة اقتصادية، لا أحد يسأل بجدية هل تستطيع هذه السلطة المساعدة. “هناك أشخاص باعوا سياراتهم. لي صديق له ابن في مدرسة خاصة، ولا يستطيع الدفع عنه، عندها أخرجوه من تلك المدرسة. لا أحد يرحم”، قال ماجد بخيبة أمل. “إذا استمر الوضع على هذا النحو، فما الذي سيحدث؟ انفجار”.

 هذه أقوال تبدو معروفة لآساف أديب، المدير العام لجمعية “معا”، التي تضم عمالاً فلسطينيين. حسب قوله، حصلت الجمعية على سيل من الطلبات في الأشهر الثلاثة الأخيرة. “شخص كتب لي بأنه باع أثاث بيته”، قال. “آخرون مترددون؛ هل يلغون تصاريح العمل في هذه الأثناء من أجل الحصول على أموال التقاعد التي تُقتطع منهم كل شهر، وهي الآن محتجزة في يد إسرائيل (سيتم الإفراج عنها إذا تم إلغاء تصريح العمل). ولكن حتى هذا، ترافقه المخاوف. فمن جهة، هناك من يخافون من التنازل عن تصريح العمل، وخلال أسبوع وشهر سيتم استئناف العمل في إسرائيل. من جهة أخرى، إذا تم استئناف العمل، فسيكون الخوف من خطة مقلصة للعمل تشمل كبار السن أو عدداً قليلاً من العمال. هذا نوع من رهان الروليتا الإسرائيلية”.

 من عادوا إلى العمل هم العمال الذين يملكون تصاريح عمل في المستوطنات. يدور الحديث في هذه الأثناء عن 9 آلاف عامل فلسطيني (5 آلاف عامل إضافي يعملون في المصانع الحيوية داخل إسرائيل). ماجد وأمثاله يجدون صعوبة في فهم هذا الرقم. “يحضرون عمالاً إلى أماكن بعيدة جداً فيها احتمالية أكبر للاحتكاك. لماذا في المستوطنات نعم، وداخل إسرائيل لا؟ ما المنطق؟”، يتساءل. “في نهاية المطاف، إذا خنقت شخصاً وحبسته، فسيفكر بالإرهاب”.

 وقف عمل العمال ليس العامل الوحيد للإضرار بالاقتصاد الفلسطيني في الضفة، هكذا تقدر منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة. فالاقتصاد الفلسطيني يعاني أيضاً من قيود على حركة الأشخاص والبضائع. وحسب التقديرات، أدت هذه القيود إلى انخفاض 10 في المئة آخر في التشغيل في القطاع الخاص. وقال ماجد: “من يبنون بيوتاً لأنفسهم، مثلاً، أشخاص يعملون في إسرائيل. وإذا لم يجدوا دخلاً فالعمل سيتوقف في الضفة أيضاً”. كرة الثلج هذه تؤثر أيضاً على العمال الذين يعملون في “المناطق” [الضفة الغربية].

 هذه أقوال تتساوق أيضاً مع موقف جهاز الأمن الإسرائيلي الذي ينسب التدهور في وضع الضفة الاقتصادي لعدة عوامل. أولًا، عدم إدخال العمال؛ فهم لا يكسبون الأموال، وسيشترون بضائع أقل في السوق الفلسطينية. وهذا الوضع يؤدي إلى عدم دخول أموال نقدية إلى منظومة الاقتصاد. ثانياً، الوضع الاقتصادي الصعب للسلطة الفلسطينية نفسها؛ لأن الضرائب التي تجبيها إسرائيل لصالحها، لا تحوّلها إليها. وثمة عوامل أخرى مثل التآكل في أموال التبرعات التي تحصل عليها السلطة في السنوات الأخيرة، وأن مواطني إسرائيل العرب الذين يضخّون أموالاً للاقتصاد الفلسطيني عندما يتسوقون في الضفة، لن يفعلوا ذلك بسبب الوضع الأمني.

 في الوقت الحالي، ينجح ماجد في البقاء ورأسه على سطح الماء، ولكن بصعوبة. مشغله الإسرائيلي الذي يعمل عنده منذ 10 سنوات في الزراعة، أرسل له ولعمال آخرين بضعة آلاف من الشواكل على حساب الإجازة والنقاهة. “صديق لي يملك سوبرماركت، يثق بي ويبيعني بالدين مقابل سداده ريثما أملك المال”، قال. في غضون ذلك، اضطر لطلب دين من أبناء العائلة من أجل تمويل الغذاء واحتياجات أساسية أخرى.

 ثمة تخوفات من اليوم التالي تبرز عقب فتح الحواجز للعودة إلى العمل، “أخاف العودة للعمل خصوصاً إذا تطلب ذلك العمل في الشارع”، قال أحد العمال، وهو يعزو ذلك للتحريض ضد العمال العرب وخوفاً من أن يتم تشخيصه بالخطأ كمخرب إذا ارتكب أي خطأ أثناء العمل. محمد أبو زهرة يتفق معه في هذا الشعور. “لقد شاهدت ردوداً قاسية في الشبكات الاجتماعية تجاه العمال الفلسطينيين، الأمر الذي أصابني بخيبة الأمل. الجمهور في إسرائيل جيد ومنفتح، وآمل ألا ينجر إلى الإساءة للعمال الذين بنوا الدولة والذين يمرون بالفحص الأمني”، قال.

 هآرتس 28/1/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية