الفلسطينية إيمان مصاروة: ادراك روح الشعر يقودنا إلى تتبع مواطن اللذة فيه

حجم الخط
2

حوارـ نضال القاسم: إيمان مصاروة شاعرة وباحثة فلسطينية متميزة استطاعت أن تلفت إليها أقلام النقاد وانتباه القراء منذ سنوات بقصائدها الجميلة ودراساتها العلمية التوثيقية التي تناولت في مجملها تأثير الاحتلال والاستيطان الصهيوني على مدينة القدس، إضافة إلى ما قدمته من أبحاث ودراسات أخرى متخصصة في هذا المجال.
* كثيراً ما ترتبط بدايات المبدعين بموقف أو ذكرى ما، كيف كانت بدايتك مع الشعر.
■ ككل البدايات, مخزون محمّل بالعاطفة والفكرة والحكايات المثقلة بالألوان وهموم شعب شربناها مع حليب أمهاتنا.
لكل مسافر زوّادته التي يملؤها بمكنوناته ونظرته للكون والحياة والناس من حوله والظروف التي أثرت في بناء شخصه على الصعيد النفسي والعاطفي والفكري، أضف الى ذلك واقعنا الفلسطيني المرير الذي يخلق في كل منا شاعر مثقل بهموم شعبه وتضحيات أبنائه وصمود مقاوميه.
بدأتُ بحرف بسيط وفكرة حبلى بالأمنيات، ومع الممارسة المقصودة وغير المقصودة وصلت إلى انجاز ديواني البكر «أنا حدثٌ ومجزرة» عام 1996.
* متى توطدت علاقتك القوية بالشعر؟
■ تراوحت علاقتي بين الاندفاع والعطاء والحاجة الى الكتابة بين فترة واخرى بحسب ما كان يواجهني في تجربتي الحياتية وارتباط ذلك بمن حولي، وأحياناً كنت أغيب أشهر دون أن أخط حرفا واحدا، ولكن أستطيع القول أن ظرفي العائلي المتمثل بمرض زوجي (رحمه الله) شكل دافعا قويا لهذه الكثافة الإبداعية المستمرة منذ عام 2006.
* كيف استطعت الجمع بين عدة مجالات قد تبدو متناقضة (الشعر والصحافة والعمل البحثي)، وهل أنت راضية عن مسيرتك حتى الآن؟
■ الشاعر انسان يتأثر بما يدور حوله من مشاهد الحياة ويبعث فيها روحه لتقطف من صورها ومشاهدها ما طاب منها وما أوجع فيعيد رسمها كما يراها وكما تتسلل لعاطفته وموهبته الشعرية.
وهذا يفتح آفاق أكبر تفوق الشعر والوصف لتصل الى التحفيز نحو المشاركة الحقيقية في اتجاهات أدبية أخرى من شأنها أن تترك بصمة للشاعر الانسان، وربما تضيف للواقع أشياء أخرى تخدم المجتمع وتسهم في انجاح مسيرتنا القومية وتخفف من معاناة البعض، لا سيما ونحن نقبع تحت قيد الاحتلال وقهره الذي يستدعي ان نواجهه بكل ما أوتينا، فالكلمة لا تقل أهمية وحرصا على الوطن من السلاح في الميدان فكلنا يناضل بطريقته.
أما حول رضاي عن نفسي حتى الآن، فانا لا أطمح إلا أن أكون شريكاً في رسم المشهد الثقافي العربي والفلسطيني على وجه الخصوص، واعتقد اني وصلت لمرحلة لا بأس بها، ولكن يبقى الحكم الأهم لجمهور ايمان مصاروة.
* إلى أي مدى تحضر ذاتك وتجاربتك الحياتية في نتاجك الإبداعي؟
■ إن طبيعة الشعر ومكانته واتصاله بالجمهور تختلف من زمن لآخر، وهذا الاختلاف والتنوع ينسجم مع طبيعة النفس البشرية ذات الذائقة الأدبية الشفافة، وإن ادراك الروح والذائقة لجماليات النص الأدبي (الشعري) يقودنا إلى مواطن اللذة والمتعة الفنية لا سيما حين يعكس مكنونات النفس ويجسد القيم الروحية السامية كالحرية والحب والجمال والحق.
والشعر ينقلنا من عالم مادي محدود إلى مستوى الإدراك الفني والوجداني والرمزي، وربما هنا أجد إيمان مصاروة (الإنسان والعاشق والوطن والقضية)، ولا يعدو مجتمعنا أن يكون بهذه الصفات، لذا أجدني وأجد كل من تمثلهم إيمان مصاروة في كتاباتي التي تنطق بلسان حال الناس.
* كيف تفسرين عدم ترجمة أعمالك إلى لغات أُخرى؟
■ حقيقة، هذا طموح ثانوي لدي، وعموما هذا متروك للقارئ الذي يتذوق الكلمة ويعطيها ما تستحقه.
* ما هو أثر النقد على تجربتك الشعرية؟
■ النقد البنّاء دائماً يقود للأفضل، وأنا مؤمنة بأن من ينتقدني يزيدني إصراراً على البحث عن طريقة أفضل للوصول للابداع الحقيقي، كما أنه يخلق فيَّ العزيمة والاصرار على ايجاد الافضل دائما.
* هل تعانين من «مأزق الورقة البيضاء» الذي يشكو منه بعض الشعراء؟
■ الورقة البيضاء تستفزني للكتابة وللبحث في خوالج نفسي كي أملأ بياضها بقصيدة تخلق واقعاً جديداً وتحمل رسالتنا للأخرين، ولا أعتبر الورقة البيضاء مأزقا بل تحفيزا نحو الخلق والابداع.
* ما أهمية المكان في نتاجك الإبداعي؟
■ للمكان ذاك السحر المحسوس والروحاني، وقد شكلّت القدس لي هذه المعادلة التي لا زالت تأخذ حصة الأسد من ابداعي نظرا لخصوصية هذه المدينة المقدسة التي صقلت فيها سنابل ابداعي وكلماتي، حيث كتبت عشرات القصائد في مدن فلسطينية وعربية مختلفة، إلا أن القدس أخذت الحيز الأكبر من كتاباتي، وهذا سر الرابط الروحاني بيني وبينها ولا زالت التلقائية الابداعية تتجه لها، حيث انتجت العديد من الابحاث العلمية المتخصصة بهذه المدينة إضافة لعشرات القصائد الشعرية.
* ما هو دور الأدب في حياتنا؟ وما هي القضية الرئيسية عند إيمان مصاروة؟
■ الأدب لا يقل أهمية عن كل المساهمات التي من شأنها أن تنشىء واقعا أفضل مما نحن عليه، وللأدب دوره العظيم في استعادة دور المثقف العربي الى حيز العطاء والانتماء الحقيقي لقضايا امتنا وقوميتنا العربية من اجل الحفاظ على موروثنا الثقافي والفكري.
أما القضية الرئيسية لدي، فهي الوطن بما فيه من مقومات الحياة المادية والحسية، وطن يملؤه الحب والأمن والسلام.
* هل توافقين على تصنيف الأدب إلى ذكوري وأنثوي؟
■ أنا مؤمنة بفكرة مفادها أن الخيال الشعري لا يقف عند حد وهو أشبه بالمطر لا يؤمن بالحدود, وله أن «يخرج عن المألوف ضمن المألوف»، أما علاقة المرأة بالأدب فيجب أن تكون علاقة وثيقة ولا أرى أن هناك فرق في اختيار المفردة والكلمة المعبرة بين الرجل والأنثى فكلانا يتجه نحو الخلق الجديد للغة والفكرة والعاطفة.
وما دون ذلك برأيي يعود للشاعر أو الشاعرة ولخصوصياتهم في فهم الأدب ورسالته ولا يخلو الأمر من وجود بعض المتسلقين على الكلمة بقصد الوصول الى الأنثى والعكس صحيح، وهم فئة قليلة جدا تتلاشى أمام الهدف الأسمى للشعر.
* كيف يمكننا التأسيس لفكر يتمتع بالمصداقية ويبتعد عن الشعاراتية؟ وما هو دور المبدع في صناعة المستقبل العربي؟
■ الساحة الأدبية مزدحمة جداً بالطاقات الفكرية والأدبية ولا سيما الشعرية التي تعتبر أساس المشهد الأدبي الأصيل عند العرب، ولكن تبقى هناك حاجة لايجاد مشاهد فكرية أخرى تساير حركة التطور الحياتية في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة.
أما المبدع فهو حامل رسالة، وأعتقد أن الشاعر مطالب بالمساهمة في خلق مجتمع مثقف وحضاري قادر على خدمة ذاته وخدمة الآخرين وخلق واقع أفضل لهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية