“ينبغي أن نبحث عن الصورة الخالصة في حرارتها وضوئها في ذاتها من خلال إدراك الذات للذات” دلوز
من المعروف عن المخرجين الكبار، أنهم لا يفصحون عن حدسهم للصورة كاملا، ولكنهم يتركون نصفه إلى ما بعد الصورة، ويؤكد دلوز على هذه الميزة الموجودة عند بستر كياتون في عمله “فيلم”، حيث لاحظ أن حرية الكاميرا منحت للصورة حريتها، كما هو الشأن مع الفكر الذي ينمو في أحضان الحرية، لأن ما يجعل الفكر فكرا هو الحرية، فالصورة الشغوفة بالحرية تحكم على الوجه الآخر لها بالانزلاق في العدم، فنهاية “فيلم” تعلن عن الموت الثابت في الظلام.
هكذا نصل إلى الصورة إدراكا، التي تتجسد في الجسم المحسوس كالفكر، لكن ما الذي يميزها عن الصورة حركة والصورة زمانا؟ ألا يكون دلوز قد قام بتشخيص الصورة إدراكا من خلال تجلياتها في الجسد المحسوس؟ وما معنى الإدراك الذاتي الذي يختبئ وراء العين؟ وما علاقته بحرية الكاميرا؟ بل ما علاقته بدلوز؟
إنها أسئلة تستمد قلقها من قلق الميتافيزيقا، خاصة أن الفيلسوف كان يتمتع بانزلاق الصورة في العدم، بدلا من انزلاقها في الوجود، ولأن الوجود هو الفكر، والفكر هو الوجود؛ إنهما الشيء نفسه، ولذلك فإن هيغلية الفكر لدى دلوز، تحولت إلى عدمية الفن عند نيتشه، وهذه هي سمة ما بعد التراجيدية، التي تقول إن الفكر ينتج الوجود والصورة تبدع السينما، بيد أن دلوز ظل مندهشا أمام رجوع الكاميرا إلى الوراء، التي يطلق عليها إدراك الشيء لنفسه، أي الصورة شغف، وهي التي جعلت دلوز ينزلق في عدمية العدم لينعم بالوجود الخالص وجماليته، من أجل فن العيش .
يبدو ان هذه القراءة النيتشوية لفيلم “فيلم” هي التي جعلت دلوز ينتبه إلى أن العالم صورة فنية، ولذلك سيستحضر الفيلسوف بيرس، من خلال تصنيفه لأنواع الصور، مقابل أنواع الدلالات التي تتميز بغناها وعددها، فعلاقة الدلالة بالصورة لا تمنح سوى إمكانية القول إن الصورة هي التي توفر المكان للدلالة، كما يوفر الوجود المكان للفكر “بالنسبة لي يبدو أن الدلالة هي صورة جزئية من وجهة نظر الفكر، بل ألا تكون دلالات عديدة لصورة واحد”.
ربما يكون دلوز قد أرهقته الصورة حركة، أي السينما، ولذلك تسلل خلسة إلى السيميولوجية، وأراد البحث عن معنى لهذه الصورة، انطلاقا من العلامات، هكذا نجده يقترح قراءة الصورة حركة، بواسطة مجموعة من الدلالات أو العلامات، حيث يقول “لا نشعر بالإحراج في السينما لكي نتعرف على ثلاثة أنواع للصورة، التي تتناوب على الشاشة”، من أجل أن يجعل الفلسفة تعترف بالصورة حركة، والتي تستمد وجودها من الميتافيزيقا، سيلعب دلوز دور المنقب الجيد في تاريخ السينما، وعندما عثر على فيلم “ماباز اللاعب” لفرانز لانغ ترك الصورة حركة تعلن عن ماهيتها؛ فالمشهد المنظم في المكان والزمان، الساعات الثابتة والجريمة في القطار، السيارة تنقل الوثيقة المسروقة، الهاتف يحير ماباز، هكذا تبدو الصورة حركة متأثرة بهذا المشهد وتبحث لنفسها عن مكان متميز في الفيلم الأسود، وفي فيلم السرقة النموذج .
والحال أننا نوجد، حسب دلوز، أمام مأساة للمرئي واللامرئي، خاصة في ذلك المشهد الكبير للوجه، الذي يثير الرعب في النفس، على الرغم أنه من المستحيل إبداع فيلم من نوع واحد من الصور؛ الصورة إدراك، الصورة شغف، الصورة مشهد، وحدها السينما التجريبية استطاعت ان تبدع هذه الصور، إبداعا غاية في الجمال بواسطة المونتاج، بل إن كل واحدة من هذه الصور ستصبح هي ذاتها الصورة حركة والتي تحدد ماهية الفيلم كاملا، وبلغة إزنشتاين فكل صورة حركة، هي وجهة نظر حول الفيلم كاملا، طريقة لفهم الكل سواء في المشهد الكبير والمتوسط والمجموع، فهذه المشاهد تقدم قراءة للفيلم. وإذا اعتبرنا أن ما يقوله أرسطو عن الصورة في الميتافيزيقا، بأنها تخضع للكثرة مثل كل الأشياء التي تخضع للكون والفساد، حيث يقول “إن كل ما يتكون فإنه يتكون عن أحد ثلاثة أشياء، إما عن الطبيعة، وإما عن الصناعة، وإما من تلقاء نفسه، وهو المسمى بالاتفاق، وعن العنصر والفاعل”. فإن ما يهم دلوز من هذه الصورة هي التي تصدر عن الفاعل، أي المخرج السينمائي الذي لا يستطيع أن يكون فنانا إذا لم يكن ميتافيزيقيا يبدع صور الأشياء ويمنحها حقيقة فنية، وينقلها إلى ما هو موضوعي. فصناعة الصورة بالنسبة لدلوز تختلف من مدرسة سينمائية إلى أخرى، ذلك أن المدرسة التعبيرية مثلا، تعتمد على حركة الكاميرا وتصوير شخصيات الفيلم من الخلف، والشاهد على هذا فيلم “لفاريتي دو ديبون” هناك صور الغابات والشواطئ… ولذلك يتساءل دلوز عن فلسفة الصورة عند بازوليني، الذي يستثمر المقاربة اللسانية في أعماله، حيث تصبح الصورة إدراكا لخطاب مباشر للجمهور، على الرغم من أن بازوليني لا يرى أن الصورة السينمائية لا يمكنها أن تكون خطابا مباشرا أو غير مباشر، ولكنها مجرد خطاب حر تجمع طاقتها وتتألم من التعذيب، خير من أن تفقد عذريتها.
كاتب مغربي