يستنجدُ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بالجامعة العربية. طلبَ عقد اجتماع طارئ لإدانة إعلان الإمارات عن التطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل. سمى “أبو مازن” الاتفاق بأنه “اتفاق الخيانة” للقضية الفلسطينية. نزل وقعه كالصاعقة على الفلسطينيين، فداسَ المصلّون خارج المسجد الأقصى صور ولي عهد أبو ظبي وحُرِقتْ في نابلس.
ليس الاتفاق أمراً بسيطاً. وصفْ دونالد ترامب له بـ”الإنجاز التاريخي والاختراق الكبير” دقيق. فالاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي، وفق مناهضين له، أخطر من معاهدتيّ السلام المصرية – الإسرائيلية، والأردنية-الإسرائيلية. أنهت اتفاقيتا كامب ديفيد (1978) ووداي عربة (1994) حال العداء بسلام مبدئي، لكنهما لم تُفضيا عملياً إلى تطبيع اقتصادي-اجتماعي، وفقاً لرغبة تل أبيب. مع الإمارات، سيتبدّل المشهد، حتى أن البيان المشترك الإماراتي-الإسرائيلي-الأمريكي، غاص في هذا الأمر بالتفصيل، متحدثاً عن علاقات طبيعية، وعن توقيع اتفاقيات ثنائية خلال أسابيع في قطاعات “الاستثمار والسياحة والرحلات الجوية المباشرة والأمن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافة والبيئة وإنشاء سفارات متبادلة وغيرها من المجالات ذات الفائدة المشتركة”.
المأزق الراهن فلسطينياً، أن سُبحة اتفاقيات السلام المنفرد ستكرّ. خطوة الإمارات مفتوحة على التحاق دول عربية أخرى بها. البحرين وسلطنة عُمان والسودان دول ثلاث مرشحة لأن تَـنْحُو منحى أبو ظبي، والمسألة هي مسألة وقت ليس إلا.
تُدرك السلطة في رام الله أن القضية الفلسطينية التي كانت لعقود قضية العرب الأولى انتقلت إلى مرتبة متأخرة بعدما باتت أولويات الدول مختلفة، تفتشُ عن كيفية صون أمنها القومي، وصوغ استراتيجيات تتصدّى للتهديدات الإقليمية الجديدة. لن يكون انعقاد الجامعة العربية بالأمر السهل، وثمّة شكوك في اجتماع قريب. وإن حصل الاجتماع، فليس متوقعاً صدور موقفٍ عالي السقف، على غرار ما حصل يوم ذهب الرئيس المصري أنور السادات إلى توقيع السلام مع إسرائيل، ومن الصعب حصول توافق على إدانة أبوظبي. ما هو مُرتجى من اجتماع الجامعة العربية-إن انعقد-أن يُعيد التأكيد على التمسّك بالمبادرة العربية في بيروت.
يعلم أبو مازن علم اليقين، أن خطّة دونالد ترامب للسلام، المعروفة بـ”صفقة القرن” أطاحت عملياً بالمبادرة العربية التي ارتكزت على قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران/يونيو 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون عاصمتها القدس الشرقية، وعودة اللاجئين، مقابل اعتبار النزاع العربي-الإسرائيلي منتهياً، وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل.
يضيق الأفق أمام الفلسطينيين. فخطة ترامب اعترفت بالقدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل، ونقلت واشنطن سفارتها إليها، وأعطت الضوء الأخضر لإسرائيل لضم المستوطنات في غور الأردن والضفة الغربية. ويأتي اليوم تعهّد بنيامين نتنياهو تعليق خطّته للضم ليُصوَّرَ على أنه تنازل إسرائيلي وانتصار لمصلحة الفلسطينيين الذين عليهم أن يلتقطوا الفرصة ويعاودوا الجلوس إلى طاولة المفاوضات للتوصّل إلى حل، هو من حيث المبدأ يقوم على حل الدولتين، ولكن بعدما تمّ تفريغ وتقزيم الدولة الفلسطينية.
وتقول أوساط فلسطينية إن بحثاً جدّياً كان يدور في رام الله قبل إعلان الاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي، حول عقد اجتماع موسّع يضمّ السلطة ومنظمة التحرير وممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطينية بما فيها “حماس” و”الجهاد” لسحب الاعتراف بإسرائيل، إذا ما بدأت بتنفيذ الضمّ. على أن الوضع بات أكثر تعقيداً. فالاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي قفز عن قرارات القمم العربية وقرارات الشرعية الدولية المتعلقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وسلّم بسيادة إسرائيل على القدس، مذكّراً بجواز أن يأتي جميع المسلمين، حسب خطة ترامب، لزيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، متحدثاً عن “أجندة استراتيجية للشرق الأوسط لتوسيع التعاون الدبلوماسي والتجاري والأمني”.
ولكن سوداوية المشهد، وسط التخبّط العربي، يجب ألا تدفع السلطة الفلسطينية، وفق مطلعين، إلى الانزلاق نحو تحالفات إقليمية مع إيران أو تركيا، المنخرطتين في مواجهات مستعرة مع الخليج ومصر، لأن ذلك سيؤول إلى مزيد من العزلة الفلسطينية التي أسهم بها الانقسام الداخلي وأضعف موقف القيادة جرّاء أجندات “حماس” و”الجهاد” بل يتطلب الوضع الحرج مزيداً من الجهد في اتجاه الدول العربية التي يمكن من خلال التزامها التاريخي والسياسي بالقضية الأم إعادة التأثير عليها، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، للعب دور في إعادة نوع من التوازن المفقود، لإحداث اختراق إيجابي، يُتيح للسلطة التقاط أنفاسها مجدداً.
لن تنفع كثيراً مواقف التنديد الكلامية أو الحملات على الأنظمة واتهامها بالخيانة. ثمّة تحوّلات كبرى حدثت في المنطقة. فليس تفصيلاً أن تقف طهران لتُعلن أنها تسيطر على أربع عواصم عربية، وتهزّ أمن دول المنطقة، وليس تفصيلاً انبعاث حلم الإمبراطورية التركية وسعي الرئيس تركي رجب طيب اردوغان لمدّ نفوذ إسلامه السياسي إلى حيث تصل يداه.
والأهم أن تحوّلات كبرى حصلت لدى الشعوب التي كانت تُبصر النور على حب فلسطين، فهي كانت تنحاز لقضية العرب الأولى يوم لم يكن الخطر محدقاً بدولها، والتحديات على أبوابها. وبالتالي، فإن الرهان على يقظة الشعوب فيه كثير من “نوستالجيا” غابرة، بعيداً عن مفهوم الحق والباطل، والنظرة إلى إسرائيل العدو آخذة في التبدّل بعدما أضحت إيران بحكم الملالي هي العدو.
وبعد، يكفي النظر إلى الترحيب الدولي بالاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي واعتباره دفعاً للسلام. ولعل المزاج العام الدولي اختصره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي عبّر عن الأمل بأن يساهم الاتفاق في تحقيق حل الدولتين بما يتّفق مع قرارات الأمم المتحدة والقانونِ الدولي.
يتوزّع العالم عربياً وإسلامياً ودولياً بين مرحبٍ ومتحفظ وصامت وقلة رافضة. وحدهم الفلسطينيون غاضبون خائفون وقلقون، وخياراتهم محدودة.