الفكرة والصراع في رواية «بثينة» للسورية منتهى العيادة

لم تكن رواية «بثينة» للروائية السورية منتهى العيادة رواية صناعة فعل، بل هي رواية ردّة الفعل لما حصل لشخصياتها، التي هي بالتأكيد شخصيات مستلبة تمثل أنموذجا لما هو فاعل في الواقع ومأزوم أيضا.. فالرواية تحاول أن تصنع غضبها على الواقع، الذي كان هو الفعل، مثلما تحاول أن تواجه الفعل بردّة فعل، بالمقدار الذي تسعى إليه، ليكون على الأقل متساويًا في الاتجاه، لكون ردّة الفعل لن تنتج كلّ الواقع لرسمه بصورةٍ كاملة، فأخذت جزءًا منه المتعلّق ببطلة الرواية وحكايتها (بثينة) التي وضعت لها عنوان الرواية الصادرة عن دار كيوان عام 2019، ليكون العنوان قاب تفسيرين من المعنى التأويلي اللغوي والقصد الشخصي.

الفكرة والإزاحة

هذه الرواية في فكرتها صناعة حدث ليكون هو المواجه والمعادل الموضوعي للغضب كردّة فعل، ولهذا اتجه تدوين الرواية إلى ملاحقة الحكاية، خاصّة بما يتعلّق بالبطلة، التي يتبيّن منذ البدء أنها رواية ما يعرف بأدب السجون، لكن الروائية العيادة هنا اتجهت إلى استغلال أدب السجون لإنتاج نصّ الحياة ومفارقاتها.. فقد بدأت من منتصف الحكاية لتعود في حركاتٍ متعاقبةٍ لما هو ماضٍ للشخصية المتعلّق بالسجن، وما هو حاضر في إعادة الحب، خاصة أن الروائية أرادت تبسيط الفكرة حين جعلت الراوي/ الراوية التي تنيب عنها تتحدّث بطريقتها. إن البساطة هنا مركّبة بغضبٍ ظاهري وباطني.. فهي أي بثينة تشبه العديد من النساء المعتقلات، وبذلك فهي عادية وهي لم تضع زمانا أو مكانا أو عنوانا لسجن، فكانت بذلك تقصد إشاعة الأمر، وتجعله عموميا في سكب المواجع والإلهام إلى المتلقي، الامر ليس شخصيا، أو أن المتن الحكائي ينطلق من بثينة إلى النساء الأخريات وبالتالي إلى المجتمع. والروائية تلاحق الصراع الذي تعرضت له بثينة طوال 20 عاما من الاعتقالن وقد دخلت بعمر العشرين وخرجت في عمر الأربعين، وهو عمر الشباب والنضج والحب والإيمان، وكذلك المبادئ التي تبدأ مراهقة، لكنها أي المبادئ ماتت وهي تؤكد على ذلك في الرواية.
وهي هنا تبدأ بالغضب المكبوت مبكرا، وإن كان مستترا، حتى إنها أي الرواية استخدمت أسلوب الغائب المتداخل مع الأساليب الأخرى على ندرتها، لكي لا تكون إشارة المتلقي إلى شخصية معينة، خاصة إذا ما دونتها بطريقة المتكلم مثلا.. ولهذا فإن هذه الصيغة جعلتها تمضي في الوصف الداخلي وصف السجن والتعذيب ورحلة الحياة، ما قبل وما بعد، المبادئ، الشرف، تساوي السجن والاغتصاب على أيدي من هم في قيادة السجن، وهو أمر لا يختص بمنطقة محددة بل يكاد الأمر يكون عربيا في الكثير من الأحوال والأحيان.. ورغم أنها لن تعترف لإدارة السجن بتفاصيل العمل تحت يافطة المبادئ، إلا أن الندم كان حاضرا بعد الخروج من السجن، وهو غضب آخر تسجله العيادة في روايتها لتبيان الصراع وبدئه والغاية ونهايتها.. مثلمنا تريد تبيان الأهداف وطرقها والنتائج وهزيمتها، وإن كان ذلك قد جاء بطريقة التورية.
إن الفكرة قد تبدو واضحة، وقد تكون الحكاية قد تقشرت معالمها لما تحمله أفكار كهذه، من تشابه في التفاصيل، إلا أن الروائية خرجت من عباءة التشابه بتفعيل العنصر الدرامي، وإن كان ذلك قد جاء على حساب المتن السردي، لكنها كانت موفقة في جعل السؤال الغاضب هو المحور الأساس الذي بنيت عليه الرواية، وهو ما يتعلق بالماضي والحب الذي لم يمت، والعلاقات الأسرية والاجتماعية التي تبقى متفاعلة، مع الكثير من المتغيرات التي طرأت على البنية النسيجية للمجتمع، فكان الصراع ما بين الثبات والتضحيات، والاستمرار فيها من جهة، واليأس أو نتائج الاعتقال والحفاظ على شبكة العلاقات من جهة أخرى، فيكون المعادل الموضوعي هو وجود شخصية (أسعد) أخرى تكون هي المعادل للحب القديم المستمر الجديد بعد يباس في ذبذبات القلب، وهو ما يعني البقاء على جذوة الأحلام متقدة، رغم ما أريد لها من الانطفاء.

عتبات وفصول

الرواية كعتبات لم تبدأ من العنوان كبوابة أولى للدخول إلى المبنى الحكائي، بل بدأت بالإهداء حيث البنات فقط وهي رسالة عامة (إلى بناتي سوسن، صافية، نور، مها) ورجل واحد هو صهرها، وهو ما يعني الارتباط مع الأنثى ثم تختار عتبات أخرى لجعلها الحبل الذي يمسك بالأمل الضائع في المتن الروائي، وروح الحكاية، فاختارت مقولات ترتب بالحب لانطوان دي سانت، ومقولة أخرى لناجي العلي. وهما مقولتان وإن بدتا متعارضتين، لكنهما تفضحان الحالة الجوانية للروائية والفكرة التي اعتمدت عليها، وهي المخالفات في الواقع والغضب من الحاصل والتمسك بالمبادئ، وإن كان الأمر نسبيا في الرواية وبقدر التعلق بعملية المسك بالتفاصيل من جهة، والمسك بالتأويل والمراد الوصول له من جهة أخرى.
إن العتبات هنا تدخل فيها وضمن منهجية الفكرة والحكاية والمأساة من الواقع، والغضب الذي يغلف عملية التدوين والقهر المجتمعي، قد جعلت عدد فصول الرواية ثلاثة عشر فصلا، وهو رقم غير محبب ويفضح المكنون الغاضب والمأساوي والإدراكي الهادف إلى تخمين اللحظة، التي جعلت من (القصة / الفكرة/ الحكاية) تنتمي إلى أدب الواقع، خاصة أن العتبات الأخرى ترتبط بطريقة الهيمنة على فضح الأساليب التي تعرضت لها البطلة (بثينة) سواء من المجتمع بعد الخروج، أو قبلها في السجن، فضلا عن الحالة النفسية التي كانت تعتريها وهي تريد المحافظة والحفاظ على المبادئ.. لذا ترتكن الروائية إلى استخدام الصورة للتقرب من الهدف، وتوضيح العتبات، وربطها بالماهية التي تسعى إلى كشفها ورسم ملامحها وهي تأتي بطريقة التصاعد تارة والتقطيع تارة أخرى.
وهنا تكشف الطريقة التي انتهجتها الروائية لجعل راويها/ راويتها تأخذ مكان الحديث المباشر منها، وتوضيح العذاب من خلال كلمة (جلّاديها) وهي كلمة لا تترك الحياد يأخذ مجراه الطبيعي، بل أرادتها فضحا لكل ما حول البطلة .

المستوى الإخباري في الرواية يعتمد في تدوينه على حركتين تريدان كشف عوامل الغضب وردة الفعل، بمعنى أنه المسؤول عما يحصل من دواخل خارجية وداخلية، واتجاهات العمودي والأفقي في الرواية، وإن كان الإخبار الخارجي هو لاغ لوصول عملية الوصف إلى اعلى الممكنات من الوضوح التصويري.

مستويات السرد

الرواية كفكرة تحتاج إلى مهارة عالية لتبيان أدواتها السردية، وبالتالي توضيح المستويات التي تنتهجها عملية التدوين.. لذا فالروائية بدأت بالمستوى التصويري مباشرة، مع تداخل المستوى الإخباري، وهو أمر يشابه الكثير من الروايات التي تبدا عادة، إما بمستوى إخباري، أو بمستوى تصويري، وهو أمر مهم لإدخال المتلقي بعد العنونة بالتفاصيل المكانية والزمانية، التي حافظت عليها الروائية، من خلال تمكن الراوي في الرواية من التلاعب بحيثيات التواصل والتوافق بين اتجاهين مهمين.. الواقع الذي تعيشه البطلة والشخوص الأخرى والمخيلة التي تتيح الحركة للجميع لإنتاج نص روائي.. ومن خلال المستويين التصويري والإخباري، ومن خلال تقشير الانزياحات الزمانية واستعادة شهر تموز/يوليو في المخيلة الذاكراتية، يتكون لدينا إزاحة وتأويل يمكن للمتلقي الإمساك بهما ليستعين بهما على عملية اكتشاف القصد الذين تريد بثه الروائية.
إن المستوى الإخباري في الرواية يعتمد في تدوينه على حركتين تريدان كشف عوامل الغضب وردة الفعل، بمعنى أنه المسؤول عما يحصل من دواخل خارجية وداخلية، واتجاهات العمودي والأفقي في الرواية، وإن كان الإخبار الخارجي هو لاغ لوصول عملية الوصف إلى اعلى الممكنات من الوضوح التصويري..
الحركة الأولى: متن معلومات عما تقوم به الشخصيات من وقائع اجتماعية وسياسية ومعلومات عن المكان والمحيط والزمان وما حصل فيه.
الحركة الثانية: بث السؤال بطريقتين، الداخلي عبر لسان الراوي.. والخارجي عبر ألسنة الشخصيات.
ومن خلال مزج الحركتين يكون المتن السردي مواكبا للثيمة التي تريدها الروائية واضحة المعالم، خاصة أن السردي الكلي يعتمد على وجود راو/ راوية لا تتبين ملامحها إن كانت أنثى أو ذكرا، لكن ربط المتلقي بالاسم ووجود الشخصية المحورية والعنوان، يحيل إلى اقتراب المعرفة الكلية من أن هناك راوية، رغم أن المتلقي ربما يجنح إلى سماع صوت الكلمات، إذا ما غاب المنتج عن ذهنه ولذا عليه استدراك الهدف بين حالتين:
الأولى: راو للمتن كتدوين وقدرة على التلاعب ومهمة الإخراج النهائية.
الثانية: الحكاية كفكرة وقصة وقصد، وكيفية الممارسة التدوينية لتوضيح غائيتها، التي من أجلها كانت الرواية إنتاجا كتابيا.
في الحالتين لجأت الروائية إلى وصف راوي المتن الحكائي لمساعدتها على الوثوق بلغتها، ومن ثم اختيار الطريقة التي تنتهجها في عملية التدوين، ما جعلها تتدخل في المسار السردي للمتن .. تسأل وتجيب نيابة عن الشخصيات: وهو الأمر الذي نراه حتى في طريقة وضع الأسطر، التي قد نجد في بعضها كلمات متعلقة بما يشبه قصيدة النثر، لكنها إن لم تكن فواصل زمنية، لكنها كانت فواصل توضيحية من قبل الروائية لتكون متحدثة بالإنابة عن الشخصيات. إن هذه الطريقة في الروي لها ثلاثة أهداف:
الأول: ربط المعلومات عن الحكاية من جذرها إلى قمتها
الثاني: ربط الحكاية بالفكرة المتساوقة معها، لأن لا حكاية بلا فكرة للمناقشة.
الثالث: عدم التسارع في سكب الغضب، كونه ردة فعل لفعل الاعتقال، الذي يمثل عملية اعتقال المجتمع ككل.

الصراع واللغة

الرواية فيها الكثير من البؤر التي اعتمدت على الصراع المتكاتف، بين ما تريد الرواية، وما تطرحه الشخصيات، وإن كان بطريقة الملامسة في الكثير من الأحيان لتوجهات الخوف السياسي، أو عدم الغوص بعيدا في الممكنات المخفية، التي تؤدي إلى وقوع سلبيات غير محمودة.. ولهذا فإن الصراع كان يعتمد على وجود أهداف.
الاول: جعل الرواية قابلة لشد المتلقي ومعرفة ما يدور في حلبة الفكرة أساسا.
الثاني : تقشير القصديات التي يمكن من خلالها الإمساك بتفاصيل كل شخصية، بدءا من العوائل إلى الشارع إلى المنطقة والسجن والبلاد.
الثالث: خلط الأوراق على المتلقي الشرس، الذي يحاسب الكلمات، وبالتالي جعلها حكاية بحث عن حب وحرية.
الرابع: كسر أفق التوقع في عملية الاستمرار بموجهات الصراع، الذي تعيش في حلقاتها البطلة، وما يجاورها من شخصيات مرتبطة بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولهذا كان الأمر يحتاج إلى أن تكون اللغة أقرب إلى الواقع، ما دامت الفكرة واقعية، أو هكذا يراد لها أن تبدو، خاصة في ما يتعلق بالسجون، وهو أمر أدى إلى تزاحم بين الراوية والروائية في عملية الانتقال من الروي الغائب، إلى المتكلم، في محاولة لجعل الصراع مواكبا للحالة النفسية من جهة، والقدرة اللغوية من جهة أخرى. «ولكن هل سيقبل بي وأنا مختلفة عن كل سيدات العالم. لا توجد امرأة تشبهني». وهنا يمكن القول إن الصراع مع اللغة أخذ حالتين مهمتين لتكونا العلويتين في عملية التدوين.
الأولى : تلاحق الشخوص، وبث الصراع والتخلص من السردي القصصي إلى المتن الروائي.
الثانية: محاولة دمج اللغة بالصراع لتكوين شبكة علاقات لتكون داخل عملية الاهتمام الفكري، وتحويلها من مجرد حكاية إلى قصة تحمل فكرا يراد له أن يكون في مستوى الوصول إلى المستوى التحليلي العام، الذي يعطي للمتلقي القدرة على استنباط الحالات، التي لا تريد الرواية كشفها بصورة مباشرة.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية